عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-01-2021, 10:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,233
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بعض أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في القدر المشترك في الأسماء والصفات

بعض أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في القدر المشترك في الأسماء والصفات
د. محمد بن عبدالله المقشي





ومعلوم بالضرورة من دين المسلمين أن الله مستحق للأسماء الحسنى، وقد سمى بعض عباده ببعض تلك الأسماء كما سمى العبد سميعا بصيرا وحيّا وعليما وحكيما ورؤوفا رحيما وملكا وعزيزا ومؤمنا وكريما وغير ذلك، مع العلم بأن الاتفاق في الاسم لا يوجب مماثلة الخالق بالمخلوق، وإنما يوجب الدلالة على أن بين المسميين قدرا مشتركا فقط، مع أن المميّز الفارق أعظم من المشترك الجامع".



وقال في الرسالة التدمرية (1/ 42 - 43): "وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئا فرارا مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تُثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال".






وقال في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4 / 308): "ومن قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط، فإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان".






وقال في درء تعارض العقل والنقل (5 / 138-141): "قولهم: لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى الوجوب، وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركباً مما به الاشتراك ومما به الامتياز، والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجباً.




فإنه يقال لهم: إنما اشتركا في المطلق الذهني، لم يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود في الخارج، حتى يكون في ذلك الموجود تركيب، وكل منهما يمتاز عن الآخر بالوجوب الذي يخصه، كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي يخصه.




ويقال لهم: هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود، مع امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه، فإن الوجوب [لعلها: الوجود] المشترك الكلي ليس هو ثابتاً في الخارج، بل للواجب وجود يخصه، وللممكن وجود يخصه، كما أن لهذا حقيقة تخصه، ولهذا حقيقة تخصه.




وكذلك إذا قيل: لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه، فإنهما يشتركان في مسمى الماهية، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به، وإنما اشتركا في المسمى المطلق الكلي، وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج، وذلك لا يكون إلا في الذهن، وما امتازا به هو موجود في الخارج، وقد يتصور في الذهن، فإن ما في الخارج يتصور في الذهن، وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج، فلم يكن ما به الاشتراك مفتقراً إلى ما به الامتياز، ولا ما به الامتياز مفتقراً إلى ما به الاشتراك، بل لا شركة في الأعيان الموجودة الجزئيات، ولا امتياز في الكليات المطلقة بالمعقولات، أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها، بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد.




وهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام، واشتراك الموجودين في الوجود أو الواجبين في الوجوب، مع ما بينهما في الخارج من الامتياز والاختصاص، كاشتراك اللونين في اللونية، مع أن هذا في الخارج سواد، وهذا بياض...




بل الذهن يعقل ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية، ويميز بين ذلك ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من المشابهة، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري، وكذلك يعقل ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية، وما بينه وما بين سائر الأناسي من المشابهة في الإنسانية، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري.




ومن قال: إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق، وهو يعقل ما يقول، فإنما يعني هذا التركيب ونحوه، وليس ذلك تركيباً في الوجود الخارجي، ولا في الوجود الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله، ولا جزء سابق لكل، بل هذه الأمور إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان، فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات.




والكليات الخمسة: الجنس والنوع والفصل، والخاصة والعرض العام، إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان.

كذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض، فإن أجزاء المركب التي هي الكليات، لا تكون إلا في الذهن، فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون إلا ذهنياً".






وقال في الصفدية (2 / 9): "الجواب الثالث: أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا فيه، وهو المعنى العام الكلي، لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج، لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق، فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق موجودا، أو هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه، أو قيل: هذا حي عليم رحيم، وقيل: هذا حي عليم رحيم، كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم.



وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها، وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.



وأما إذا اتصف الرب به أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا".





وقال في مجموع الفتاوى (5 /206-210): "والمقصود هنا: أنه إذا قيل هذا إنسان فالمشار إليه بهذا المسمى بإنسان، وليس الإنسان المطلق جزءا من هذا، وليس الإنسان هنا إلا مقيدا، وإنما يوجد مطلقا في الذهن لا في الخارج.

وإذا قيل هذا في الإنسانية فالمعنى أن بينهما تشابها فيها، لا أن هناك شيئا موجودا في الأعيان يشتركان فيه.




فليتدبر اللبيب هذا، فإنه يحل شبهات كثيرة، ومن فهم هذا الموضع تبين له غلط من جعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي لا المعنوي، وغلط من جعل أسماء الله تعالى أعلاما محضة لا تدل على معان، ومن زعم أن في الخارج حقائق مطلقة يشترك فيها الأعيان، وعُلم أن ما يستحق الرب لنفسه لا يشركه فيه غيره بوجه من الوجوه ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات. وأما المخلوق فقد يماثله غيره في صفاته لكن لا يشركه في غير ما يستحقه منها، والأسماء المتواطئة المقولة على هذا وهذا حقيقة في هذا وهذا. فإذا كانت عامة لهما تناولتهما، وإن كانت مطلقة لم يمنع تصورهما من اشتراكهما فيها، وإن كانت مقيدة اختصت بمحلها.




