من عيون الكلام
بشر الحافي (3)
بكر البعداني
الحمد لله الذي رفع بعض خلقه على بعض درجات، وميز بين الخبيث والطيب بالدلائل المحكمات والسمات، وتفرد بالملك فإليه منتهى الطلبات والرغبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات، الناقد البصير لأخفى الخفيات، الحكم العدل، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يخفى عنه مقدار ذلك في الأرض والسموات.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، والحجج النيرات، الآمر بتنزيل الناس ما يليق بهم من المنازل والمقامات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه السادة الأنجاب الكرماء الثقات[1].
أما بعد:
فهذه هي السلسلة التي كنا أشرنا إليها ووعدنا أن نقف معها في حلقات وهي: من عيون الكلام لسلفنا – رحمهم الله أجمعين – وكنا شرعنا فيها بالإمام بشر بالحافي، مع الحلقة الأولى، والثانية، وهذه هي الحلقة الثالثة له.
وإلى جملة من عيون كلامه، قال رحمه الله:
من ثلاثيات بشر:
العداوة في القرابة، والحسد في الجيران، والمنفعة في الإخوان[2].
نصيحة:
النظر إلى الأحمق سخنة عين، والنظر إلى البخيل يقسي القلب، ومن لم يحتمل الغم والأذى لم يقدر أن يدخل فيما يحب[3].
فضل السخاء، وذم العابد البخيل:
صاحب ربع[4]سخي، أخف علي من عابد بخيل[5].
ذم البخلاء:
بقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين[6].
البخيل لا غيبة:
البخيل لا غيبة له، قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (( إنك لبخيل ))[7]، ومدحت امرأة عند النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقالوا: صوامة قوامة إلا أن فيها بخلًا، قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: (( فما خيرها إذًا؟!))[8]، قال بشر: بما ليس فيها خير[9].
ثناء وذم:
حسبك أن أقوامًا موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن أقوامًا أحياء تقسو القلوب برؤيتهم[10].
أعمال وأخلاق:
ليس شيء من أعمال البر[11] أحب إلي من السخاء، ولا أبغض إلي من الضيق وسوء الخلق[12].
مسؤولية العلماء:
لو كنت لا أعلم لكان أروح لقلبي[13].
طلب الدنيا ذل:
قل لمن طلب الدنيا: تهيأ للذل[14].
الصبر على الأذى:
لا ينبغي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من يصبر على الأذى[15].
[1] من مقدمة الحافظ للتقريب.
[2] شعب الإيمان (5/ 273) للبيهقي، وقد روي مرفوعًا بنحوه مختصرًا، ولفظه: (( العداوة في الأهل والحسد في الجيران )) ولا يصح، فقد قال الغزي في كتابه الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (ص: 143): " ليس بحديث وإنما هو من كلام بشر ...". وانظر: الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (ص: 14) للسيوطي، والأجوبة المرضية (1/ 381) رقم: (99).
[3] حلية الأولياء (8 /350)، وفي الشعب (7 /442)، والعقل وفضله (ص: 61) لابن أبي الدنيا، بنحوه مختصرًا.
[4] كذا وقع في الأصل، ولعل صوابها: "زيغ". والله أعلم.
[5] الشعب (7 /442).
[6] حلية الأولياء (8 /350)، وجزء فيه من أحاديث الإمام أبي نعيم (ص: 35- محقق).
[7] جزء من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7 /253) عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه.
[8] قال العراقي في تخريج الإحياء (7 /63): " أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلًا، ورويناه في أمالي بن شمعون هكذا ".
[9] شعب الإيمان (7 /442)، وانظر: الآداب الشرعية (3/ 313).
[10] تاريخ دمشق (10 /214)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (2 /333) بنحوه.
[11] فائدة: قال بعض أهل العلم: " ليس شيء من أعمال البر إلاَّ ودونه عقبة تحتاج إلى الصبر فيها، فمن صبر على شدتها؛ أفضى إلى السهولة والراحة، وإنما هي مجاهدة النفس، ثم مخالفة الهوى، ثم مكابدة ترك الدنيا، ثم الإقبال على ربه خائفًا راجيًا، ثم اللذة والنعيم ". نقلًا عن: التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق (ص: 177) لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله جميعًا.
[12] شعب الإيمان (7 /442) للبيهقي، وتاريخ دمشق (10 /214)، وانظر: شذرات الذهب (2 /60) لابن العماد.
[13] البصائر والذخائر (5 /216).
[14] حلية الأولياء (8 /352).
[15] حلية الأولياء (8/ 337).