حوار هادئ مع أطروحات فكرية حول مشاركة النصارى وتهنئتهم بأعيادهم (pdf)
خباب بن مروان الحمد
فإذا كان رسول الله ينهى أن يفي المرء بنذره في مكان كان فيه عيد للمشركين، فمن باب أولى تحريم وجود المسلم بمكان يرتاده النصراني احتفالاً بأعيادهم، وعليه فتحرم مشاركته لهم ووجوده في أمكنة احتفالات أعيادهم.
واصلت حديثي معه قائلاً: الشرط الثاني لصحَّة العمل: موافقته لشريعة الإسلام ومتابعة سنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
فهل حصل أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو أحداً من صحابته أو التابعين أو من تبعهم قد احتفلوا بأعياد الكفّار؟!
والجواب: أنَّه لم يحصل هذا أبداً، ويستحيل أن يحصل هذا مِمَّن أمرنا الله بالاقتداء بهم، فكل عمل أو قول أحدث في دين الله، لم يأت به الإسلام فهو مردود على صاحبه أياً كان ولو كانت جبَّته فوق رأسه كالثريا بضخامتها، فنحن لا ننظر إلى مدى لُبس أو علم فلان بل ننظر إلى مدى اتباعه للدليل، ومن أراد تجويز ذلك فإنَّه سيفتح لباب البدع، وهو داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)[60].
فقال الشاب: إنَّ من مقاصد الشباب في حضورهم لأماكن العيد؛ الانبساط والسرور والفرحة؛ ولا يخطر ببالهم ما ذكرته.
فقلت له: إنَّ مقاصدهم متعددة؛ منها ما ذكرته، ومنها ما فيه معصية لله بمشاهدة التبرج والسفور والأجساد العارية.
ثمَّ إنَّ أي فرح ينبغي أن يكون جائزاً، ولهذا فإنَّ دين الإسلام أعطانا يومي عيد نفرح بهما؛ وهذا من فضل الله علينا؛ ولهذا نفرح بأعيادنا؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58].
ومن عَجَبٍ أن نجد شباب المسلمين يربأ بعضهم أن يفرحوا بأعيادهم الشرعية الجميلة، ولا يُشعرون أنفسهم ببهجة العيد، فتراهم يسهرون الليل أغلبه ثمَّ يغطون في نوم عميق قبل صلاة الفجر بساعة أو ساعتين، ولا يصلون الفجر جماعة، وبعضهم لا يصليها في بيته كذلك، ثمَّ ينسى بل يتناسى ويتحاشى الذهاب لصلاة العيد في المسجد أو مصلَّى العيد فلا يحضرون صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى، ويبقون نائمين حتى زوال الشمس بعد صلاة الظهر، فيقوم الرجل منهم بنفس كئيبة وروح سيئة، ولم يزوروا أقاربهم ويصلوا أرحامهم؛ وتراه قد قطع رحمه؛ ثمَّ يحرص على تهنئة جاره النصراني أو زميله في العمل!
بل تتمنَّى أن ترى من بعضهم البسمة وإن قلت له: ما بالك غير سعيد في هذا العيد؟
يقول لك: لا يوجد فيها سعادة، ولم نعد نرى طعماً للعيد....
فيا سبحان الله! في أعياد المسلمين لا يجدون طعماً ولا رائحة ولا مذاقاً ولا بهجة، أما أعياد الكفار التي يشيع فيها الكفر، وتفوح فيها رائحة الخمر، وينتشر فيها التبرج والتعري والسفور، ففيها يجدون بهجتهم!
• جواب أطروحة: (بعضهم يهنئونا بأعيادهم، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟)
قاطعني صاحبي قائلاً: لكنَّ بعضهم يهنئوننا بأعيادنا، فلماذا لا نقوم بتهنئتهم؟
فقلت له: تهنئة الكفار بأعيادهم كذلك لا يجوز؛ لأنَّ فعل "(هَنأ) فلَانا بِالْأَمر تهنئة خاطبه راجياً أَن يكون هَذَا الْأَمر مبعث سرُور لَهُ وَقَالَ لَهُ ليهنئك هَذَا الْأَمر"[61].
فكيف نقوم بتهنئتهم بأمر نعلم أنَّ قولهم فيه باطل بل كفر؟!
