عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-12-2020, 01:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الزواج المستحدث في ضوء المقاصد الشرعية

والخلاصة أن نكاح المتعة قد دلَّت على تحريمه نصوص السنة، واتفق على ذلك أهل العلم ولم يبق مخالف في حرمته سوى الروافض، أما النصوص الدالة على حرمته فهي كثير؛ منها:
1- حديث علي -رضي الله عنه-: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية)) [متفق عليه].
2- عن سبرة الجهني -رضي الله عنه- أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء.. إلى أن قال: فلم أخرج حتى حرَّمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وفي رواية: أنه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلِّ سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا)) [رواه مسلم].
3- إجماع العلماء على تحريمه وقد نقل ذلك غير واحد منهم.
قال ابن المنذر -رحمه الله-: جاء عن الأوائل الترخيص فيها، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله[[51]].
وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض[[52]].
وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى عليِّ، فقد صح عن عليِّ -رضي الله عنه- أنها نسخت ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه[[53]].
وقال الجصاص الحنفي: وقد دللنا على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ظاهر الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما بيَّنا، وقد اتفق فقهاء الأمصار مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون[[54]].
وقال المازري: انعقد الإجماع على تحريمه ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة فلا دلالة لهم فيها[[55]].
وقد كانت المتعة مرخّصا فيها أول الإسلام ثم نُهي عنها، روى الترمذي -رحمه الله- عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم([[56]].
قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام. وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: رخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها بالحجارة.
وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه كان يرخِّص في المتعة؛ لكنه رجع عن ذلك ونفاه وبيَّن مراده بقوله: والله ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر. روى ذلك عنه البيهقي وأبو عوانة ووكيع.
قال الحافظ - رحمه الله - في الفتح بعد أن ساق عن ابن عباس روايات الرجوع: فهذه أخبار يقوي بعضها بعضاً.
قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- بعد أن ساق الروايات التي تفيد إباحته عن بعض الصحابة: وعلى كل حال فنحن متعبَّدون بما بلغنا عن الشارع وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به. كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا حتى قال ابن عمر فيما أخرجه عنه ابن ماجه بإسناد صحيح ((إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرَّمها، والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته)).
وبهذا يُعلم أن نكاح المتعة حرام لدلالة النص والإجماع، وابن عباس لا يُستغرب رجوعه عن فتواه فقد أُثر عنه ذلك في رجوعه عن القول بأنه لا ربا إلا في النسيئة، فلا يحل لمسلم أن يستند إلى ابن عباس في قول قد ثبت رجوعه عنه والعلم عند الله –تعالى-[[57]].
ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-: والحديث[[58]] نص صريح في تحريم نكاح المتعة تحريماً أبدياً فلا يغتر أحد بإفتاء بعض أكابر العلماء بإباحتها للضرورة فضلاً عن إباحتها مطلقاً مثل الزواج كما هو مذهب الشيعة[[59]].
وأما دليل تحريم نكاح المتعة من العقل فهو أن النكاح إنما شُرع - في دين الإسلام - تحصيلاً للسكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وإقامة لبيت على تقوى من الله ورضوان، على وجه يليق بكرامة الإنسان؛ لا ليتسافد الرجل والمرأة تسافد الحيوان، وفي نكاح المتعة تتداول المرأة كالسلعة من يد إلى يد!! فإذا لم يكن هذا النوع من النكاح زنا فأين الزنا إذن؟ أليس الزنا يقع بتراض بين الطرفين على قضاء الوطر؟ وهل المفاسد المترتبة على نكاح المتعة أقل من تلك التي تنتج عن الزنا؟ فكيف يعرف الناس أبناءهم إذا كان استبراء المتمتَّع بها يقع بحيضة أو حيضتين أو خمسة وأربعين يوماً؟ أليس ذلك مدعاة لاختلاط الأنساب وضياع الأعراض[[60]].
