عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 03-01-2021, 05:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,495
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رابطة الجوار بين الأدب والشرع


قال حاتم الطائي لزوجته:




إذا كان لي شيئان يا أم مالك

فإن لجاري منهما ما تخيّرا




وفي واحد إن لم يكن غير واحد

أراه له أهلاً إذا كان مُقتِرا[45]








ومن وجوه الإحسان إلى الجار: تهنئته عند فرحه، وتعزيته عند مصيبته، وعيادته عند مرضه، وبداءته بالسلام والبشاشة في وجهه، والإحسان إلى أهله وأولاده، وتفقد أحواله، وإرشاده إلى ما ينفعه في أمر دنياه و دينه, والإهداء إليه، وإعارته، أو إعطاؤه ما يحتاج إليه ونحو ذلك.





ومن أهم ما يحسن إليه: سد خلّته، وتفقد مطعمه ومشربه؛ لأن قوام الحياة بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)[46].





وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) [47].





وينبغي النظر في مراتب الجيران وتقديم الأقرب فالأقرب، والأولى فالأولى في الإهداء وبذل المعروف.


فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابا) [48].





ولا يحتقر أحد هديته لجاره مهما قلّتْ، فهي -وإن لم تكن تُسرُّ العيون، أو تشبع البطون، أو تناسب الأقدار- لكنها تقرِّب القلوب، وتذيب العداوات، وتعمّق الود، وتعمل على مد حبال التعاون والتواصل.





قال الشاعر:




إن الهدية حلوةٌ

كالسحْر تجتلب القلوبا




تُدني البعيدَ من الهوى

حتى تصيّره قريبا




وتعيد مضطغن العدا

وةِ بعد بغضته حبيبا




تنفي السخيمة عن ذوي الش

شحنا وتمتحق الذنوبا[49]








لقد ورد الوعيد الشديد في حق من يقصر في هذا الحق فقال النبي صلى الله عليه و سلم : (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع) [50].





وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به)[51].





وعن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه) [52]. وهذا النص الشريف يحتم علينا مراجعة أنفسنا ها هنا في الدنيا قبل الآخرة في تقصيرنا في بذل المعروف الحسي والمعنوي للجار.





يقول حاتم الطائي لزوجته:




إذا ما عملت الزاد فالتمسي له

أكيلاً فإني لست آكله وحدي




أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني

أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي




وكيف يَسيغ المرء زاداً وجاره

خفيف المِعى بادي الخصاصة والَجهد








4- احتمال أذاه، والصفح عن هفواته، والعفو عن عثراته، واحتمال سوء تصرفاته.


وهذا أدب عظيم يكشف عن حسن المعدن، وكرم المنبت، وشرف الخلق، ونبل الصفات.





وهذا الحق كثيراً ما قصّر فيه الجيران، وضاقت بعض النفوس عن استيعابه، وعدّته العادات شيئاً غريباً. فكم من مشكلات حدثت، وروابط انفصمت، ومحبة تحولت إلى بغضاء، ووصل تبدل إلى جفاء، وإحسان تحول إلى إساءة، وسبب ذلك: ضعف مراعاة هذا الأدب.





فهذا الحق يحتاج إلى انتصار على النفوس، ونجاح في هضم الحمية المقيتة، وكبح لجماح الغضب والطيش، وهذا صعب على كثير من النفوس، خصوصاً من لها مكانة بين الجيران، أو جاءها الأذى ممن هو أدنى منزلة منها؛ ولهذا فإن هذا الحق أصعب هذه الحقوق على النفس؛ فبذل المعروف قد يكون شيمة يطبع عليها الإنسان، بخلاف الصبر على أذى الآخرين.





فالجار الصالح حقيقة إنما يبتلى بهذا الحق ويُعرف به.





قال الحسن البصري: "ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على أذى الجار"[54].





وقال أحد الناس يمدح بعض جيرانه الصالحين:




يا سائلي عن حسينٍ

وقد مضى أشكالهْ




أقلّ ما في حسين

كفُّ الأذى واحتماله [55]








رحيل الجار الصالح وأثره على جاره:


إن الجار الصالح حين يسمع برحيل جاره الصالح يحزنه ذلك أشد الحزن، ويعد رحيله من جواره مصيبة من المصائب، كأنما رحل واحد من أهل بيته.





قال التلمساني: " وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أن القاضي أبا البركات لما عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة:




أشمسَ الغرب حقاً ما سمعنا


بأنك قد سئمت من الإقامه؟

يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.94%)]