عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-12-2020, 06:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,437
الدولة : Egypt
افتراضي رد: إعداد المستطاع من القوة

إعداد المستطاع من القوة


د. أمين الدميري



هذا، وفي الآية الكريمة أكثر من عموم:



الأول: الأمر بالإعداد، فهو موجَّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ويدخل فيه أيضًا المؤمنون في كل مكان وزمان؛ لأن الكل مكلَّف بإحقاق الحق وإبطال الباطل، والدفاع عن الدين والوطن.



الثاني: ضمير الغائب ﴿ لَهُمْ ﴾ [الأنفال: 60] يشمل مشركي مكة الذين قاتلوا المسلمين، كما يشمل المنافقين الذين خرَجوا مع المشركين، ويشمل أيضًا اليهود الذين نقضوا العهود وقاتَلوا مع المشركين، أو ساعَدوهم بأي شكل من الأشكال، ويشمل كذلك أمثال هؤلاء إلى آخر الزمان.



الثالث: إعداد المستطاع في قوله: ﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [الأنفال: 60]، فهو يشمل الممكن والمستطاع، حسب ظروف الزمان والمكان، ولا شك أنه يتضمَّن أنواع القوة المعروفة والمملوكة للأعداء، فلا يعقل أن يواجِهَ المسلمون صواريخ الأعداء وقاذفات القنابل وأسلحتهم الذكية أو الثقيلة - بأسلحة قديمة، أو بالمنجنيق، أو بقاذفات اللهب البدائية؛ ذلك لأن المسلمين الأوائل الذين واجهوا الفرس والرومان، لا شك أنهم أعدوا أسلحة وعتادًا قد تناسب أو تقارب أسلحة أعدائهم وعتادهم، فعلى المسلمين أن يتركوا التَّبَعية للمشركين، وأن يعتمدوا على أنفسهم ومصادرهم وثرواتهم، فليس الصيني أو الياباني البوذي بأذكى من المسلم لأن هؤلاء يأكلون السمك والمسلمون لا يأكلونه، لكن المشكلة في إتاحة الفرصة للمسلم، وإزالة العقبات من أمامه، ومنع التعقيدات، وإطلاق حرية الابتكار، وتشجيع الباحثين والمخلصين، واليقين بأن هذا العمل هو مِن أجلِّ العبادات، وأفضل الطاعات؛ فإن أفضل الأعمال وأعظمها رفعُ شأن الإسلام وإعزاز المسلمين.



أما العموم الرابع، ففي قوله تعالى: ﴿ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، فإن تنكير لفظ ﴿ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60] يُفيد العموم والشمول، فيكون المعنى - والله تعالى أعلم -: خُذوا من كل نوع من أنواع القوة ما استطعتم، ولا تتركوا جانبًا من جوانب القوة إلا وقد أخذتم منه المستطاع، ويقول الألوسي: (وإنما ذكر هذا؛ لأنه لم يكن له في بدرٍ استعداد تام، فنُبِّهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان)[4]، فلا بد إذًا من تكافؤ أو تقارب في ميزان القوى، وهذا ما يجب على المسلمين تحقيقُه والسعي إليه، مع توافر العقيدة القتالية؛ لأن المسلم يُقاتِل في سبيل الله لا في سبيل الطاغوت، فلديه القوة الذاتية الكامنة، وهذه القوة - كما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي -: (هذه القوة قد تكون ذاتية في النفس؛ بحيث لا تخاف شيئًا، فجسم كل مقاتل قوي، ممتلئ بالصحة، وله عقل يعمل باقتدار وإقبال على القتال في شجاعة، بالإضافة إلى قوة السلاح، بأن يكون سلاحًا حديثًا متطورًا بعيد المدى، وأن يحرِص المؤمنون على امتلاك كل شيء موصول بالقوة، وكان الهدف قديمًا وحديثًا أن يمتلك المقاتلُ قوَّةً تُمكِّنه من عدوه، ولا تمكن عدوَّه منه، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مدى رمي السهام هو رمز القوة، فأول ما تبدأ الحرب يضربون العدو بالنبال، فإذا زحف العدو وتقدَّم يستخدمون له الرماح، فإذا تم الالتحام كان ذلك بالسيوف، وكانت أحسن قوة في الحرب هي السهام التي ترمي بها خصمك فتناله وهو بعيد عنك، ولا يستطيع أن ينالك أو يقترب منك؛ ولذلك عندما فسَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة فيما يرويه الإمام مسلم، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، ثم قال: ((ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))[5]؛ لأنك بالرمي تتمكَّن من عدوك ولا يتمكن هو منك، فإذا تفوَّقت في الرمي كنت أنت المنتصر عليه.



وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60]، ورباط الخيل هو القوة التي تحتلُّ الأرض، فمهما بلغت قدرتُك في الرمي فأنت لا تستطيع أن تستولي على أرض عدوك، ولكن راكبي الخيل كانوا يدخلون المعركة في الماضي بعد الرمي، ليحتلوا الأرض، وهذه عمليةٌ تقوم بها المدرعات الآن، فالمعركة تبدأ أولًا رميًا بالصواريخ والطائرات حتى إذا حطَّمت قوة عدوك، انطلقَت المدرعات لتحتل الأرض، فالقرآن أعطانَا ترتيبًا للحرب)[6].



غير أن هناك نوعًا آخر من الإعداد، لا بد من تحقُّقه قبل لقاء العدو؛ كي ينال المسلمون ثمرة الإعداد وبركاته، وهي إما إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وإما تحقُّق النصر عند اللقاء، ألا وهو التوبة من الذنوب، والإقلاع عن المعاصي، ورد المظالم، والتقرب إلى الله تعالى بأعمال صالحة، وإحياء السنن الميِّتة، وإماتة البدع والمنكرات؛ فقد أوصى عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في مَسير سعد إلى غزو الفرس، فقال:

(أما بعد؛ فإني آمُرُك ومَن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضلُ العدَّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرُك ومَن معك أن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوبَ الجيش أخوَفُ عليهم من عدوهم، وإنما يُنصَر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددِهم، ولا عُدَّتنا كعُدَّتهم، فإن استوَيْنا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنصَرْ عليهم بفضلنا لم نَغلبهم بقوتنا، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدوَّنا شر منَّا فلن يسلَّط علينا، فرُبَّ قومٍ سُلِّط عليهم شر منهم، كما سُلِّط على بني إسرائيل - لما عمِلوا بمساخط الله - كفارُ المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولًا، اسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، أسألُ الله ذلك لنا ولكم)[7].



ما أعظمَها من وصية! فقد عمِل بها الصحابة رضي الله عنهم، ففتح الله عليهم البلاد وقلوب العباد، ونصرهم الله تعالى على أعدائهم، لا بعددهم وعتادهم، ولكن بتقواهم لله عز وجل واجتنابهم المعاصي، وجاء في المستطرف:

(وأفضل العُدَّة أن تقدِّم بين يدي اللقاء عملًا صالحًا؛ من صدقة، وصيام، وردِّ المظالم، وصلة الأرحام، ودعاء مخلص، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وأمثال ذلك، والشأن كل الشأن في استجادة القواد، وانتخاب الأمراء، وأصحاب الأَلْوية، فقد قالت حكماء العجم: أسدٌ يقودُ ألف ثعلب خيرٌ مِن ثعلب يقود ألف أسد، فلا ينبغي أن يَقْدُمَ الجيشَ إلا الرجلُ ذو البسالة والنجدة، والشجاعة والجرأة، ثابت الجأش، صارم القلب، صادق البأس، ممَّن قد توسَّط الحروب، ومارَس الرجال ومارسوه، ونازل الأقران، وقارع الأبطال، وكان عظماء الترك يقولون: ينبغي للعاقل العظيم للقياد أن يكون فيه عدَّة أخلاق من البهائم؛ شجاعة الديك، وبحث الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراح، وغارة الذئب)[8].