هذا وبمراجعة كتب الشيعة يعلم المنصف أن تناقضاً بيِّناً قد وقع عند من يقولون بإباحة هذا النوع من النكاح؛ حيث إنهم يفرقون بين المتعة وبين النكاح الشرعي بعدة فروق عجيبة، من ذلك: أنهم يعدونها امرأة مستأجرة، ولا ترث من زوجها، ويجوز للرجل أن يجمع تحته أكثر من أربع يتمتع بهن! وتبين بغير طلاق بل بمجرد انتهاء المدة، ولا تحلل المتعة المطلقة لزوجها الأول، ويجوز لرجل المتعة أن ينكح مشركة ولو مجوسية، وعدتها بعد الطلاق شهر ونصف! والمتمتَّع بها لها أجر الأيام التي تحضرها! وهي لا تُحْصِنُ من تمتع بها، ويجوز أن تنكح -متعة- امرأة متزوجة! ولا لعان في المتعة ولا ظهار ولا إيلاء ولا نفقة ولا خلع ولا سكنى! ويجوز في المتعة اشتراط عدم الفض! ويجوز العزل في المتعة دون إذن امرأة المتعة![[61]].
4- العقد على الحامل من الزنا
صورة هذه المسألة أن بعض الناس قد تضعف نفسه، وتغلب عليه شهوته - مع وجود الأسباب المعينة على الزنا من اختلاط وتبرج وغياب لتقوى الله وغياب للرقابة العائلية - فيقع في الزنا؛ ويحصل حمل بعد ذلك؛ فيريد الستر على نفسه وعلى من زنا بها، وفي الوقت نفسه لئلا يقارفا جريمة الإجهاض، فيحاول العقد على تلك الحامل التي زنا بها؛ فهل يحل له ذلك؟ وهل العقد صحيح؟ وهل الجنين الذي كان نتاج زنا ينسب إليه؟
اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في نكاح الحامل من الزنا، فقال المالكية[[62]] والحنابلة[[63]] وأبو يوسف من الحنفية[64]: لا يجوز نكاحها قبل وضع الحمل، سواء من الزاني نفسه، أو من غيره، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا توطأ حامل حتى تضع))[[65]].
ولما روي عن سعيد بن المسيَّب: أن رجلاً تزوج امرأة، فلما أصابها وجدها حبلى، فرفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففرَّق بينهما[[66]].
وذهب الشافعية والحنفية إلى أنه يجوز نكاح الحامل من الزنا لأنه لا حرمة لماء السفاح بدليل أنه لا يثبت به النسب، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) [أخرجه البخاري ومسلم].
أقول: إن في تشجيع من قارف الزنا على التزوج بمن زنا بها خلاصاً من مشكلات كثيرة تنجم عن منعه من الزواج، حيث إن في تزويجهما عوناً لهما على التوبة، واستقبالاً لحياة جديدة يصلحان فيها ما أفسدا، وممن أفتى بذلك من الصحابة أبو بكر الصديق وعبد الله بن مسعود؛ ففي مصنف عبد الرزاق عن عبد الله بن عتبة قال: سئل أبو بكر الصديق عن رجل زنا بامرأة ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: ما من توبة أفضل من أن يتزوجها خروجاً من سفاح إلى نكاح[[67]].
وفي سنن البيهقي عن علقمة بن قيس أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال: رجل زنا بامرأة ثم تاب وأصلح، أله أن يتزوجها؟ فتلا هذه الآية: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)[[68]].
قال: فرددها عليه مراراً حتى ظن أنه قد رخَّص فيها[[69]].
ونسبة لانتشار الفساد في زماننا أقول: إن القول بمنع تزوُّج الزاني من الحامل التي زنا بها تترتب عليه جملة من المفاسد، منها:
تعريض الحامل من الزنا إلى خطر القتل من قبل أهلها؛ خلاصاً من العار وستراً للعرض، ومعلوم أنها غير مستحقة للقتل إن كانت بكراً.
هذه الحامل من الزنا والتي ثُلم عرضها وضاع شرفها قد لا تتوقف عن السير في هذا الطريق المظلم، وتزول هيبة الجريمة من نفسها؛ فتمارسها دون توقف؛ مما يضاعف الشر.
