الرد العلمي على من يطعن في أبي هريرة
الشيخ صلاح نجيب الدق
الرد على هذه الشبهة:
الرد على هذه الشبهة من وجهين:
أولًا: هذا كذب وافتراء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
روى مسلم عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدَّثه أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة، جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يسمعني ذلك، وكنت أُسبح - (أصلي نافلةً) - فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن يسرد الحديث كسردكم؛ (أي: يكثره ويتابعه)؛ (مسلم حديث: 2493).
ثانيًا: إنكار عائشة رضي الله عنها على أبي هريرة لم يكن موجهًا إلى ما يحدث به، إنما أنكرت عليه أن يسرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجة عائشة فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان «يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه»؛ (البخاري حديث: 3567).
ثالثًا: لو أنكرت عائشة رضي الله عنها على أبي هريرة غير سرده للحديث، لقالت ذلك، فأبو هريرة لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخطئ أثناء تحديثه حتى تكذبه عائشة، فكل ما كان من أبي هريرة أنه كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضير أبا هريرة إذا كان متيقظًا متنبهًا عارفًا لما يروي؟! (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:224).
الشبهة الحادية عشرة:
قال الطاعنون: "من الأحاديث التي عارض فيها الصحابة أبا هريرة أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «من حمل جنازةً فليتوضأ»، فلم يأخذ ابن عباس بخبره ورده صريحًا، قال: «لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة»".
الرد على هذه الشبهة:
قال الإمام الزركشي: وأما ما روي عن أبي هريرة أنه قال: «من غسل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ»، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت: أَوَنجسٌ موتى المسلمين؟! وما على رجل لو حمل عودًا؟!».
قال البيهقي في ذلك: «الروايات المرفوعة في هذا الباب من أبي هريرة غير قوية؛ لجهالة رواتها، وضَعف بعضهم»، والصحيح أن هذا القول موقوف على أبي هريرة، فإن صح عنه ذلك فهو رأي، وليس في ذلك كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ليس في ذلك تكذيب الصحابة له؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ232:231).
الشبهة الثانية عشرة:
يقول الطاعنون: «كُنِّي أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرمًا بها، ولعل من غرامه بها حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلًا)).
الرد على هذه الشبهة:
الرد من عدة وجوه:
أولًا: إن أبا هريرة الطفل الصغير الذي كان يرعى غنم أهله، ويداعب هرته في نهاره ويضعها في شجرة أثناء الليل، ما كان يظن ولا يتوقع أن تصبح كنيته سبب مهانته وازدرائه، فأي عار لأبي هريرة في كنيته؟! وأي إثم اقترفه حين لقَّبه أهله بذلك؟!
ثانيًا: اتهام أبي هريرة أنه وضع حديث الهرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذب وافتراء، فمعاذ الله أن يجرؤَ أبو هريرة ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل هرته التي رافقته في صغره!
ثالثًا: هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وابن ماجه.
رابعًا: لم ينفرد به أبو هريرة، بل رواه أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عمر وأسماء بنت أبي بكر، فهل هؤلاء شاطروا أبا هريرة في كذبه؟! أم أن لهؤلاء هررًا حملتهم على وضع مثل حديث أبي هريرة؟! إن الحقيقة ترد هذا الافتراض والتخمين الذي تصوره الطاعنون؛ (أبو هريرة ـ لمحمد عجاج الخطيب صـ:168).
الشبهة الثالثة عشرة:
يقول الطاعنون: «نشأ أبو هريرة في مسقط رأسه في اليمن، وشب حتى زاد على الثلاثين عامًا، جاهليًّا، لا يستضئ بنور بصيرة، ولا يقدح بزناد فهمٍ، صعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، يخدم هذا وذاك، مؤجرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا، راضيًا بهذا الهوان».
الرد على هذه الشبهة:
الرد من عدة وجوه:
أولًا: هل كان جميع الناس في الجاهلية متعلمين أو علماء؟ ألم يكن كثير من الصحابة أميين جاهلين قبل الإسلام، فشرح الله صدورهم للإيمان، وثبَّته في قلوبهم، فأصبحوا سادات زمانهم، وعلماء عصرهم، وأساتذة أُمتهم.
ثانيًا: كيف استنتج هؤلاء الطاعنون عدم فهم أبي هريرة؟ هل استعملوا مع أبي هريرة مقاييس الحفظ والذكاء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
ثالثًا: ماذا يضر أبا هريرة إذا لم ينتشر صيته في الآفاق؟! وهل كان وحده كذلك أم أن أبا بكر وعمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف وأكثر الصحابة كانوا غير معروفين قبل الإسلام؟ وهل يجرؤ إنسان أن يسلب عدالة هؤلاء وغيرهم؛ لأن شهرتهم لم تصل إلى مشارق الأرض ومغاربها قبل أن يكونوا مسلمين؟!
