عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 03-01-2021, 10:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,339
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بعض أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في القدر المشترك في الأسماء والصفات

بعض أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في القدر المشترك في الأسماء والصفات
د. محمد بن عبدالله المقشي




وقال كما في شرح حديث النزول (2/ 37) [طبعة المكتب الإسلامي - بيروت]: "ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضى من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعاني للّه، لم نكن قد عرفنا عن اللّه شيئًا، ولا صار في قلوبنا إيمان به، ولا علم، ولا معرفة، ولا محبة، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه، فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا".

وقال في الرسالة التدمرية (1 /182): "وعُلِم أيضا بالعقل أنّ كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد بينهما من قدر مشترك كاتفاقهما في مسمى الوجود والقيام بالنفس والذات ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضى التعطيل المحض".
وقال في الرسالة التدمرية (1 /52): "وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان".

وقال في مجموع الفتاوى (5 /203 - 205): "وقول الناس: إن بين المسميين قدرا مشتركا لا يريدون بأن يكون في الخارج عن الأذهان أمرا مشتركا بين الخالق والمخلوق، فإنه ليس بين مخلوق ومخلوق في الخارج شيء مشترك بينهما، فكيف بين الخالق والمخلوق، وإنما توهم هذا من توهمه من أهل المنطق اليوناني ومن اتبعهم حتى ظنوا أن في الخارج ماهيات مطلقة مشتركة بين الأعيان المحسوسة، ثم منهم من يجردها عن الأعيان كأفلاطون، ومنهم من يقول: لا تنفك عن الأعيان كأرسطو وابن سينا وأشباههما.


وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبيّنّا ما دخل على من اتبعهم من الضلال في هذا الموضع في المنطق والإلهيات، حتى إن طوائف من النظّار قالوا: إنا إذا قلنا: إن وجود الرب عين ماهيته - كما هو قول أهل الإثبات ومتكلمة أهل الصفات- كابن كلاب والأشعري وغيرهما - يلزم من ذلك أن يكون لفظ "الوجود" مقولا عليهما بالاشتراك اللفظي كما ذكره أبو عبد الله الرازي عن الأشعري وأبي الحسين البصري وغيرهم، وليس هذا مذهبهم، بل مذهبهم: أن لفظ "الوجود" مقول بالتواطؤ، وأنه ينقسم إلى قديم ومحدث مع قولهم: إن وجود الرب عين ماهيته، فإن لفظ الوجود عندهم كلفظ الماهية. وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة، وماهية الرب عين ذاته، فكذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ووجود الرب عين ذاته، ووجود العبد عين ذاته وذات الشيء هي ماهيته.


فاللفظ من الألفاظ المتواطئة، ولكن بالإضافة يخص أحد المسميين، والمسميان إذا اشتركا في مسمى الوجود والذات والماهية لم يكن بينهما في الخارج أمر مشترك يكون زائدا على خصوصية كل واحد كما يظنه أرسطو وابن سينا والرازي وأمثالهم، بل ليس في الخارج وجود مطلق ولا ماهية مطلقة ولا ذات مطلقة.


أما المطلق بشرط الإطلاق فقد اتفق هؤلاء وغيرهم على أنه ليس بموجود في الخارج، وأن على تقدير ثبوته عن أفلاطون وأتباعه هو قول باطل ضرورة.


وأما المطلق لا بشرط فقد يظن أنه في الخارج وأنه جزء من المعين وهذا غلط، بل ليس في الخارج إلا المعينات، وليس في الخارج مطلق يكون جزء معين، لكن هؤلاء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف، بناء على أن الموصوف مركب من تلك الصفات التي يسمونها الأجزاء الذاتية كما يقولون: الإنسان مركب من الحيوان والناطق، أو من الحيوانية والناطقية، وهذا التركيب تركيب ذهني، فالماهية المركبة في الذهن مركبة من هذه الأمور وهي أجزاء تلك الماهية.


وأما الحقيقة الموجودة في الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات، ولكن كثيرا من هؤلاء اشتبه عليه الوجود الذهني بالخارجي".