تعريض الجنين الذي في بطنها للقتل - أي الإجهاض - ولربما تعمد أمه إلى طرحه بعد ولادته على قارعة الطريق معرِّضة إياه للبرد القارس أو الحر اللافح والكلاب العقورة، أو تسليمه - في أحسن الأحوال - لدار رعاية اللقطاء؛ قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا أرى بأساً إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه أن يتزوجها ويستر عليها، والولد ولد له[[70]].
تعريض الأمن العام للخطر الماحق بما يترتب من غضب الأهل على ضياع العرض؛ حيث يلجأ بعضهم إلى محاولة استنطاق الفتاة لمعرفة من فعل ذلك بها، ومن ثم الانتقام منه بقتله أو إيذائه
لو قيل بالمنع فإننا نقطع الطريق على ستر العرض وحفظ الأمن الاجتماعي؛ حيث ستلوك ألسنة السوء عرض الفتاة وأهلها، ومعلوم أن الستر على الأعراض مقصد شرعي وأمر نبوي؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي أشار على ماعز بأن يقر على نفسه بالزنا: ((لو سترته بثوبك لكان خيراً لك))[[71]] وقال: ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة))[[72]]. وقال: ((من ستر مسلماً فكأنما استحيا موؤدة من قبرها))[[73]].
هذا الوضع الذي يجد اللقيط فيه نفسه تنشأ عنه علل نفسية واجتماعية خطيرة؛ حيث يكون هذا المسكين - في الغالب - حاقداً على المجتمع ومن حوله، ولربما يتعرض لقالة السوء عند أول بادرة خلاف له مع أقرانه، وأشنع هذه الآثار أنه ربما يكون عرضة للردة عن دينه - كما حصل في بعض الأحوال - عياذاً بالله تعالى-
وقد أفتى بذلك علماء الأزهر الشريف ففي فتاوى الأزهر سؤال من السيد وكيل نيابة بور سعيد في كتابه رقم 640 المؤرخ 10/2/1955 والمرفق به المذكرة الخاصة بالجنحة رقم 97 سنة 1955 ثالث - المطلوب بها بيان الحكم الشرعي فيما يأتي:
أولاً: هل يجوز للحامل من زواج صحيح التزوج من آخر قبل الوضع؟
ثانياً: هل يجوز للحامل من سفاح التزوج من آخر قبل الوضع - وهل يمكن العقد عليها في هذه الحالة؟ وهل يكون الزواج صحيحاً أو غير صحيح وفى كلتا الحالتين هل يجب ذكر ذلك في عقد الزواج؟
ثالثاً: هل للمأذون أن يجري في حالة الحمل السفاح العقد من تلقاء نفسه أم يلزم له استصدار أمر من قاضي المحكمة الشرعية؟
الجواب عن الأول: أن المنصوص عليه فقهاً أنه لا يجوز للشخص أن يتزوج زوجة غيره ولا معتدته ولا الحامل من غيره أي من نكاح صحيح لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره))[[74]]. وفى رواية أخرى: ((ملعون من سقى ماؤه زرع غيره)).
وهو حديث حسن؛ ولأن في ذلك إهداراً لحقِّ الغير وإفضاءً إلى اشتباه الأنساب؛ ولهذا لم يشرع الجمع بين زوجين في امرأة واحدة في دين من الأديان.
عن الثاني: أما العقد على من حملت سفاحاً قبل الوضع، فإن كان ممن حملت منه جاز العقد وحلَّ له وطؤها ودواعيه باتفاق أئمة مذهب أبى حنيفة، وإن كان غيره جاز العقد على المفتى به في هذا المذهب وحرم على الزوج وطؤها ودواعيه حتى تضع حملها للحديث المذكور.