رابعًا: رمي أبي هريرة بالتصعلك فهذا ما لا نرضاه منه ولا من غيره، فإن كان يريد بها ما يفهمه عوام عصرنا من الدناءة والخسة، وانحطاط القدر والتطفل، فيكون قد حكم عليه من غير دليل ولا حجة، وإن كان يريد بها الفقر والحاجة وهو المعنى اللغوي، فنقول: نعم، لم يكن أبو هريرة غنيًّا، إنه أحد ملايين الفقراء الذين عاشوا كرامًا رغم الفقر، ومتى كان الفقر رذيلة أو عارًا؟ إننا لم نسمع في عصر من العصور بسقوط عدالة إنسان أو احتقاره بسبب فقره؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:170:169).
الشبهة الرابعة عشرة:
يقول الطاعنون: روى البخاري عن أبي هريرة قال: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب»؛ (البخاري حديث:113).
فأبو هريرة بذلك يعترف بكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرد على هذه الشبهة:
سبحانك هذا بهتان عظيم!
الرد من عدة وجوه:
أولًا: هذا الحديث يدل على أن عبدالله بن عمرو بن العاص كان أكثر أخذًا للحديث من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب.
ثانيًا: يحتمل أن يكون قول أبي هريرة هذا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدعو لأبي هريرة بالحفظ.
ثالثًا: كل ما في الأمر أن عبدالله بن عمرو بن العاص حمل من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي هريرة، إلا أنه لم يتيسر له نشره.
رابعًا: قال الإمام ابن حجر العسقلاني (رحمه الله): قول أبي هريرة: (فإنه كان يكتب ولا أكتب)، هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبدالله بن عمرو بن العاص على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبدالله، مع أن الموجود المروي عن عبدالله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة، ويرجع ذلك للأسباب التالية:
(1) كان عبدالله بن عمرو مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلَّت الرواية عنه.
(2) كان أكثر مقام عبدالله بن عمرو بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا مِن كثرة مَن حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.
(3) ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
(4) كان عبدالله بن عمرو قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ1صـ250).
الشبهة الخامسة عشرة:
قال الطاعنون: "سرق أبو هريرة عشرة آلاف دينار حينما كان أميرًا على البحرين لعمر بن الخطاب، فعزله وضربه بالدرة حتى أدماه".
الرد على هذه الشبهة:
الرد من وجهين:
أولًا: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاسم أبا هريرة ماله، كما قاسم غيره من الولاة، ولم يثبت في رواية صحيحة أن عمر ضرب أبا هريرة حتى أدماه.
ثانيًا: لو شك عمر بن الخطاب في أمانة أبي هريرة، ما عرض عليه الولاية مرة أخرى؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ87:86).
روى عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت، فنظروا، فوجدوه كما قال، فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: تكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيرًا منك يوسف عليه السلام، فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين، قال: فهلَّا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يُضرب ظهري، ويُنتزع مالي، ويُشتم عرضي؛ ( إسناده صحيح)؛ (مصنف عبدالرزاق جـ 11 صـ 323 رقم 20659).
الشبهة السادسة عشرة:
قال الطاعنون: "كان أبو هريرة يناصر الأمويين، ويتحدث بفضائلهم، وأن معاوية بن أبي سفيان جعل أبا هريرة يتكلم في حق علي بن أبي طالب".
الرد على هذه الشبهة:
الرد من عدة وجوه:
أولًا: أهل العلم جميعًا يعلمون أن أبا هريرة كان محبًّا لأهل البيت، ولم يناصبهم العداء أبدًا، وكان مشهورًا عنه تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يحب من أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أبو هريرة لم يكن دائمًا على صلة حسنة بمعاوية، فقد عزله معاوية عن المدينة وجعل مكانه مروان بن الحكم.
ثالثًا: لو كان أبو هريرة مؤيدًا للأمويين ما روى أحاديث في فضائل أهل البيت، وخاصة علي بن أبي طالب.
(1) روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر: ((لأعطينَّ هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه))، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها - (أي: أظهرت وجهي ليتذكرني) - رجاء أن أُدعى لها، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: ((امشِ، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك))، قال: فسار علي شيئًا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: ((قاتِلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله))؛ (مسلم حديث:2405).
