وقال الأخطل:
غضبانُ تحسبُ لونَ الورس خالطه *** كأنه حين يهوي مدبرًا حجر[32]
والهاوية أيضًا المهواة كما قال الشاعر:يا عمرو لو نالتك أرماحُنا *** كنت كمن تهوي به الهاويه[33]
فكأنّ نصيبه وقع فيما بين جبلين أي ضاع وأصبح هباء منثورًا.وقال الطبري: "فمأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه في جهنم".[34]
وقد استعار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من القرآن الكريم فقال داعيًا على معاوية بن أبي سفيان:أضربهم ولا أرى معاويه
الأبرح العين العظيم الحاويه
هوتْ به في النار أمٌّ هاويه
جاوره فيها كلابٌ عاويه[35]
وأرى أنّ الأمّ هي النصيب والهاوية خبر لها، وقد أنّث الفعل (أي الخبر) لأنّ الأمّ مؤنثة فأمّه هاويه أي نصيبه ضاع كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77].وجاء في سورة الأعراف بهذه المناسبة:﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 8 - 10].وكذا جاء في سورة المؤمنون:﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 102، 103]وإنْ جعلناه دعاء عليهم فيعني الهلاك كما قال تعالى يحكي مثل هؤلاء:﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾ [الحاقة: 25 - 32].
وملخص القول أنّ "الأمّ" وردت في القرآن الكريم لثلاثة معانٍ وهي: الوالدة، والمركز، والملجأ. وأما القول: "فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ" فيعني إمّا "ضَلَّ نصيبُه" أو "هَلَكَ". وكلاهما يرجع إلى مدلول واحد وهو الخسران نهائيًا.المصادر والمراجع:1) القرآن الكريم2) تاج العروس من جواهر القاموس للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1965م.3) جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، تحقيق: محمد علي البجادي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.4) ديوان أبي النجم العِجْلِي، جمع وشرح وتحقيق: محمد أديب عبد الواحد جمران، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، 2006م.5) ديوان الأخطل، شرح: مهدي محمّد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1994م.6) ديوان الأصمعيات، تحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، ط3.7) ديوان الخنساء، اعتنى به وشرحه: حمدو طمّاس، دار المعرفة، بيروت، 2004م.8) ديوان الشماخ بن ضرار الشيباني، تحقيق وشرح: صلاح الدين الهادي، دار المعارف بمصر، د.ت.9) ديوان الشنفري، جمع وتحقيق: د. إيميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2 1996م.10) ديوان الطرماح، د. عزة حسن، دار الشرق العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1994م.11) ديوان العجّاج، تحقيق: د. عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق، 1971م.12) ديوان الفرزدق، شرح الأستاذ علي فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1987م.13) ديوان المفضليات للمفضل الضبي، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، ط6.14) ديوان الهذليين، الجمهورية العربية المتحدة، الثقافة والإرشاد القومي، طبعة دار الكتب، 1996م.15) ديوان أمية بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة: د. عبد الحميد السطلي، دمشق، 1974م، د.ت.16) ديوان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، جمع وترتيب: عبد العزيز الكرم، ط1، 1988م.17) ديوان أوس بن حجر، تحقيق وشرح: د. محمد يوسف نجم، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1980م.18) ديوان تأبط شرًا وأخباره، جمع وتحقيق وشرح: علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1984م.19) ديوان حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي، شرح: ضابط بالحربية، مطبعة السعادة، مصر، د.ت.20) ديوان حسان بن ثابت، شرح وتقديم: الأستاذ عبدأ مهنا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1994م.21) ديوان حميد بن ثور الهلالي، صنعة: الأستاذ عبد العزيز الميمني، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1951م.22) ديوان كعب بن زهير، تحقيق: الأستاذ علي فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.23) شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، جمع وترتيب: بشير يموت، المطبعة الوطنية، ط1، 1934م.24) شرح ديوان الحماسة للعلامة التبريزي، دار القلم، بيروت، لبنان، د.ت.25) شعر عروة بن أذينة، تحقيق: د. يحيى الجبوي، دار القلم، الكويت، ط2، 1981م.26) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، دار العلم للملايين، بيروت، 1956م.27) كتاب الألفاظ لابن السكيت يعقوب بن إسحاق، تحقيق: الدكتور فخر الدين قبادة، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 1998م.28) كتاب العين للخليل الفراهيدي، ترتيب وتحقيق: الدكتور عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2003م.29) لسان العرب لابن منظور الإفريقي، دار صادر، بيروت، د.ت.
[1] مدير تحرير "مجلة الهند" وأستاذ مساعد، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي.
[2] شرح ديوانه، ص 132.
[3] شرح ديوانه، ص 335.
[4] شرح ديوان الحماسة، 1 /465.
[5] كتاب العين والصحاح: أمم.
[6] لسان العرب: أمم.
[7] ديوانه، ص 356.
[8] ديوانه، ص 156.
[9] ديوانه، ص 35.
[10] ديوانه، ص 425.
[11] شعره، ص 83.
[12] ديوانه، ص 103.
[13] ديوانه، 1 /123-124.
[14] ولمختلف مدلولات "الأمّ" راجع كتاب الألفاظ لابن السكيت واللسان..
[15] ديوانه، 2 /121.
[16] ديوانه، ص 648.
[17] تاج العروس: أمم.
[18] ديوانه، ص 123.
[19] وقال الزمخشري: "فأمه هاويه من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمه، لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه ثكلًا وحزنًا". الكشاف (تفسير سورة القارعة).
[20] شرح ديوان الحماسة، 1 /386-387 وشاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، ص 97.
[21] جمهرة أشعار العرب، ص 556-557.
[22] ديوان الهذليين، 1 /101.
[23] خاضه: دخله.
[24] ديوان المفضليات، ص 369.
[25] ديوانه، ص 156.
[26] ديوانه، ص 72.
[27] ديوانه، ص 89.
[28] ديوانه، ص 71.
[29] ديوانه، ص 69 جمعُ مزادة: قربة اللبن، تميع: تذوب وتسيل..
[30] ديوانها، ص 78 وهما أي عينين..
[31] ديوان الأصمعيات، ص 32.
[32] ديوانه، ص 161.
[33] تفسير القرطبي (تفسير سورة القارعة).
[34] تفسير الطبري (تفسير سورة القارعة).
[35] ديوانه، ص 103.