ولو أنَّك طالعتَ كُتُب الفقهاء لوجدتَ تصريحهم بذلك؛ ولعلي لا أطيل عليك بل أكتفي بنقل عن الإمام الدَّمِيري الشافعي رحمه الله؛ فقد قال: " يُعزّر من وافق الكفار في أعيادهم، ومن يمسك الحية، ومن يدخل النار، ومن قال لذمي: يا حاج، ومَنْ هَنّأه بِعِيدٍ"[62].
وحينما بحث الإمام ابن القيم في كُتب الفقهاء وتقصَّى أقوالهم في حكم التهنئة؛ خَلَص إلى الجزم بإجماع العلماء على تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم؛ فقال: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق؛ مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، وهو لا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه "[63].
وعليه فلا عبرة بمن خالف هذا القول الذي أجمع عليه العلماء وأطبقوا عليه في زمن قوَّتهم وزمن ضعفهم.
فمن يقول بجواز تهنئة الكفَّار بأعيادهم، فقوله باطل، ولو أنَّهم هنؤونا بأعيادنا فليس من الضرورة أن نهنئهم بأعيادهم، لأنَّهم يجب أن يفهموا أنَّ هذه عقيدة فيها ولاء للمؤمنين وبراء من الكافرين وهم من الكافرين بنص قول القرآن الكريم ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 17] وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ [المائدة: 73]، والتهنئة لا يُمكن أن تصدر لمن لا نرضى عن عقيدتهم ولا نُقِرُّهم عليها لما فيها من كفر وشرك، ولن تصدر التهنئة إلاَّ من مودَّة قلبيَّة حقيقيَّة، والحق يُقال: إنَّه لا تُوجد مودَّة قلبيَّة حقيقيَّة من المسلمين للنصارى ولا من النصارى للمسلمين، بعيداً عن المُجاملات المعهودة بينهم، لأن المودة والمحبة عمل قلبي، ومن قالوا عن الله إنَّه ثالث ثلاثة فلا يُمكننا أن نعقد لهم روح المحبة والمودة.
إنَّ علينا أن نعتز بديننا وثوابتنا وقيمنا ولا نتضاءل تحت ضغط الواقع وقوَّة المطرقة الإعلامية التي تصف من لم يهنئ النصارى أو يشاركهم بأعيادهم بأنَّه متشنج ومتعصب ومتزمت ومُتوحش!
وليكن ذلك، فما الضير إن كانت جائزة ذلك: إرضاء الله تبارك وتعالى والبراء ممن كفر به ووصفه بما لا يرضاه عاقل أن يوصف به والده ووالدته فما بالك بالله الكبير المتعال - تعالى الله عما يقول الظالمون والكافرون علوا كبيرا -
قال لي الأخ: لكنَّ هنالك من بعض العلماء من يرى جواز تهنئة النصارى بأعيادهم؟ فلماذا تأبى قولهم؟
فقلت له: لأنَّ قولهم خالف إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولن يستطع أحد منهم أن يأتي بقول لصحابي أو تابعي إلى عصور متأخرة؛ بجواز تهنئة النصارى أو الكفار بأعيادهم.
ودعني أنقل لك بعض أقوال العلماء في تحريم تهنئة الكفَّار بأعيادهم.
قال لي: لكنَّنا نقوم بتهنئتهم لأنَّهم أقوى منَّا ولكي نأمن مكرهم وشرَّهم؟
أجبته: وكيف تقدم تهنئة لمن تظنُّ فيه مكراً قد يسوقه إليك، وشراً قد ينفذّه فيك؟!
ولنفترض أنّ ذلك كما تفضلت بذكره، فقد كانت بعض عصور المسلمين في أضعف حالاتها كما حصل ذلك في غزو المغول والتتار لبغداد عام 656ه، وضعف المسلمين في بلاد الشام إبَّان قوَّة الدولة الفاطميَّة العبيديَّة، وحروب الفرنجة والصليبيين لبقاع المسلمين، وضعف المسلمين في الأندلس وانتشار ملوك الطوائف ومع ذلك فما أحد قال من أهل العلم يجوز أن نقوم بتهنئتهم لأنَّهم أقوى منَّا.