وقال في مجموع الفتاوى (5 /328 - 336): "هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس - سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه، وسواء سميت مشككة، وقيل: إن المشككة نوع من المتواطئة - إما أن تستعمل مطلقة وعامة كما إذا قيل: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وخالق ومخلوق، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث.


وإما أن تستعمل خاصة معينة كما إذا قيل: وجود زيد وعمرو، وعلم زيد وعمرو، وذات زيد وعمرو. فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج، فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره.


فإذا قيل: علم زيد ونزول زيد واستواء زيد ونحو ذلك، لم يدل هذا إلا على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك، لم يدل على ما يشركه فيه غيره.


لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو، وعلمنا أن علمه نظير علمه، ونزوله نظير نزوله، واستواءه نظير استوائه، فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ.
فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في الخالق أولى.


فإذا قيل: علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك، لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك، كما دل في زيد وعمرو، لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفو ولا ند، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا استواءه مثل استواء غيره، ولا نزوله مثل نزول غيره، ولا حياته مثل حياة غيره.


ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات.
فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه، منزه عن صفات النقص مطلقا، ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله.


فهذان المعنيان جمعا التنزيه وقد دل عليهما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 1، 2]. فالاسم "الصمد" يتضمن صفات الكمال، والاسم "الأحد" يتضمن نفي المثل كما قد بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة.


فالقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها.
فعلمُ الله وكلامه ونزوله واستواؤه هو كما يناسب ذاته ويليق بها، كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها.


ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته، ولهذا قال بعضهم: إذا قال لك السائل: كيف ينزل أو كيف استوى أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق؟


فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته، فقل له: وأنا لا أعلم كيفية صفاته، فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف.
فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين، وهذا هو الوارد في الكتاب والسنة.


وأما إذا قيلت مطلقة وعامة - كما يوجد في كلام النظار: الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ذلك - فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام، والعلم معنى مطلق وعام، والمعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان، فلا يكون موجود وجودا مطلقا أو عاما إلا في الذهن، ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن، ولا يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن، وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها.


فليتدبر العاقل هذا المقام الفارق، فإنه زل فيه خلق من أولي النظر الخائضين في الحقائق حتى ظنوا أن هذه المعاني العامة المطلقة الكلية تكون موجودة في الخارج كذلك، وظنوا أنا إذا قلنا: إن الله عز وجل موجود حي عليم، والعبد موجود حي عليم، أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد، وأن يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب بل وفي كل موجود، ولا بد أن يكون للرب ما يميزه عن المخلوق، فيكون فيه جزءآن:
أحدهما: لكل مخلوق وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات.
والثاني: يختص به وهو المميز له عن سائر الموجودات.


ثم لا يذكرون فيما يختص به إلا ما يلزم فيه مثل ذلك، فإذا قالوا: يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ماهيته أو نحو ذلك، كان ذلك بمنزلة قولهم يمتاز بوجوده، فإن الذات والحقيقة والماهية تستعمل مطلقا ومعينا كلفظ الوجود سواء.


وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار حتى قال طائفة: إن لفظ الوجود وغيره مقول بالاشتراك اللفظي فقط، وحكوا ذلك عن كل من قال بنفي الأحوال وهم عامة أهل الإثبات، فصار مضمون نقلهم أن مذهب عامة أهل الإسلام ومتكلمة الإثبات - كابن كلاب والأشعري وابن كرام وغيرهم- بل ومحققي المعتزلة كأبي الحسين البصري وغيره أن لفظ الموجود وغيره مما يُسمَّى الله به ويسمى به المخلوق إنما يقال بالاشتراك اللفظي فقط، من غير أن يكون بين المسميين معنى عام: كلفظ المشتري إذا سمي به المبتاع والكوكب، ولفظ سهيل المقول على الكوكب والرجل.


وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه، فإن هؤلاء متفقون على أن هذه الأسماء عامة متواطئة - كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك - تقبل التقسيم والتنويع، وذلك لا يكون إلا في الأسماء المتواطئة كما نقول: الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن.


بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم: كأبي عبد الله الرازي وأمثاله من المتأخرين يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظي فقط، وبين هذا التقسيم في هذه الأسماء، مع قولهم إن التقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة المشتركة لفظا ومعنى، لا يكون في المشترك اشتراكا لفظيا.
ومن جملتها التي يسمونها المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التي ليس بينها معنى مشترك عام.


فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين بالنظر والتحقيق للفلسفة والكلام قد ضلوا في هذا النقل، -وهذا البحث في مثل هذا الأصل ضلال لا يقع فيه أضعف العوام - وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة التي هي عن الهدى والرشد حائدة، حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج جزءا من المعينات، وأن ذلك يقتضي تركيب المعين من ذلك الكلي المشترك ومما يختص به، فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب تعالى الواجب الوجود مركبا من الوجود المشترك ومما يختص به من الوجوب أو الوجود أو الماهية. مع أنه من المشهور عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان.


ومن هداه الله تعالى يعلم أن الموجودات لا تشترك في شيء موجود فيها أصلا، بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال، وأنا إذا قلنا: إن هذا الإنسان حي متكلم أو حيوان ناطق ونحو ذلك، لم يكن ما له من الحيوانية أو الناطقية أو النطق والحياة مشتركا بينه وبين غيره، بل له ما يخصه ولغيره ما يخصه، ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما وغير ذلك من صفاتهما.


ومن قال: إن الإنسان مركب مما به الاشتراك وهو الحيوانية، وما به من الامتياز وهو النطق، فإن أراد بذلك أن هذا تركيب ذهني - فإنا إذا تصورنا في أذهاننا حيوانا ناطقا، كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني، والنطق جزأه الآخر، وكان الحيوان جزءا له أشباه أكثر من أشباه الناطق. وإذا تصورنا مسمى حيوان ومسمى ناطق، كان مسمى الحيوان يعم الإنسان وغيره وكان مسمى الناطق يخصه - فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح لكن ليس هذا ضابطا، بل هو بحسب ما يتصوره الإنسان سواء كان تصوره حقا أو باطلا.


ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور وبجزئها الخارج عنها اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام وأراد بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة، فهذا صحيح، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة، ولا أن يكون بعض صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيا لها وبعضها خارجا عن الحقيقة عارضا لها، كما يزعمه أهل المنطق اليوناني. وهذا الموضع مما ضلوا فيه وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ذلك من النظار وقلدهم في ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه ولم يتصوره تصورا تاما.


وإن أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق - وإحدى الصفتين يوجد نظيرها في سائر الحيوان والأخرى مختصة بالإنسان - فهذا معنى صحيح.


وإن أرادوا به أن حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره فقد غلطوا؛ فإن حيوانية كل حيوان كناطقية كل ناطق وذلك مختص بمحله.


وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجودا موصوفا بأنه حيوان غير الموجود الموصوف بأنه ناطق وصاهل، وأن الإنسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، فقد غلطوا، بل لا موجود إلا هذا الإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق، وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل، وكذلك سائر الحيوانات والموجودات.


فقول القائل: الإنسان مركب من هذا وهذا إذا أريد به أن هنا شيئا مركبا وأن له جزأين متباينين هو مركب منهما، كان جاهلا، بل هو شيء واحد موصوف بصفتين لا يوجد إلا بصفتيه ولا توجد صفتاه إلا به. وهذا المعنى صحيح وهو أن الإنسان موصوف بأنه حيوان وأنه ناطق حقيقة، وأنه ذات مستلزمة لصفاتها لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له، لكن هذا ليس في الخارج تركيبا، وليس في الخارج صفة لازمة ذاتية وأخرى عرضية لازمة للماهية وأخرى لازمة لوجوده، بل ليس في الخارج إلا الموجود المعين وصفاته تنقسم إلى لازمة له وعارضة، وهو لا يوجد بدون شيء من صفاته اللازمة، فليس فيها ما هو لازم للذات الموجودة في الخارج ولكن ليس بلازم لها بل لازم للموجود في الخارج كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين.


وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان بما يوجد في الأعيان، فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج، وظنوا أن الماهية مغايرة للوجود وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن. وأما أن يكون في الخارج مثلث له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج، فهذا غلط بين. فإذا فهم هذا في صفة المخلوق، فالخالق أبعد عما سماه هؤلاء تركيبا.


فإذا قيل: إن الله سبحانه وتعالى حي عليم قدير، فهو موصوف بأنه الحي العليم القدير. وإذا قيل: هو موجود واجب بنفسه، فهو سبحانه موصوف بالوجود والوجوب فلا مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود ولا هو مركب من جزأين، ولا صفات مقومة تكون أجزاء لوجوده ولا نحو ذلك مما يدعى من التركيب الذي هو ممتنع في المخلوق، فهو في الخالق أشد امتناعا.


ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة له، وليس هذا هو المعقول من لفظ التركيب، وهؤلاء أحدثوا اصطلاحا لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة، ولا من طوائف أهل العلم".

وقال في مجموع الفتاوى (5 /200 - 201): "الأسماء والصفات لم توضع لخصائص المخلوقين عند الإطلاق، ولا عند الإضافة إلى الله تعالى، ولكن عند الإضافة إليهم.


فاسم العلم يستعمل مطلقا، ويستعمل مضافا إلى العبد كقوله: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران: 18]، ويستعمل مضافا إلى الله كقوله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255]، فإذا أضيف العلم إلى المخلوق لم يصلح أن يدخل فيه علم الخالق سبحانه، ولم يكن علم المخلوق كعلم الخالق، وإذا أضيف إلى الخالق كقوله: ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ [النساء: 166] لم يصلح أن يدخل فيه علم المخلوقين ولم يكن علمه كعلمهم.


وإذا قيل: العلم مطلقا أمكن تقسيمه فيقال: العلم ينقسم إلى العلم القديم والعلم المحدث، فلفظ العلم عام فيهما متناول لهما بطريق الحقيقة. وكذلك إذا قيل: الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن، وكذلك إذا قيل في الاستواء: ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق، وكذلك إذا قيل: الإرادة والرحمة والمحبة تنقسم إلى إرادة الله ومحبته ورحمته وإرادة العبد ومحبته ورحمته.


فمن ظن أن "الحقيقة" إنما تتناول صفة العبد المخلوقة المحدثة دون صفة الخالق كان في غاية الجهل، فإن صفة الله أكمل وأتم وأحق بهذه الأسماء الحسنى، فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب، كما لا نسبة بين ذاته وذاته، فكيف يكون العبد مستحقا للأسماء الحسنى حقيقة، فيستحق أن يقال له: عالم قادر سميع بصير، والرب لا يستحق ذلك إلا مجازا، ومعلوم أن كل كمال حصل للمخلوق فهو من الرب سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى، فكل كمال حصل للمخلوق فالخالق أحق به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه عنه، ولهذا كان لله "المثل الأعلى" فإنه لا يقاس بخلقه ولا يمثل بهم، ولا تضرب له الأمثال، فلا يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل بمثل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، بل ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الروم: 27]".


[1] يشير بذلك إلى ما قاله الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 99)، ولفظه: "قال أحمد: وقلنا: هو شيء. فقالوا [أي: الجهمية]: هو شيء لا كالأشياء. فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل، أنه لا شيء".

[2] هكذا في هذه النسخة، وفي مجموع الفتاوى (3 /10): "ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص: اتفاقهما".
وهو كذلك أيضًا في التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية لفالح بن مهدي الدوسري (1 / 53)، قال في الشرح: "وعبارة المؤلف هنا موهمة أنه يحصل تماثل واتحاد بين المسميين في حالة الإطلاق، وهذا غير مراد المؤلف، فإن قوله فيما سبق "باتفاق المسميين في اسم عام لا يوجب تماثلهما عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره " صريح في نفي هذا، فكلامه السابق واللاحق يقرر نفي المماثلة بين المسميين وإن حصل بينهما اشتراك في الاسم والمعنى العامين".







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]