ومِن هنا يتبين أن الصحابة رضي الله عنهم - ومَن بعدهم ممن فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، وأسقطوا دولتَي الفرس والرومان - قد تحلَّوا بأكمل صفات الإيمان والشجاعة، حتى شهِد لهم الأعداء بالجدارة في كل شيء، فمما جاء في ذلك:

(أن هرقل - وهو على أنطاكية - لما قدِمَتِ الرومُ مُنهزمةً، قال: ويلكم، أخبِروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟! قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ فقالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ مِن عظمائهم: من أجلِ أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويُوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، ويَنْهَون عن المنكر، ويتناصفون بينهم (ينصف بعضهم بعضًا)، ومِن أجل أنَّا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد ونظلم، ونأمر بالسخط، ونفسد في الأرض، فقال: أنتَ صدقتَني)[9].



كانوا رهبانًا بالليل وفرسانًا بالنهار، يتناصفون ويعدلون، ويوفون ويَصْدُقون، من أجلِ ذلك قاتَلوا مُقبِلين غير مدبِرين، يحرصون على الموت بقدر ما يحرص عدوهم على الحياة، ينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة؛ من أجلِ ذلك هابهم أعداؤهم وأكبَروهم، جاء في المستطرف أنه:

(دارَتْ حربٌ بين المسلمين والكفار، ثم افترقوا، فوجدوا في المعترك قطعة خوذة قدر الثُّلُث بما حوته من الرأس، فقالوا: إنه لم يُرَ قط ضربة أقوى منها، ولم يُسمع بمثله في جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، فكانوا إذا عيِّروا بانهزامهم، يقولون: لقينا أقوامًا هذا ضربهم، فيرحل أبطال الروم إليها ليروها)[10].

يا ترى هل يعود المسلمون إلى ما كان عليه أسلافهم؟ وهل يستجيبون لنداء الحياة والعزة والكرامة؟ وهل يعود المجد التليد؟! نعم، بالإعداد.



إن إعداد العدة هو الضمان الوحيد لمنع فتنةِ المسلمين في دينهم، ودفع أذى المشركين عنهم، كما أنه واجبٌ حتميٌّ لحماية الدولة مِن هجمات المعتدِين، وهو أيضًا ضرورةٌ لحماية الدعوة والدعاة والمدعوِّين، فحماية الدعوة يعني إزالةَ المُعوِّقات من طريقها؛ كي تنطلق وتصل إلى مسامع الناس واضحةً جليَّة، وحماية الدعاة يعني منع الأذى والاضطهاد عنهم، حتى يتمكَّنوا من عرض الإسلام كله، لا أن يتكلموا في المسموح به - والذي لا يحدث صدامًا أو اعتراضًا من أعداء الدعوة - ويتركوا ما يُغضِب هؤلاء أو ما من شأنه جلب المتاعب والمضايقات، وأسوة الدعاة في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بدأ بالصعب وبالأهم، لقد بدأ بما أغاظ الكفار وأثار عداوتهم، لما قال لهم: ((قولوا: لا إله إلا الله))، قالوا له: تبًّا لك سائر اليوم، واستمرَّ في دعوته ولم يَقبَل المساومات ولا الحلول الوسط؛ كما هو مبسوط في القرآن الكريم، وكما في قوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 1 - 6].





[1] مفاتيح الغيب؛ الرازي، المجلد الخامس، دار الفكر، ج15، ص 192.



[2] مقدمة ابن خلدون، ص 160.



[3] سورة الأنفال، عرض وتفسير، ص213.



[4] روح المعاني، ج6، ص 33.



[5] صحيح مسلم، المجلد الرابع، باب فضل الرمي والحث عليه، ص 581.



[6] تفسير الشعراوي، ص 4776.



[7] فقه السنة، ج11، ص 102 والوصايا الخالدة؛ د. عبدالبديع صقر، ص 43، مكتبة وهبة، وسورة الأنفال تفسير موضوعي؛ د. علي جريشة، ص 39.




[8] المستطرف في كل فن مستظرف، ص 228.



[9] البداية والنهاية؛ لابن كثير، ط، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط/ 1، 1418 هـ - 1997م، (9/ 569).



[10] المستطرف في كل فن مستظرف، ص 227.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.65 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.30%)]