عن الثالث: أما المأذون فإنه متى ثبت لديه من تحرياته الخاصة أن الحمل ليس من زواج شرعي، فإنه يجوز له إجراء العقد من تلقاء نفسه دون استصدار أمر من القاضي الشرعي ولا تبعة عليه في ذلك لأنه لم يخالف القواعد الشرعية - كما ذكر - ونرى أن من الأرفق أن يشير في إشهاد الزواج أنها بكر حكماً؛ وبهذا علم الجواب عن هذه الأسئلة، والله -سبحانه وتعالى- أعلم[[75]].
مسألة إثبات نسب ابن الزنا:
ونسبة ولد الزنا إلى من زنا بأمه لا يجوز عند الجمهور، في جميع الأحوال، سواء ولد قبل زواج الزاني بأمه، أو كان حملاً حين حصل هذا الزواج. وقولهم مؤسس على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))[[76]] فلا يثبت النسب إلا بقيام الزوجية الصحيحة شرعاً؛ ثم إن الاحتياط في إثبات النسب يتأتى من جهة أن إثبات أبوة الزاني لهذا الولد يترتب عليه أحكام عظيمة ككونه يرث من ذلك الأب، وكون الولد محرماً لأم الزاني وأخته وبناته من غير المزني بها[[77]].
ويرى بعضهم أن نسب ولد الزنا يثبت إذا وضعته أمه بعد تمام ستة أشهر من عقد النكاح، وأما إذا كان قبل ذلك فإنه لا يثبت؛ وذلك لأن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر باتفاق أهل العلم.
وخالف في ذلك عروة وإسحاق بن راهويه وسليمان بن يسار وأبو حنيفة فأجازوا إلحاق الولد بالزاني في حال زواجه بالزانية؛ حفظاً لنسبه من الضياع ولئلا يعيَّر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: وإن استلحق ولده من الزنا - ولا فراش[[78]] - لحقه، وهو مذهب الحسن وابن سيرين والنخعي وإسحاق[[79]].
ويقول - رحمه الله -: إن لم تكن المرأة أي المزني بها- فراشاً قولان للعلماء، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))[[80]] فجعل الولد للفراش دون العاهر، فإن لم تكن المرأة فراشاً لم يتناوله الحديث، وقد ألحق عمر أولاداً ولدوا في الجاهلية بآبائهم، وليس هذا موضع بسط المسألة[[81]].
ومن المعاصرين الذين رجحوا هذا القول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي - حفظه الله - حيث قال: جاء عن عَدَد من فقهاء السلف عروة بن الزبير، والحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، أنهم أجازوا استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراش، أي لم تكن المرأة متزوجة - بأن لم تتزوج قَطُّ، أو كانت مُطلَّقة، أو أرملة - وادَّعى مُدَّعٍ أن هذا ولده، جاز أن يُستلْحَق ولد الزنا، ورَجَّح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
قال ابن القيم بعد أن ذكر حديث ((الولد للفراش وللعاهر الحَجَر)) قال: فإن قيل: فقد دل الحديث على حُكم استلحاق الولد للفراش؛ فما تقولون لو استلحق الزاني ولدًا لا فراش هناك يُعارِضه، هل يُلْحِقَه نَسبَه، ويُثبِت له أحكامَ النسبِ؟ قيل: هذه مسألة جليلة، اختلف أهل العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أن المولود من الزنا إذا لم يكن مولودًا على فراش يَدَّعيه صاحبه، وادَّعاه الزاني أُلحِقَ به، وأوَّلَ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الولد للفراش)) على أنه حُكِم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش، وهذا مذهب الحسن البصري رواه عنه إسحاق بإسناده في رجل زنى بامرأة فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها، فقال: يُجلَد ويَلزمه الولد، وهذا مذهب عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار؛ ذُكر عنهما أنهما قالا: أيَّما رجل أتى إلى غلام يَزعُم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يَدَّعِ ذلك الغلام أحد، فهو ابنه، واحتج سليمان بأن عمر بن الخطاب -صلى الله عليه وسلم- كان يُليط[[82]] أولاد الجاهلية بمن ادَّعاهم في الإسلام، وهذا المذهب كما تراه قوة ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثر من: ((الولد للفراش)) وصاحب هذا المذهب أول قائل به، والقياس الصحيح يقتضيه؛ فإن الأب أحد الزانيين، وهو إذا كان يُلحَق بأمه، ويُنسَب إليها وتَرِثه ويَرِثها، ويَثبُت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زَنَتْ به، وقد وُجِد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتَّفَقا على أنه ابنها، فما المانع من لُحوقه بالأب إذا لم يَدَّعِه غيره؟ فهذا مَحْضُ القياس، وقد قال جريج للغلام الذي زَنَتْ أمه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال فلان الراعي، وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذب"[[83]].
