قراءة في كتاب أيسر التفاسير
معنى الآيات
قال المؤلف غفر الله ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد، وما لابسها من أمور وأحوال، والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت، وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد، وعلى رأسهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كلُموا وهزموا يوم السبت بأحد] ومعنى (كلموا): جرحوا.[ وأن يرهب أعداءه، فأمر مؤذناً يؤذن -بأعلى صوته- بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أستاذ الحكمة ومعلمها، يتلقى معارفه من رب العالمين، ونحن مأمورون بالاقتداء به والائتساء، والله لو ائتسينا به ما ذللنا.قال: [ فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم المجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره، فإذا تعب وضعه فمشى قليلاً، ثم حمله حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد]، وحمراء الأسد تقع وراء أبيار علي، والرجلان هم من بني الأشهل وما في ذلك شك.قال: [ وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي ] وخزاعة حلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: [ إن معبداً الخزاعي مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول صلى الله عليه وسلم ] أبو سفيان سأل: كيف عسكر محمد؟ [ فأخبره أنه خرج في طلبكم، وخرج معه جيش كبير، وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك - أبا سفيان - أن ترحل. قال: فهرب برجاله ] هذا الطابور النافع، وهذا تسخير الله عز وجل [ فهرب برجاله خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأقام الرسول صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة، ثم عادوا لم يمسسهم سوء، وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران:172] يريد في أحد، واستجابوا: لبوا نداء الرسول صلى الله عليه وسلم وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:172] ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، ألا ] فـ(ألو) بناتنا وأطفالنا يعرفونها، أما (ألا) لا يعرفونها؛ لأنهم ما يسمعون (ألا)، فلنصلح أحوال بيوتنا ونربي أولادنا وبناتنا على: (ألا فعلت كذا)، (ألا سمعت الله يقول كذا)؟ [ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:172] ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، ألا وهو الجنة ] جعلنا الله من أهلها [ الآية الثانية: هي قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173] المراد من الناس القائلين هم: نفر من عبد القيس مروا بـأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره، فقال له أبو سفيان : أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليهم، وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم: أبو سفيان ، فلما بلغ هذا الخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه زادهم إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، الذي يكفينا ما أهمنا ونفوض أمرنا إلى الله. قوله: فَانْقَلَبُوا [آل عمران:174] أي: رجعوا من حمراء الأسد؛ لأن أبا سفيان ألقى الله الرعب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم سالمين في نعمة الإيمان والإسلام والنصر. وَفَضْلٍ [آل عمران:174] حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم. لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:174] أي: أذى. وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ [آل عمران:174] بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله، وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه.وقوله تعالى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:174] وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل على الآية الرابعة. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من الزبيب إن هو خوف المؤمنين منه، فبعثه كأنه طابور يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] فنزلت الآية: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ [آل عمران:175] الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه. فَلا تَخَافُوهُمْ [آل عمران:175] فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه تعالى، فلا يجبنوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا؛ لأنهم المؤمنون بحق رضي الله عنهم أجمعين].
هداية الآيات
