عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 05-12-2020, 12:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الثمرات العلمية والثقافية للدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات العلمية والثقافية للدعوة إلى الله تعالى في

المرحلة الثانوية (3)


هند بنت مصطفى شريفي




من أركان الدعوة إلى الله تعالى: موضوع الدعوة، وهو الهدى والخير والعلم الذي تبلغه الداعية للناس وتحثهم على التزامه، وهو المعروف الذي تأمر بفعله، والمنكر الذي تنهى عنه، ويتضح المراد بموضوعات الدعوة من خلال ما يأتي:
تعريف الموضوع في اللغة:
تتضمن كلمة (موضوع) في اللغة العربية العديد من المعاني، منها: الوضع، يقال: وَضع يضعه وَضعًا وموضوعًا: حطّ من قدره، والوضيع: الدنيء من الناس، والتواضع: التذلل.

ووضع الجزية: أسقطها، وكذا الحرب، ووضعت المرأة حملها: ولدته، ووضعت الناقة: أسرعت في سيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ [1]، أي حملوا ركابهم على العدو السريع[2].

أما كلمة (موضوع) فهي مصدر، ويجمع على مواضع وموضوعات، وموضوع العلم: هو ما يبحث فيه عن عوارضهم الذاتية، كجسم الإنسان لعلم الطب، وموضوع الكلام: هو المادة التي يجري عليها[3].

وهذا المعنى الأخير هو الأقرب للمعنى اللغوي المراد في هذا البحث.

وأما تعريف موضوع الدعوة اصطلاحا:
فهو: ما يُدعى إليه، وهو الإسلام الذي أوحى الله تعالى به إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم، متمثلا في القرآن والسنة، فالدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه وإلى شرعه الذي أمر به، والذي قال عنه تعالى ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [4].[5].

والإسلام هو الدين الخاتم الذي أكمله تعالى لعباده، وارتضاه لهم بفضله ونعمته، كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[6]قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: إن (الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، فإن هذه الدرجات الثلاث التي هي: الإسلام والإيمان والإحسان، داخلة في الدين، كما في الحديث الصحيح: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم))[7] بعد أن أجابه عن هذه الثلاث، فبين أنها كلها من ديننا)[8]، وهذا يؤكد شمولية الدعوة لكل جوانب وأسس الدين.

مما سبق يتضح أن الإسلام هو موضوع الدعوة ومقصودها، (فهو المنهج الكامل الذي اختاره الله للعالمين، وجمع فيه أصول الشرائع، ووصايا الأنبياء، وبعث عليه خاتم الأنبياء والمرسلين، بخصائصه ومبادئه وأهدافه وغاياته ونظامه الشامل الذي يتناول مظاهر الحياة جميعًا)[9].

والمقصود بموضوعات دعوة الطالبات في المرحلة الثانوية: المحتوى والمضمون الذي يُبلغ لطالبات المرحلة الثانوية، ويُدعين لامتثاله وتطبيقه في جميع شئون حياتهنّ، ليُحققن الغاية التي خُلقن من أجلها، وهي العبودية الخالصة لله تعالى وحده لا شريك له، وإسلام الوجه وإخلاص العمل له عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [10]، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [11].

وهناك جملة من الأسس الهامة التي على المعلمة الداعية مراعاتها في اختيار موضوع الدعوة حتى يحقق هدفه في تبليغ الرسالة وهداية الطالبة، لا سيما أن موضوع الدعوة يعتبر غاية ووسيلة في العملية الدعوية في آن واحد، فهو غاية حيث يحصل به البلاغ المبين كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا[12]، ووسيلة حيث يكون سببًا في حياة القلوب والأرواح، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[13]، وهو في الحالتين ركن أساس من أركان الدعوة.

ومن هذه الأسس:
1- أن تعمل المعلمة الداعية على ربط كل موضوع تتحدث فيه مع طالباتها بالإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
حيث إن الإيمان هو الركيزة الأساس لما بعده من الأعمال؛ سواء كان موضوعًا عقديًّا، أم تشريعيًّا، أم أخلاقيًّا؛ لأن غرس الإيمان الصحيح الذي يقوي مراقبة المرء لله تعالى في كل أعماله وأقواله، ويثمر طاعة الله والرسول - صلى الله عليه وسلم هو الذي يبني الطالبة بناءً عقديًّا متينًا، وقد قال تعالى مبينا أهمية الإيمان: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾[14]، (وهذه صفة المؤمن - حق المؤمن - الذي إذا ذكر الله وجل قلبه؛ أي: خاف منه، ففعل أوامره وترك زواجره)[15].

ولما أمر المؤمنين بالتزام الأخلاق الفاضلة، وحذرهم من الأخلاق الرذيلة، جعل الإيمان قاعدة تقوم عليها القيم الأخلاقية؛ حيث جعل كمال حسن الخلق من كمال الإيمان؛ قال - صلى الله عليه وسلم: (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا))[16].

