تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السموات والأرض...)
قال تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:189] ما منا إلا مملوك لله، أنت ومالك وزوجتك وأولادك مملوك، البلاد كلها وملكها ورجالها كلها مملوك لله، لا يخرج شيء أبداً عن قبضة الله وملكه، فنرجع إذا أردنا الصواب إلى الله، نذل له ونخضع بين يديه، لا أن نتكبر ونترفع ونحن مقبوضون في قبضة الجبار جل جلاله وعظم سلطانه، لا يفيدنا التبجح، ولا التعالي، ولا التكبر، ولا السمو، ولا طلب الرفعة، فالله ما يفيد أبداً؛ لأن الملك لله عز وجل هذا أولاً. وثانياً: والله جل جلاله على كل شيء يريده قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.فعلى القلوب الواعية أن تفزع إلى الله عز وجل، وأن تطرح بين يديه، وأن تسلم الأمر له، ومن طلب رفعة فليطلبها في دار السلام في الدرجات العلى، أما الدنيا فلا خير في سموها ولا رفعتها، بل الخير في التطامن والتواضع، واللين والانكسار بين يدي الجبار، فهذه هداية هذا القرآن الكريم.
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
لنستمع إلى الآيات المباركات: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:187-189].فالميثاق هو عهد مؤكد بيمين، أخذه الله على أهل الكتاب وأهل القرآن من باب أولى، فعلى أمة الإسلام أن لا تكتم الحق، وعليها أن تظهره، وتدعو البشرية كلها إلى أن تؤمن بالله ولقائه، وتعبد الله بما شرع؛ لتنجو وتسعد وتسلم، ولا يحل كتمان هذه الملة وجحودها، العلماء بصورة خاصة العارفين يجب أن لا يكتموا حلالاً أحله الله، ولا حراماً حرمه الله، فليبينوا.خلقان مذمومان: الأول التبجح والتطاول على الناس بالعمل الصالح، فهذا لا يليق بمؤمن ولا مؤمنة أبداً، بل نصوم ونصلي ونتصدق ونعبد الله، ونحن وجلون خائفون، لا أن نتخذ من ذلك تعالي وتكبر على الناس؛ ليقبلوا أيدينا وأرجلنا.ثالثاً: لا نحب أن نحمد بما لم نفعل أبداً، لو قيل: أنت تصدقت بكذا؟ نقول: لا ما تصدقتُ، قرأنا في الجريدة كذا، لا ليس أنا، هذا غيري، لا أن نوعد للناس يتمدحون بنا، ويقولون: فعلوا فعلوا، ونحن ما فعلنا. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران:188]، ما فعلوا، ويريدون أن يحمدوا على ذلك، هذه الأخلاق الذميمة ما رضيها الله لعباده الصالحين.وأخيراً لنعلم أن لله كل ما في السماوات والأرض، فلا باب نقرعه إلا بابه، ولا هناك من نطرح بين يديه نسأله إلا هو، وليس هناك من نكل إليه أمرنا ونفوضه إلا إلى الله؛ بعلمنا اليقيني أن الله لا يعجزه شيء، اسأل مطلوبك من الله، اسأل خيري الدنيا والآخرة، فإن بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، املأ قلبك بهذا النور يا عبد الله.هذا هو القرآن الكريم الذي حولوه إلى الموتى، وجعلوا دراسته محرمة، الذي يفسر القرآن فيصيب قد أخطأ، وإذا أخطأ كفر والعياذ بالله! فألجموا العلماء وكمموا أفواههم، لا تتكلم في القرآن، وتكلم بما شئت من قال فلان وقال فلان، حتى قال أحد علماء الأزهر؛ ذكر ذلك الشيخ رشيد رضا ، قال: من يقول: أنا أتعبد بالكتاب والسنة فقد تزندق! ما يفهم الكتاب والسنة أحد أبداً، خذ العلم من مؤلفات ومصنفات فقهاء الإسلام!والطريقة نكررها ونبلغها، قف يا عبد الله! وانظر إلى هذه الحلقة التي يجب أن تكون يومياً في كل حي من أحياء العالم الإسلامي، في كل قرية من قرى العالم الإسلامي، إذا صلوا المغرب نساءً ورجالاً وأطفالاً، يجلسون جلوسنا هذا من المغرب إلى العشاء، يتعلمون الكتاب والحكمة، هذا هو طريق النجاة وسبيل الخلاص، بدون هذا فلا علم ولا عمل إلا ما شاء الله مما قل.العودة الحقيقية في العالم الإسلامي هي أن يوقنوا أن الجهل بالله ومحابه ومساخطه هو الذي قعد بالمسلمين هذا القعود الذي أصبحوا أذلاء محتاجين فقراء إلى غيرهم، فالعودة أن نعود إلى العلم؛ علم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.أسألكم بالله يا عقلاء! إذا دقت الساعة السادسة مساءً أخذ الرجال يتطهرون والمؤمنات يتطهرن، وقصدوا بيت ربهم في حيهم أو قريتهم، لا يحتاجون إلى سيارة ولا إلى بعير يركبونه، المساجد حول بيوتهم، يجتمعون من المغرب إلى العشاء اجتماعنا هذا، أرأيتم السكينة علينا كيف هي؟ هل سمعتم لغطاً أو صوتاً؟ لو كنا نرى الملائكة والله لرأيناهم يحفون بنا، وقد ذكرنا الله في الملكوت الأعلى، فتحققت ولايتنا له؛ مثلنا يخزيهم الله؟! مثلنا يذلهم الله؟! والله ما كان ولن يكون، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، فتقوى الله عز وجل لابد لها من العلم الصحيح، ولابد من معرفة ما يحب ربنا من الاعتقادات والأقوال والأفعال، وكيف نقدم ذلك ونتعبد به ربنا، لابد من العلم، فلا ولاية بدون علم أبداً ومستحيل.