وأتبعت قولي بأن بيَّنت له أنَّ الكفَّار لا يحترمون إلاَّ الواضح في عقيدته، وأنَّنا نرى المسلمين يتبرعون بالتهنئة للكفار بأعيادهم، ومن تلقاء أنفسهم، فترى وسائل الاتصال الحديثة تنقل لنا تهنئة المسلمين للنصارى جملة وتفصيلاً عبر الرسائل من خلال الجوَّال وجميع تقنياته الحديثه، والبريد الاكتروني، والرسائل الشخصيَّة، وغيرها، بما يستغربه المسلم من كثرة تلك التهنئة التي تنافس تهنئة المسلمين لإخوانهم المسلمين بأعيادهم!!
قال لي الأخ: لكنَّ هذا اجتهاد مُعاصر لكثير من العلماء الذين قدَّروا واقعنا ورأوا وجوب تغيير الفتيا لتغير الزمان الذي نعيش فيه؟
فقلت له: وهذا القول كسابقه الذي أوردته علي، فزمننا الحالي كالأزمان السابقة من حالة ضعف المسلمين وهوانهم في أعين غيرهم وعلى رأسهم النصارى الذين شنُّوا الحروب تلو الحروب على المسلمين، وقبل كل شيء حاربوا دين رب العالمين وعادوه.
ولهذا فجميع الاستدلالات التي يذكرها أهل هذا القول الشاذ والمتأخر استدلالات في غير محلها، فمن يستدلُّ بجواز تهنئة النصارى لأنَّ الرسول عاد يهودياً ودعاه للإسلام فأسلم، فهذا يدلُّ على أنَّ مُراد رسول الله عيادة غير المسلم لحرصه على إدخاله للإسلام، وفرق بين الأمرين كما هو ظاهر!
ومن يحتج بقوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8] ليس معناها تهنئة النصارى أو مشاركتهم في أعيادهم، بل القيام بالعدل معهم، والإحسان إليهم، مثل عيادة مريضهم، وتعزية أهل ميتهم، وردِّ السلام عليهم، والتهنئة بزواجهم أو نجاحهم في دراستهم، أمَّا تهنئتهم بعيدهم الذي لا يكون فيه إلاَّ الكفر بالله والشرك به واحتساء الخمور، فلا يُمكن أن يُقال به، فالتهنئة لغة لا تكون من قبيل البر بل هي من معاني الود والمحبة، والود والمحبة مقطوعة آصرتها بين المسلمين وغيرههم؛ لكفرهم بالله.
قال لي: وما المانع أن أهنئهم بعيدهم إن كان ذلك من قبيل مُبادلتهم حين يقومون بتهنئتنا بعيدنا؟
أجبته: لأنَّنا نستحق التهنئة بأعيادنا التي تقوم على تعظيم الله تبارك وتعالى، وأمَّا هم فأعيادهم قائمة على الكفر بالله والشرك، ففرق بين أعيادنا وأعيادهم.
ثمَّ برق في بالي خاطر فقلت له: هل يجوز أن تهنئ الزاني بالزنا؟
فأجابني: طبعا لا يجوز ذلك!
فقلت له: فكيف تجيز إذاً تهنئة النصارى في عيد مولد عيسى ابن مريم وهو ولد لله - كما زعموا -؛ حيث استنكر الله تعالى هذا القول النُّكر وقال: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم: 89 - 92] فما دام أنَّه تعالى لا يجوز أن يُنسب له ولد ومن نسبه له فقد كفر؛ فكيف أقوم بتهنئة من يقوم بعيد المولد وينسب ميلاد عيسى من الله - تعالى الله عمَّا يقول الكافرون علواً كبيراً -.
ثمَّ إن كان القول بتهنئة النصارى لأجل ميلاده؛ فنحن أولى بالتهنئة من النصارى وذلك أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام نؤمن به نبياً وما كفرنا بأحد من الأنبياء؛ فأما هم فقد كفروا برسول الله محمد صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ونحن نعتقد نبوَّة المسيح عيسى وما قتله أحد ولم يصلبه أحد بل رفعه الله إليه؛ خلافاً لتأليه النصارى له؛ ولهذا سينزل المسيح عيسى ابن مريم في آخر الزمان ويكسر الصليب، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"[64].
يتبع