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((وكان جريج رجلاً عابدًا فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتتْه أمه وهو يُصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفتْ، فلما كان من الغَدِ أتتْه وهو يُصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمِتْه حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأةٌ بَغِيّ يُتَمثَّل بحُسنها، فقالت: إن شئتم لأفْتِنَنَّه لكم، قال: فتعرضتْ له فلم يلتفتْ إليها، فأتتْ راعيًا كان يَأويْ إلى صومعتِه فأمكنتْه من نفسها، فوقَعَ عليها، فحملتْ، فلما ولدتْ قالت: هو مِن جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدمُوا صومعتَه وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟! قالوا: زنيتَ بهذه البغي فولدتْ منك! فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به. فقال: دعوني حتى أصلي، فصلَّى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه - وفي رواية: أنه مَسَحَه على رأسه - وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يُقبِّلونه ويَتَمسَّحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذَهَب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا)).
فابن القيم يستدل بهذا على أنه قال: مَنْ أبوك؟ قال فلان الراعي، وطبعًا الذي أنطقه هو الله، لأنه نطق خارق للعادة، كرامة من الله لهذا الرجل الصالح، فلا يمكن الكذب فيه، فنَسَبَه إلى هذا الأب، والأصل أنَّ شَرْع من قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يُخالِف شرعَنا - على رأي جمهور الأصوليين (ذهب إلى هذا أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأكثر الشافعية، وهو الذي صار إليه الفقهاء، كما نقل ذلك الشوكاني في "إرشاد الفحول: 2/ 257 - 258 بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل).
فهنا استدل ابن القيم - ومِن قَبلِه ابن تيمية (انظر: الاختيارات العلمية لابن تيمية: ص 165، ضمن المجلد الخامس من الفتاوى الكبري، ط. فرج الله الكردي) - بهذا الحديث على أنه إذا استلحق ولدَه من الزنى ولا فراش، لَحِقَه، وهذا مذكور في كتب الحنابلة المتأخرين مثل (الفروع) (انظر كتاب "الفروع" لأبي عبد الله شمس الدين بن مفلح: ج5 ص 526، ط2، 1383ه- - 1963م.
وكذلك كتاب "المبدع في شرح المقنع" لأبي إسحاق برهان الدين بن مفلح: ج8 ص106، ط المكتب الإسلامي) وغيره، والله أعلم[[84]].
5- زواج المسلمة من الكتابي
وهذه مسألة لم يقع فيها خلاف بين أهل العلم لا في القديم ولا في الحديث، بل الإجماع منعقد عليها؛ لكنني مضطر إلى ذكرها؛ لأن بعض الناس قد فاه بالكذب في هذا الزمان؛ فقال - افتراء على الله - (إن من حق المرأة أن تتزوج كتابياً مسيحياً كان أو يهودياً)[[85]].
وهو بذلك قد أحدث قولاً لم يُسبق إليه، وخالف بذلك إجماع المسلمين، وحري أن يذكر بقول ربنا: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)[[86]].
وقد نطقت أدلة القرآن بتحريم هذا الزواج وبطلانه لو وقع، ومن ذلك قوله - تعالى -(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)[[87]].
وقوله -سبحانه-: (ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم)[[88]]. وأما الإجماع على فساد هذا النكاح فقد نقله غير واحد من أهل العلم، في شرح مختصر خليل للخرشي قال: والحاصل أن الإجماع منعقد على حرمة نكاح الكافر المسلمة ويُفسخ[[89]]ا. هـ.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.88%)]