صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان
أ. د. مصطفى مسلم
الخامس: ترك الإسراف والتقتير في الإنفاق:
إن الإسلام دين العدل والوسطية في جميع شؤون الحياة، والمسلم يلتزم الخلق الوسط فكلا طرفي الأخلاق ذميم، وهو التوجيه الرباني لرسوله الكريم: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، وإذا علمنا أن ذاك التوجيه جاء بعد النهي عن منع الحقوق الواجبة، علمنا أن الاعتدال في الإنفاق يكون في الأمور الخاصة بالاستمتاع والشهوة. ولا يسمى الإنفاق في الخير سرفاً (فلا سرف في الخير)، جاء ذلك بعد قوله تعالى: ﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 26 - 27].
وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله[5].
قيل لأحدهم: ما البناء الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر، فقيل: فما الطعام الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سد الجوعة، فقيل له: في اللباس، قال: ما ستر عورتك ووقاك من البرد.
السادس: البعد عن الشرك:
قد يستغرب المتدبر للآيات الكريمة المشتملة على صفات عباد الرحمن نفي الشرك عنهم ونفي القتل، ونزاهتهم عن الزنى، بعد ذكر تحليهم تلك الخصال العظيمة، من التواضع والحلم، وقيام الليل، والوجل من الله، والعدالة في الإنفاق، فما الحكمة في ذكر هذه القبائح العظيمة في هذا السياق؟.
أجاب بعضهم: أن الحكمة التعريض بما كان عليه أعداؤهم من الكفار، فكأنه قيل لهم: والذين طهرهم الله تعالى وبرأهم مما أنتم عليه معشر الكفار من الإشراك، وقتل النفس المحرمة كالموءودة والزنا.
وسواء أدركنا الحكمة من ذكر هذه الخصال الذميمة في السياق أو لم ندرك، فإن التذكير بالابتعاد عنها من الأمور الهامة جداً.
فإن الإشراك بالله من أكبر الكبائر، كما نص عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تدعو لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك"[6]. لذا جاءت النصوص الصريحة الواضحة، أن الذنوب كلها تحت مشيئة الله تعالى وإن لم يتب منها المذنب، إن شاء غفرها وتجاوز عنها، وإن شاء عاقب عليها، إلا الشرك فلا تجاوز عن المشرك، يقول عزَّ من قائل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 116].
السابع: اجتناب القتل:
لقد حرم الإسلام قتل النفس المعصومة إلا في حالات تستحق النفس فيها القتل، لأنها ارتكبت من الجرائر ما أزال عصمتها، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالات التي تهدر فيها النفس فتستحق القتل، بقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"[7].
قال بعض العلماء: إن الشرك والقتل والزنى كلها صور للقتل، فالشرك قتل للنفس بتخليدها في النار، وإذا ارتد المسلم فأشرك استحق القتل حداً، وقتل الغير قتل جلي. والنوع الثالث من القتل هو القتل الخفي بتضييع نسب الولد بالزنى.
الثامن: النزاهة عن الزنى:
إن الإسلام نظّم الغرائز لدى الفرد فلم يطلق العنان لإشباعها، كما لم يحاربها ويكبتها لأن لها دوراً وظيفياً ينبغي أن تؤديه، وعلى رأس هذه الغرائز غريزة الجنس وحب البقاء.
إن الإسلام يهدف إلى تربية مجتمع متماسك سليم من الآفات الاجتماعية، نظيفاً من اختلاط الأنساب متماسك اللبنات، فشرع الإسلام شرائعه لحماية الكليات الخمس:
الدين، العقل، العرض، النفس، المال.
فأقام صرح المجتمع الإسلامي على اللبنة الأولى (الأسرة). ووضع لها من التشريعات ولأفرادها من الحقوق والواجبات ما يجعلها نقية صافية من الشوائب، ووضع سياجاً من التشريعات للحفاظ على قدسية العلاقة الزوجية وسمى عقد الزوجية ميثاقاً غليظاً. ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: 21].
لذا سنَّ العقوبات الشديدة على من يحاول التعرض للحياة الزوجية بسوء، فمن قال فيها مقالة سوء باتهام غيره بالزنى طالبه الإسلام بإحضار أربعة شهود على ما قال، وإلا فضرب بالسياط على ظهره، ووعيد بالعذاب الأخروي على جنايته ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4].
ومن تجنى بتجاوز الحد والوقوع في الفاحشة، فإن كان بكراً جلد مئة جلدة، وإن كان محصناً فرجمه بالحجارة إلى الموت.
يقول عزَّ من قائل: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 2].
وحسب نظرة الإسلام الواقعية لشؤون الحياة وحل المشكلات الإنسانية على ضوء المصلحة العليا للمجتمع، سن الإسلام موضوع الملاعنة بين الزوجين حيث يتهم الزوج زوجه بالفاحشة ونظراً لولوجه وخروجه في كل وقت وليس من المكنة إحضار الشهود في مثل هذه الأحوال، لم يأمره الإسلام أن يسكت على التي خانته في أعزِّ ما يملك في عرضه وشرفه، فأجاز أن يشهد أربع شهادات بالله أنه رآها في حالة الفاحشة وإنه صادق فيما يقول، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً في دعواه.
كما أن العدل الرباني لم يحرم المرأة من الدفاع عن عرضها وشرفها، وربما كان الزوج مفترياً عليها يريد الوقيعة بها، فأتاح لها الفرصة أن تبرز براءتها من خلال أربع شهادات بالله إنه كاذب في دعواه، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقاً.