2- الوضوح في تحديد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال موضوعات الدعوة:
فينبغي أن تكون الأهداف واضحة؛ سواء كانت أهدافًا عامة، أم أهدافًا خاصة جزئية، أو مرحلية، لما في تحديد الأهداف من تنظيم لجهد الداعية، وابتعاد عن الارتجالية والفوضوية التي قد تؤدي في النهاية إلى القعود عن الدعوة والفتور والملل.

كما أن تحديدها لأهدافها يوضح لها الوجهة التي تسلكها، فتعرف من أين تبدأ وكيف تدعو، والداعية العاقلة الحكيمة إذا أرادت لنفسها النجاح، فعليها أولاً أن تحدد غاية سلوكها، ثم تجمع كل نياتها وأعمالها ومساعيها للوصول إليه، وإن كان هناك طرق عدة للوصول إليها، فعليها أن تختار الطريق الأنسب بعناية، ولا تلتفت أدنى التفاتة إلى الطرق المتخللة في سبيلها[17].

ومن المهم في تحديد أهداف الدعوة، أن تعتني المعلمة بالأهداف السلوكية التي تجيب على السؤال الآتي: ماذا ينتظر من الطالبة أن تفعل؟ بحيث يحدد التغيير المرغوب في سلوكها، والذي يمكن ملاحظته وتقويمه، فقد تختار المعلمة موضوعًا يتعلق بالعقيدة، وهي في كثير من الأحيان ( أعمال قلبية أساسها في داخل النفس الإنسانية، على أن ممارستها يجب أن تنعكس في صورة سلوك خارجي سوي يحقق هذه الأعمال؛ أي: إنه لا بد أن يكون هناك مؤشرات ودلالات خارجية ممكن ملاحظتها تدل على أن من اتصف بها قد حقق الهدف المرغوب فيه، ومن هنا فإن صياغة الهدف السلوكي، تتبعها مؤشرات عديدة، تسهم في توضيحه والدلالة عليه)[18].

3- أن يكون موضوع الدعوة محققًا للغايات التربوية للدعوة:
إن أهداف الدعوة هي مقاصد الإسلام وغاياته؛ لأنه ما جاء إلا بتحقيق وجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد والشرور عنهم، والدعوة الإسلامية تدعو إلى تطبيق دين الإسلام بما فيه من جلب للمصالح ودفع للمفاسد، فتحفظ للإنسان دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله، (وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الخمسة أحكامًا تكفل إيجاده وتكوينه، وأحكامًا تكفل حفظه وصيانته)[19]، وبهذه الأحكام حفظ للناس ضرورياتهم، إيجادا لها بتشريعها ابتداءً، ودرءًا للمفاسد عنها؛ كيلا يقع فيها الخلل أو العدم، يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله -[20]: (والحفظ لها يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم)[21].

وطالبة الثانوية تحتاج إلى من يغرس في نفسها الفضائل وينمِّيها، ويبني شخصيتها على أصول الدين، كما تحتاج إلى سياج متين يقيها ويحصنها من الشُّبه والانحرافات، التي قد تخدش دينها وأخلاقها، كما تحتاج إلى علاج ما قد يشوب ويكدر صفاء إيمانها، من أمراض أصيبت بها، أو أخطاء وقعت فيها نتيجة جهلها واتباعها لهواها.

وبناءً على ما سبق فمن المهم في موضوع الدعوة أن يراعى طبيعة التوجيه التربوي الملائم ليسير ضمن أحد المحاور الآتية:
أ‌- موضوعات إنمائية تأسيسية.
ب‌- موضوعات وقائية تحصينية.
ت‌- موضوعات علاجية.

وتوضح هذه المحاور بالآتي:
أ- الموضوعات الإنمائية التأسيسية:
هي الموضوعات التي تركز على جانب التدعيم والبناء والتأصيل، وترسيخ القيم الإسلامية لدى الطالبة؛ بتعريفها بها، وإقناعها بأهميتها، فالدعوة توجه الطالبة إلى الالتزام بتوجيهات الإسلام؛ حتى لا تَحيد عن جادة الطريق، فتقع في الفساد، وذلك بترغيبها في تزكية نفسها وتطهيرها من الشرور والآثام، ومن الموضوعات المهمة في الجانب البنائي التأسيسي:
تنمية تقوى الله في قلبها بحثها وترغيبها فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ[22].

ومنها: تنمية السلوك الظاهر والباطن؛ حتى يتوافقا في القول والعمل؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [23].

ومنها: تنمية الأخلاق الفاضلة بالترغيب بما فيها من الأجر العظيم عند الله.

ومنها: غرس محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في قلبها بالمحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( ما تقرّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه))[24].
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.41%)]