فإذا قال: وجود الله، وذات الله، وعلم الله، وقدرة الله، وسمع الله، وبصر الله، وإرادة الله، وكلام الله، ورحمة الله، وغضب الله، واستواء الله، ونزول الله، ومحبة الله، ونحو ذلك كانت هذه الأسماء كلها حقيقة لله تعالى من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات، ومن غير أن يماثله فيها شيء من المخلوقات.




وإذا قال: وجود العبد وذاته وماهيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستواؤه ونزوله، كان هذا حقيقة للعبد مختصة به من غير أن تماثل صفات الله تعالى.




بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه كما أخبر أن فيها لبن وعسلا وخمرا ولحما وحريرا وذهبا وفضة وحورا وقصورا ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة.




ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته، وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة! وهل يكون أحق بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض، مع أن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق.




والجاهل يضل بقول المتكلمين: إن العرب وضعوا لفظ الاستواء لاستواء الإنسان على المنزل أو الفلك أو استواء السفينة على الجودي ونحو ذلك من استواء بعض المخلوقات، فهذا كما يقول القائل: إنما وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لما يكون محله حدقة وأجفانا وأصمخة وأذنا وشفتين، وهذا ضلال في الشرع وكذب، وإنما وضعوا لفظ الرحمة والعلم والإرادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد، وهذا كله جهل منه.




فإن العرب إنما وضعت للإنسان ما أضافته إليه فإذا قالت: سمع العبد وبصره وكلامه وعلمه وإرادته ورحمته، فما يخص به يتناول ذلك خصائص العبد.




وإذا قيل: سمع الله وبصره وكلامه وعلمه وإرادته ورحمته كان هذا متناولا لما يخص به الرب لا يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين.




فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله، كان جاهلا جدا بدلالات اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز.




وهؤلاء الجهال يمثِّلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق، ثم ينفون ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق وينفون مضمون ذلك، ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته، وألحدوا في أسماء الله وآياته، وخرجوا عن القياس العقلي والنص الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح.




ثم لا بد لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل الإثبات من الأسماء والصفات، فإذا أثبتوا البعض ونفوا البعض قيل لهم: ما الفرق بين ما أثبتّموه ونفيتموه؟ ولِم كان هذا حقيقة ولم يكن هذا حقيقة؟ لم يكن لهم جواب أصلا، وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعا وقدرا.




وقد تدبرت كلام عامة مَن ينفي شيئا مما أثبته الرسل من الأسماء والصفات فوجدتهم كلهم متناقضين، فإنهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافي لما أثبتوه، فيلزمهم إما إثبات الأمرين وإما نفيهما، فإذا نفوهما فلا بد لهم أن يقولوا بالواجب الوجود وعدمه جميعا، وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة الغلاة من القرامطة وغلاة المتفلسفة، فإنهم إذا أخذوا ينفون النقيضين جميعا، فالنقيضان كما أنهما لا يجتمعان، فلا يرتفعان. ومن جهة إن ما يسلبون عنه النقيضين لا بد أن يتصوروه وأن يعبروا عنه، فإن التصديق مسبوق بالتصور، ومتى تصوروه وعبروا عنه كقولهم الثابت والواجب أو أي شيء قالوه لزمهم فيه من إثبات القدر المشترك نظير ما يلزمهم فيما نفوه، ولا يمكن أن يتصور شيء من ذلك مع قولهم: أسماء الله مقولة بالاشتراك اللفظي فقط. فإن المشتركين اشتراكا لفظيا لا معنويا كلفظ المشتري المقول على الكوكب والمبتاع، وسهيل المقول على الكوكب وعلى ابن عمرو، فإنه إذا سمع المستمعُ قائلا يقول له: جاءني سهيل بن عمرو، وهذا هو المشتري لهذه السلعة لم يفهم من هذا اللفظ كوكبا أصلا إلا أن يعرف أن اللفظ موضوع له، فإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئا".





وقال في الرسالة التدمرية (1 /100 - 101): "والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير سميع بصير غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات".



وقال أيضًا في الرسالة التدمرية (1 /125 - 131): "القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم، أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير، أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.



فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال، كالوجود والحياة، والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذور أصلًا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومَن نَفَى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود. ولهذا لما اطلع الأئمة على أنّ هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة، وكان جهم يُنكر أن يُسمى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل العام.



والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى كالحياة، والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم.



وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبين فيها أنّ القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينًا مقيدًا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأنّ ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله. ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضًا في هذا المقام، فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرًا من ملزومات التشبيه، وتارة يتفطن أنه لابد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة.



ولكثرة الاشتباه في هذا المقام، وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟. وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.



وبينّا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك، فهذه الألفاظ كلها متواطئة. فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلًا في موارده أو متماثلاً.



وبينا أن المعدوم شيء أيضًا في العلم والذهن لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به. وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه بذلك وتختلف به.



وأما هذه الجملة المختصرة، فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.



والمقصود هنا أنّ الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه عنه كما يفعله كثير من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة".




يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.94%)]