وبما أنَّ العلاقة الزوجية مبنية على المودة والرحمة والثقة المتبادلة بين الزوجين، لتكون سكناً له ويكون لها راعياً مؤتمناً، وقد انثلم كل ذلك بهذه الاتهامات والملاعنات، فكانت الخطوة المنطقية التفريق بينهما فرقة بائنة لا لقاء بعدها بينهما.
يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور: 6 - 9].
إن جريمة الزنى جريمة مدمرة، وما فشا هذا الوباء في مجتمع إلا وتفشت فيه أوبئة مادية وخلقية أخرى، فكان مصير المجتمع الدمار والهلاك.
فوائد منوعة:
1 - فوائد بيانية:
دلّت الأساليب البيانية على ضخامة الآثام الثلاثة (الشرك، القتل، الزنى) حيث جاءت في الآيات الكريمة أساليب بلاغية تبرز هذا الجانب منها:
أ- الاعتراض بين المبتدأ (وعباد الرحمن) وما عطف عليه، وبين الخبر الذي هو ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا... ﴾ [الفرقان: 75] على رأي بعض العلماء، بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة، فدل على مزيد اهتمام بشأنها.
ب- الإشارة بأداة البعد في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ [الفرقان: 68] مع قرب المذكورات فدل على أن البعد في رتبتها.
جـ- التعبير باللقي مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله ﴿ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ فهو أبلغ من: يأثم، أو يلق إثماً، أو جزاء إثمه.
د- التقييد بالمضاعفة في قوله: ﴿ يُضَاعَفْ ﴾ ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في إثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك.
هـ- التهويل بقوله: ﴿ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقاس.
و- الإخبار بالخلود الذي أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً.
ز- التصريح بقوله: ﴿ مُهَانًا ﴾ إشارة إلى أن العذاب مضرة خالصة مقرونة بالإذلال والإهانة، وذلك ليجتمع على الجاني العذاب الجسماني والروحاني. احترازاً عما يظن أن بعض عصاة هذه الأمة الذين يريد الله تعذيبهم يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة فتكون إقامتهم مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة.
هذه سبع مؤكدات جاءت لبيان عظم هذه الذنوب الثلاثة.
فوائد في الجمع بين الآيات:
اختلف العلماء في توبة القاتل العمد، هل تقبل أو لا؟:
• ذهب جمهور العلماء إلى أن للقاتل العمد توبة، كما أن لمرتكبي الكبائر عامة توبة، وقد دلَّت النصوص على ذلك فمنها:
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 116].
ومنها ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن أناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ ﴾ [الفرقان: 68] الآية ونزلت: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو جابر أنه سمع مكحولاً يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أأسلمت"، فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الله غافر لك غدراتك وفجراتك، ومبدّل سيئاتك حسنات ما كنت كذلك"، فقال: يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال: "وغدراتك وفجراتك"، فولى الرجل يكبر ويهلل. وروى قريباً منه الطبراني عن أبي فروة.
وذهب جمهور المفسرين إلى أن لا تعارض بين آية الفرقان وهي مكية، وبين آية النساء في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]. فإن آية سورة النساء مطلقة، فتحمل على من لم يتب، أما آية سورة الفرقان فإنها مقيدة بالتوبة.
• روى الشيخان عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمّل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلّ على رجل عالم فقال: إنه قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكماً - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة"، وفي رواية "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقرّبي وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له"[8].
فوائد في صور لطف الله العزيز اللطيف بعباده يوم القيامة، وأقوال في تبديل السيئات حسنات:
أخرج مسلم في صحيحه: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحّوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها قال: فقال له: عملت يوم كذا: كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئاً، فيقال: فإن لك بكلِّ سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ههنا، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه"[9].
• قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادية: التبديل في الدنيا، فيبدلهم بالشرك إيماناً وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصاناً، فهي بشارة من الله تعالى لهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا ثوابها.
• وقال الزجَّاج: السيئة تُمحى بالتوبة وتُكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
• وقال سعيد بن المسيب ومكحول: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، واحتجا بما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ليتمنينّ أقوام أنهم أكثروا من السيئات، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"[10].
• قال القفال والقاضي: إن الله يبدل العقاب بالثواب، فذكرهما وأراد ما يستحق بهما، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإنابة لا يكون إلا من الله تعالى[11].
والحكمة في تكرار قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان: 71].
أن هذا القول الثاني عمم بعد التخصيص، فالاستثناء جاء في التوبة عن الشرك والقتل والزنى، أما هذا فلبيان حال من تاب من جميع المعاصي - والله أعلم.
التاسع: التوبة:
من لطف الله بعباده أن فتح لهم طريق الرجوع إلى باريهم، ولم يوئسهم من رحمته مهما عظم الذنب واستمر فيه العاصي، وتوغل في المفاسد، وفي التمرد على خالقه ورازقه.
"لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من رجل كان في سفر في فلاة من الأرض، نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فأوى إلى ظل شجرة، فوضع رأسه فنام نومة تحتها، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها، فأتى شرفاً فصعد عليه فلم ير شيئاً، ثم أتى آخر فأشرف فلم ير شيئاً، حتى اشتد عليه الحر والعطش، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، رفع رأسه فإذا راحلته قائمة عنده، تجر خطامها، عليها زاده طعامه وشرابه، فأخذ بخطامها فالله أشد فرحاً بتوبة المؤمن براحلته وزاده"[12].
يتبع