وطريق العلم ليس معناه أننا نوقف دولاب العمل؛ لا مزرعة ولا مصنع ولا متجر ولا.. ولا..، كلنا في المساجد نتعلم، لا، فقط إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل، كما هو في أوروبا واليابان والأمريكان والصين، إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل، ويذهبون إلى المقاهي والملاهي والمراقص والمقاصف ودور السينما، والمؤمنون يذهبون إلى بيوت ربهم، بأطفالهم ونسائهم، يتلقون الكتاب والحكمة، يوماً بعد يوم، عام بعد آخر، ما يبقى جاهل ولا جاهلة، وإذا انتفى الجهل ينتفي به: السرقة، الغش، الشرك، النفاق، الخداع، الباطل، الظلم، الزنا، الفجور، كل ذلك يمحى محواً؛ لأنها سنة الله لا تتخلف.وأخيراً نقول: إذا شككت، فانظر أعلم أهل القرية تجده أتقى أهل القرية، لن تتأخر سنة الله عز وجل، يقول تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، عالمون بربهم، فأحبوه وخافوه، علموا محابه فقدموها له تملقاً إليه وتزلفاً، علموا مكارهه فتجنبوها وابتعدوا عنها، فتمت ولاية الله لهم، فأعزهم ولا أذلهم وأكرمهم ولا أهانهم.متى يعرف المسلمون هذا؟ فكيف نطالبهم بالجهاد والدمار، وهم ما استطاعوا أن يجلسوا ساعة في بيت ربهم يبكون بين يديه؛ لتتآلف القلوب والنفوس وتتلاقى الأرواح على نور الله وحبه وتقواه.فقد قالوا لي: يا شيخ! هذا الكلام الذي تقولوه ليس معقولاً، نريد أن ننزل للملكوت الأعلى، نخترق السبع الطباق وما نضحي بساعة من ليل أو نهار، ونقول: هذا غير معقول هذا مقبول؟ نريد أن نسود العالم وأن نطهر البشرية وأن نصبح أولياء الله، نعجز عن نحضر بيته ساعة أو ساعة ونصف اليوم والليلة، ولكن هذا قضاء الله وقدره.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
هداية الآيات
هذه الآيات الثلاث لها هدايات أيضاً، فننظر من أين نستنبط هذه الهدايات:قال: [ من هداية الآيات: أولاً: أخذ الله الميثاق على علماء أهل الكتاب ببيان الحق يتناول -أيضاً- علماء الإسلام ] كما بينا [ فإن عليهم أن يبينوا الحق ويجهروا به، ويحرم عليهم كتمانه أو تأويله إرضاء للناس ليحوزوا على مكسب دنيوي مالاً أو جاهاً أو سلطاناً ].[كتمانه أو تأويله] أي: بتفسيرات غير صالحة [إرضاء للناس] حتى يسودوا عليهم [ليحوزوا على مكسب دنيوي مالاً أو جاهاً أو سلطاناً].[ ثانياً: لا يجوز للمسلم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والمعروف، بل من الكمال أن لا يرغب المسلم في مدح الناس وثنائهم وهو فاعل لما يستوجب ذلك، فكيف بمن لم يفعل ثم يحب أن يحمد! بل بمن يفعل الشر والفساد ويحب أن يحمد عليه بالتصفيق له وكلمة يحيا الزعيم ].انتهت هذه وقد عشناها أكثر من أربعين سنة: يحيا الزعيم، يصفقون ويصفقون يحيا الزعيم، وهو ما فعل شيئاً بل دمر البلاد والعباد.كنا مرة في مؤتمر عربي حضره العرب حتى النساء إلا المصريات والسعوديات والعمانيات؛ لأن مصر مع تلك البلاد ما هم متفاهمين، فجلسنا وجاء الزعيم يخطب، خطب وإذا بالجالسين كلهم يقفون للتصفيق.. لا إله إلا الله، ما هذه الأمة! ( التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال ) قولوا: الله أكبر.. الله أكبر، أما نصفق ونحن ثلاثة عبد المحسن والشيخ وآخر في أبها جالسين، فتساءلوا: لِم هؤلاء لم يصفقوا؟قلنا لهم: التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال، والشاهد عندنا مظاهر الهبوط، هبطنا من علياء السماء إلى هذه الأرض، فمن يرفعنا؟ الكتاب والسنة، فبالله والرسول بهما ارتفعنا، ولما عاديناهما هبطنا، فكيف نعود؟ بالكتاب والسنة، حتى لا تبقى مذهبية ولا عنصرية ولا إقليمية ولا.. ولا.. مسلم، قال الله قال رسوله.قال: [ ثانياً: لا يجوز للمسلم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل ] بل حتى إذا فعل ما يحب أن يحمد بين الناس ويشتهر.قال: [ بما لم يفعل من الخير والمعروف، بل من الكمال أن لا يرغب المسلم في مدح الناس وثنائهم وهو فاعل لما يستوجب ذلك، فكيف بمن لم يفعل ثم يحب أن يحمد! بل بمن يفعل الشر والفساد بالأمة ويحب أن يحمد عليه بالتصفيق له وكلمة: يحيا الزعيم.ثالثاً: ملك الله تعالى لكل شيء وقدرته على كل شيء توجب -ماذا؟- الخوف منه والرغبة إليه وأكثر الناس عن هذا غافلون، وبه جاهلون ].ملك الله تعالى لكل شيء، وقدرته على كل شيء، يوجب الخوف من الله والرغبة فيما عنده، وأكثر لا يخافون ولا يرغبون؛ للجهل.وصلى الله على نبينا محمد.