كثيراً ما نعيد القول: كل آية تحمل هداية لمن آمن بها وفهمها وعزم على أن يعمل بما فيها، والله! لتهديه إلى ما فيه خيره وسعادته وكماله، يعني: أبسط ما يقول: ما من عبد يقرؤها إلا ويعطى على كل حرف عشر حسنات، بكل يسر وسهولة، والآية تهدي إلى صراط الله المستقيم، وتهدي إلى أن يعبد الله تعالى وحده بما شرع لعباده وبتلك العبادة يسعد العابدون ويكملون وينجون في الدنيا والآخرة، فآي القرآن ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وكل آية تهدي.وهناك لطيفة: فالآية في لسان العرب: العلامة. فمثلاً إذا قلنا: يا عدنان! أين ولدك عبد العزيز؟ قال: في المنزل. قلت: ما آية ذلك؟ أي: ما علامة أنه في المنزل؟ فيقول: كذا وكذا. فالآية بمعنى العلامة.فكل آية علامة على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وهذه الآية أنزلها الله سبحانه وتعالى، فطأطأت الدنيا رأسها وسلمت بأن هذا القرآن أنزله الله عز وجل. إذاً: فالله موجود، عليم، حكيم، رحيم، أمر ألا يعبد إلا هو وأخبر ألا يوجد إله سواه، فكل آية دالة على أنه لا إله إلا الله، والذي نزلت عليه من بين الناس من دون العالم بأسره مستحيل أن لا يكون رسول الله.إذاً كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ علامة على ذلك.قال: [ من هداية الآيات: أولاً: فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير]، فضل الإحسان والتقوى، فقد قرنهما الله عز وجل مع بعضهما البعض، والإحسان أن نتقن العبادة ونحسنها حتى تزكى أنفسنا، وأن نحسن في كل عمل نقوم به، حتى الخياط يجب أن يحسن خياطته، وحتى الطاهي للطعام يجب أن يحسن طهيه، وحتى مقلم أظفاره يجب أن يحسن قلمه.فالإحسان فريضة، ومن هنا رقى العالم الإسلامي وبلغ عنان السماء وهبطت البشرية كلها من باب الإحسان، ففي الجهاد، وفي الرباط، وفي القول، وفي القضاء، وفي الحكم، وفي العمل، وفي الفلاحة، وفي الزراعة، وفي السفر، وفي كل شيء، فتفوقت أمة الإسلام ثلاثة قرون، عرف العدو هذا فأهبطها بالكذبة. فمثلاً: عند الخياط تشتري ثوب خياطة سوق، يأتي المشتري ويقال له: هذه خياطة سوق، ويبيع له الثوب بعشرين ريال، والخياط يخيط بعشرين ريال فقط، فقيمة الخياطة عشرين والكتان مجاناً، يعني: أنه يعبث بالخياطة ويغش فيها حتى يلبسها الرجل يومين أو ثلاثة وتتمزق، وهذا لا يجوز وحرام عليه، ويجب أن يحسن هذه الخياطة حتى ولو باع الثوب ليهودي أو نصراني، وكذلك يجب الإحسان حتى في بناء العمارات وفي إصلاح السيارات، وحتى في كتاب الجوابات، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فسبب هبوطنا هو الجهل، أبعدونا أعدائنا عن نور الله فعشنا في الظلام أكثر من ألف سنة، فحسبنا الله ونعم الوكيل.قال: [فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير].فالتقوى حال تتقي بها غضب الله وسخطه وعذابه بأن تطيعه ولا تعصيه، فغضب الله يجلب العذاب والشقاء، فكل من أطاع الله ورسوله فيما يأمران به من أمور واجبة، وينهيان عنه من منهيات محرمة قد جعل بينها وبين غضب الله وقاية أفضل من وقاية الأسوار، فهذه إذاً هي التقوى.والتقوى أيضاً هي الخطوة الثانية في تحقيق ولاية الرحمن، يا من يرغب أن يصبح ولياً لله أفضل من عبد القادر والعيدروس ! آمن حق الإيمان واتقي الله وأنت ولي الرحمن؛ لقوله تعالى في بيان الأولياء: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].[ ثانياً: فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم ]؛ لقوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ... [آل عمران:172] الآية.[ ثالثاً: فضل كلمة: (حسبنا الله ونعم الوكيل) ] فهذه أربع كلمات، لكن يجوز إطلاق الكلمة على قصيدة كاملة. (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالها إبراهيم من قبل، فصلى الله عليهما وسلم أجمعين. ونحن نقولها، فكل من أصابته مصيبة أو ارتبك في شيء يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، يفوض أمره إلى الله عز وجل، ويوكل الأمر إليه، والله لن يخيبه.قال: [رابعاً: بيان أن الشيطان -عليه لعائن الرحمن- يخوف المؤمنين من أوليائه ]، فلو عزم العرب على أن يضربوا اليهود -هذا من باب المستحيل- لكن من باب الفرض والتقدير أن العرب تحركوا قالوا: إلى متى ونحن أذلاء لليهود؟ والله ليأتي الشيطان بأوليائه من الشرق والغرب ويأخذون في تخويفهم، أنتم كذا، هؤلاء يملكون الهيدروجين، يملكون الذرة، وراءهم أمريكا والعالم حتى يهزمهم، فلو حصل هذا لخوف الشيطان العرب أولياءه من الكفار، انتبهوا ترموا أنفسكم في جحيم؛ لأن الشيطان ماكر، وما زال يخوف أولياءه، أي: يخوف المؤمنين من أوليائه الكافرين الفاسقين حتى لا يقاتلوهم.[ بيان أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه -إذاً- فعلى المؤمنين ألا يخافوا غير ربهم ]، فلو خافوا ربهم ما عصوه، ما عطلوا شرعه، وما أوقفوا شرائعه وعطلوها، فأين الخوف من الله؟ قال: [ فعلى المؤمنين ألا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم ] إي والله! فمن يوقظ المؤمنين ويحرك ضمائرهم، ومن يجمعهم على كلمة الحق؟!جاءني طلاب من الإمارات مساء اليوم وقالوا: ما تقول يا شيخ؟ فهذا يقول سيد قطب كذا، وهذا يقول كذا؟ قلت: هذا نسميه بأعراض المرض، فالإنسان إذا مرض يظهر المرض في جسمه إما اصفرار في عينيه أو عجز عن النطق، أو فيه ضعف عن الحركة والمشي يدل على مرض، أمة الإسلام مريضة، فلهذا هي دويلات وأحزاب ومنظمات وجماعات تتطاحن فيما بينها البين، في حين أنهم أمة الإسلام فقط، فالمسلم يجب أن يقول: أنا مسلم فقط، لا مالكي ولا زيدي ولا حنفي ولا.. ولا عربي ولا..، لكن مسلم، مرني بأمر الله أطيعه، انهني بنهي الله أنتهي، وقد سبقت طرق صوفية، فالقرية الواحدة فيها عشر طرق، فهذا يقول: أنت من إخوان سيدي فلان، وأنت من إخوان سيدي فلان، فإلى الله الشكوى.وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.