عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 03-01-2021, 05:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رابطة الجوار بين الأدب والشرع



لأنا نرى حقَ الجوار أمانة

ويحفظه منا الكريم المعاهد[29]







ومن الأذى: كشف أسراره، والبحث عن عيوبه، والفرح بزلاته ومصائبه؛ فالجار أقرب الناس إلى جاره و أعرفهم بأخباره، فمن اللؤم والحرمة كشف خبره وهتك سره.





قال الحطيئة:




لعمرك ما المجاور من كليب

بِمُقصى في الجوار ولا مضاع




همُ صُنعٌ لجارهمُ وليست

يد الخرقاء مثلَ يد الصَّناع[30]




ويحرم سرُّ جارتهم عليهم

ويأكل جارهم أنف القصاع[31][32]








والجار الصالح لا يتتبع عثرات جاره، بل يسترها، ولا يفرح لهفواته، بل يحزن إن وصل علمه إليها، قال قيس بن عاصم المنقري:




لا يفطنون لعيب جارهمُ

وهمُ لحفظ جواره فُطُن[33]








إن إيذاء الجيران ذنب كبير يذهب من الإيمان جزء كبيراً، وإذا ذهب كمال الإيمان تعرّض صاحبه للعقوبات، وتخلى الله عن عونه ومعيته له.





قال النبي صلى الله عليه و سلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن). قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه )[34]. بل أعظم من ذلك أن الجار المؤذي متوَّعَد بعدم دخول الجنة، إذا استمر على إيذائه، أو استحل ذلك، ومات على هذه الحالة السيئة.





قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) [35].





والبوائق: الشرور.


وإيذاء الجار ذنب مضاعف وملعون صاحبه، وهذا يوقف من في قلبه إيمان عن هذه المعصية العظيمة؛ فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: (اطرح متاعك على طريق)، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقيت من الناس ما لقيت، قال: (وما لقيت منهم؟) قال: يلعنونني، قال: (قد لعنك الله قبل الناس) فقال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارفع متاعك؛ فقد كفيت) [36].





وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فقال: (لأن يزني الرجل بِعَشْرِ نسوة أيسرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره )، وسألهم عن السرقة؟ قالوا: حرام حرمها الله عز وجل ورسوله فقال: (لأن يسرق من عَشرَةِ أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره) [37].






2- حماية الجار من كل سوء يعرض له، والدفاع عنه، وحفظه في أهله وماله حال غيبته، والتضحية من أجله.





وهذا الحق-إن كان من حق المسلم على المسلم- فالجار من أحق الناس به، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) [38].





فمعنى (لا يسلمه) أي: لا يخذله، ولا يتركه لعدوه، بل ينصره وينجده.





وهذا الصنيع الشجاع يدل على شرف الجار المُعِين، وعلو همته ونجدته، وكرم شيمه وسمو أخلاقه. وقد كان هذا الخلق النبيل فخراً وشرفاً يفتخر به العربي في الجاهلية والإسلام، كما قال عنترة:




وإني لأحمي الجارَ من كل ذلةٍ

وأفرح بالضيف المقيم وأبهَج[39]









وقالت الخنساء تمدح أخاها بحمايته جاره:




وجارك محفوظ منيعٌ بنجوة

من الضيم لا يؤذى ولا يتذلل[40]









وقالت أيضاً:




يحامي عن الحيِّ يوم الحفا

ظِ والجار والضيف والنُزَّل[41]









وقال الشاعر:




أنتِ أختي وأنت حرمةُ جاري

وحقيق عليَّ حفظُ الجوار




إن للجار إن تغيّب غيبياً

حافظاً للمَغيب والأسرار




ما أبالي أكان للجار سترٌ

مسبَل أم بقي بغير ستار[42]









وهذا الحق الكبير-عند ذوي النفوس العلية، والخصال الزكية- لا يسقط بالجفاء والأذية، والفعال غير الرضيِّة، بل يبقى يؤدى ولو حصل ذلك؛ فلعله سيكون سبباً لهداية ذلك الجار البعيد عن إحسان الجوار، وتغيير أسلوبه المعوج؛ فقد قيل: إنه كان لأبي حنيفة رحمه الله جار إسكاف بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جنه الليل، رجع إلى منزله بلحم وسمك فيطبخ اللحم ويشوي السمك فإذا دب فيه السكر أنشد:




السيف أصدق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب










ولا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام، وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله، ويسمع حديثه وإنشاده ففقد صوته بعض الليالي فسأل عنه فقيل: أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس، فصلى الإمام الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير فقال أئذنوا له وأقبلوا به راكبا حتى يطأ البساط، فلما دخل على الأمير أجلسه مكانه وقال: ما حاجة الإمام؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاثة أيام فتأمر بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذ تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين، فركب الإمام وتبعه جاره الإسكاف فلما وصل إلى داره قال له الإمام أبو حنيفة: أترانا أضعناك؟! قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعايته، ولله عليَّ أن لا أشرب بعدها خمرا، فتاب من يومه ولم يعد إلى ما كان عليه [43].





3- الإحسان إليه بقدر ما يستطاع من وجوه الإحسان القولية والفعلية.


فلا يكفي الجارَ أن يسلم من الأذى، وإنما يضاف إليه الإحسان وإيصال المعروف.





قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) [44].


يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]