(2) روى النسائي عن أبي هريرة، قال: "جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، قال: ما كنتم تنادون؟ قال: «كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فأجله أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك، فكنت أنادي حتى صحل صوتي»؛ (حديث صحيح)، صحيح سنن النسائي للألباني حديث:2769).
(3) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة - (وعاء من جلد يجعل فيه السمن وغيره) - التي ليس فيها شيء، فنشقها فنلعق ما فيها»؛ (البخاري حديث: 3708).
(4) روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة، فانصرف فانصرفت، فقال: ((أين لكع - (كناية عن الصغير) - ثلاثًا، ادع الحسن بن علي))، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده (أشار) هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه - (ضمه بين يديه إلى صدره) - فقال: ((اللهم إني أُحبه فأحِبَّه، وأَحبِبْ مَن يُحبه))، وقال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي، بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال؛ (البخاري حديث: 5884/مسلم حديث: 2421).
رابعًا: المنصفون من أهل العلم لم يتهموا أبا هريرة بالتشيع لعلي، ولا بالعداء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأبو هريرة لا يتحزب لأحد، ولا يجامل أحدًا على حساب الدين، ولا يسير وراء هوى متبع أو شهوة جامحة، إنما هو ذلك الصحابي العظيم الذي عرفنا استقامته وعدالته، وتقواه وورعه وأمانته.
خامسًا: لم يثبت أن معاوية بن أبي سفيان حمل أحدًا على الطعن في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع في ذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعًا أسمى وأرفع من أن ينحطوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أن يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع حديثه وزجره عن الكذب؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ184:182).
سادسًا: كان أبو هريرة ينهي الأمويين عن المنكر، ولا يجامل أحدًا على حساب الدين.
روى مسلم عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي؟! فليَخلقوا ذرةً، أو ليَخلقوا حبةً، أو ليَخلقوا شعيرةً))؛ (مسلم حديث: 2111).
الشبهة السابعة عشرة:
قال الطاعنون: "كان أبو هريرة يصطحب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الحصول على الطعام فقط، بدليل ما رواه الشيخان عن الأعرج، قال: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم"؛( البخاري حديث 7354 / مسلم حديث 2492 ).
الرد على هذه الشبهة:
الرد من وجهين:
أولًا: قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: إن السبب الأصلي الذي اقتضى لأبي هريرة كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملازمته له ليجد ما يأكله؛ لأنه لم يكن له شيء يتجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه؛ خشية أن يفوته القوت، فيحصل في
هذه الملازمة من سماع الأقوال ورواية الأفعال، ما لا يحصل لغيره ممن لم يلازمه ملازمته؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ13صـ323).
ثانيًا: هذا الحديث يوضح تفرُّغ أبي هريرة التام لطلب العلم، وحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يشغله شيء عن طلب العلم حتى الطعام الذي يشغل غيره، يجده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: لو كان أبو هريرة يريد إشباع بطنه فقط، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عن عمل عند بعض الصحابة؛ حتى لا يتعرض للجوع الذي كان يعاني منه أحيانًا.
روى البخاري عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي، ثم قال: ((يا أبا هِرٍّ))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ))، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذِن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: ((مِن أين هذا اللبن؟))، قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: ((أبا هِرٍّ))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ إلى أهل الصفة، فادعهم لي))؛ (البخاري حديث6452).
رابعًا: لو كان أبو هريرة مهتمًّا بالطعام فقط، لكان بوسعه أن يحصل على بعض الأغنام التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها على الصحابة، فيقوم أبو هريرة برعيها والاستفادة من لحمها وألبانها.
من هم الطاعنون في أبي هريرة؟
قال الإمام أبو بكر بن خزيمة - (المولود عام هـ223والمتوفى عام 311هـ) -: يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره مَن قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار:
(1) إما معطل جهمي، يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه؛ تمويهًا على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة.
(2) وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرى طاعة خليفة، ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، لم يجد حيلةً في دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة.
(3) أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفَّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر، لم يجد بحجة يريد صحة مقالته التي هي كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها.
(4) أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، وأخباره؛ تقليدًا بلا حجة ولا برهان، كلم في أبي هريرة، ودفع أخباره التي تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقةً لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخبارًا لم يفهموا معناها؛ (مستدرك الحاكم جـ 3 صـ 513).
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا - أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]؛ كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[1] قوله: (بعث)؛ أي: في جيش لقتال العدو، هذا الحديث فيه منقبة لأبي هريرة لاشتراكه في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.