الثالث: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه "خبر منسوخ، نسَخَه قولُ الله تعالى بعد قصة أبي جندل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُن َّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ َ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: 10]، فأبطل الله - تبارك وتعالى - بهذه الآية عهدهم في ردِّ النساء.
ثم أنزل الله تعالى: (براءة) بعد ذلك، فأبطَل العهد كلَّه، ونسَخَه بقوله تعالى: ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ [التوبة: 1 - 2]، وبقوله تعالى في (براءة) أيضًا: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [التوبة: 7]، الآيةَ، فأبطل تعالى كلَّ عهْد للمشركين حاشا الذين عاهدوا عند المسجد الحرام.
وبقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ [التوبة: 5].
وقال تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].
فأبطل الله تعالى كلَّ عهد ولم يُقِرَّه، ولم يجعل للمشركين إلاَّ القتل، أو الإسلام، ولأهل الكتاب خاصَّة إعطاء الجزية وهم صاغرون"[12].
الرابع: أن ما وقَع من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان ردًّا للمسلمين، وليس تسليمًا لهم، وهناك بَوْنٌ شاسع وفرق كبير بين الردِّ والتسليم.
فالردُّ هو أن تَترك المسلم وتخلِّي بينه والكافر، دون أن تَجْبر المسلم على الرجوع للكافر، ودون إعانة للكافر على المسلم.
فقد جاء في كتاب "أسْنَى المطَالِب": "ومعنى الردِّ له التخلية بينه وبينهم، كما في ردِّ الوديعة، لا إجْباره على الرُّجوع؛ إذْ لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحَرْب، فلو شرط في العقد أن يبعث به الإمام إليهم لم يَصِح"[13].
وقال الماوَرْدي: "فصفة الردِّ أن يكون إذنًا منه بالعود، وتمكينًا لهم من الردِّ، ولا يتولاَّه الإمام جبرًا إن تمانَعَ المردود، وكذلك أَذِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي جندل وأبي بصير في العود، فإن أقام المطلوب على تمانُعِه من العود، قيل للطالب: أنت مُمَكَّن من استرجاعه، فإذا قدرتَ عليه لم تُمنع منه، وإن عجزت عنه لم تُعَن عليه"[14].
بل ويستحَبُّ للإمام أن يأمر المسلم بعدم الرجوع مع الكفار، وأنْ يطالبه بأن يَهْرب إن استطاع الفرار، كما قال الشيخ زكريا الأنصاري: "ولا يُمنع الإقامة عندنا، بل يُؤمر بها ندبًا سرًّا، بأن يقول له الإمام سرًّا: لا تَرجع، وإن رجعْتَ فاهرب إن قدرت، ويقول للطالب: لا أمنعك منه إن قدرتَ عليه، ولا أُعِينك إن لم تقدر"[15].
وقال بعض العلماء: "لا يصح شرط ردِّ المسلم إلاَّ أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه"[16].
قال ابن حزم في بيان وجوه عدم حُجَّية حادثة ردِّ أبي جندل على المشركين "أنه - عليه السلام - لم يردَّه حتى أجاره له مكرز بن حفص من أن يُؤْذَى"[17].
فأين هذا من حالة "كاميليا" التي خُطِفت وأُخِذت عنْوةً واغتصابًا، ثم سُلِّمت قهرًا لزبانية الكنيسة دون شفقة أو رحمة، وهي المسكينة التي لا حول ولا قوة لها؟!
الخامس: أن نصارى مصر ليسوا دولة مستقلَّة، ولم يقع صلْحٌ بين المسلمين وبينهم على أن يُردَّ إليهم مَن رغب منهم في الإسلام، فنصارى مصر ما هم إلا أقلِّية مُشَرذمة وطائفة قليلة، تَقْبع تحت حكم المسلمين وتخضع لسلطانهم، ومن ثَم فلا وجه لقياس ما تم في صلح الحديبية على حادثة "كاميليا" وأخواتها الأسيرات.
ومما سبق يظهر جليًّا بحمد الله خطأُ ما ذهب إليه أولئك المرْجِفون، وفسادُ قِياسهم، وسقوطُ استدلالهم، وضعف حُجَجِهم، ومخالفتُها للنصوص الشرعية القاطعة.
وهكذا دائمًا تجد أهل الباطل لا تستقيم لهم حجَّة، ولا يصحُّ لهم استدلال؛ لأنَّ الباطل لَجْلَج، لن تقوِّيه دعاوى المبْطِلين، ولن تُقِيمه فتاوى المداهنين.
"فحقيق بمن لِنَفسه عنده قدْرٌ وقيمة ألاَّ يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السُّنة النبوية شمَّر إليه، ولم يَحبس نَفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يُبَعثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كلُّ عبد ما قدَّمَت يداه، ويقع التمييز بين المحقِّين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيِّهم أنهم كانوا كاذبين"[18].
نسأل الله أن ينوِّر بصائرنا، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتِّباعَه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وألاَّ يجعل مصيبتنا في ديننا، ولا يجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، وأن يستعملنا في خدمة الدِّين، وأن ينصر عباده المستضعفين من الموحِّدين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمَّد خير الأنام، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسان.
===========================
[1]"الفقيه والمتفقِّه"، للخطيب البغدادي (2/ 254).
[2] أخرجه البخاري (2262)، ومسلم (4677).
[3] مسلم (4650).
[4] "فتْح الباري"، (7/ 346).
[5] أخرجه البخاري (2794).
[6] "فيض القدير"، (4/ 443).
[7] "أحكام القرآن"، (4/ 229).
[8] "المغني"، (10/ 519).
[9] "مجموع الفتاوى"، (32/ 177).
[10] "الإِحكام في أصول الأَحكام"، (5/ 26) باختصار.
[11] "أحكام القرآن"، ( 4/ 231).
[12] "المحلَّى" (5/ 362).
[13]"أسْنَى المطالب"، (21/ 256).
[14] "الحاوي"، ( 14/ 812).
[15] "أسنَى المطالب"، (21/ 256).
[16] "المغني"، (10/ 517).
[17] "المحلَّى"، (5/ 362).
[18] "إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين"، لابن القيِّم (1/ 7).