عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-11-2020, 04:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,329
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دفق الخواطر حول (كلمة الحق)

(كلمة الحق) تقال في أي مكان، فهي كلمة نورانيَّة، وحجَّة ربانيَّة، ومنحة إلهيَّة، ولقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت - - قال: بايعنا رسول الله - - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم، أو: نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. وهكذا هي دعوة الإسلام القائمة على الحق والصدق والقوَّة، ومن يريد أن يكون مسلمًا حقًّا، فعليه أن يستعدَّ لهذا الحق؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 1 - 6].12) من شرف (كلمة الحق) أنَّ رسول الله - - جَعَلَها (من أعظم الجهاد) حيث قال - -:«إنَّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»؛ أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.وفي سنن النسائي عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي: أن رجلاً سأل النبي - - وقد وضع رِجْله في الغرز -: أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر».قال الخطابي: وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأنَّ مَنْ جاهَد العدو كان متَرَدِّدًا بين الرجاء والخوف، لا يدري هل يغلب أو يغلب، وصاحب السلطان مقْهُورٌ في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف؛ فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجْل غلبة الخوْفِ.13) (كلمة الحق) كما أنَّها تُقال أمام السلطان، فلابدَّ من قولها أمام الجماهير والإخوان والأصحاب والحشود، ولربما يكون قولها أمامهم أصعب من أن تقال أمام السلطان!فكم من جَريءٍ في كلمة الحق أمام السلطان ضعيف جبان في قول كلمة الحق أمام الجماهير؛ خصوصًا إن كانوا من أتباعه ويعلم أنَّ (كلمة الحق) قد تخالف أكثرهم أو كثير منهم!14) (كلمة الحق) لا يُستحيى منها ولا ينبغي الخجل من قولها، فإنَّها كلمة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ لأنَّها كلمة طيبة ولا بد أن تكون كذلك.عن أبي سعيد الخدري - - قال رسول الله - -: «ألا لا يمنعن أحدًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه»؛ أخرجه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح).وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ»أخرجه أحمد بسند جيد.15) السكوت عن قول (كلمة الحق) أحيانًا هو من الحق، وتذكر تلك القصَّة الواردة في صحيحالإمام مسلم حينما طلب رسول الله - - من حذيفة بن اليمان - - أن يذهب إلى مكان المشركين ليأتيه بخبر القوم، وألاَّ يتحدَّث شيئًا أمامهم، ولا يفعل شيئًا يُذعرهم على المسلمين، فلو أنَّه تكلَّم أو دافع أو نافح عن رسول الله - - لكان في ذلك إفسادٌ للمقصد الذي بعث لأجله رسول الله - - الصحابي الجليل حذيفة - .وما يتناقله كثيرٌ من الناس وينسبونه لرسول الله - - أنَّه قال: «الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلِّم بالباطل شيطان ناطق»، لا يصح مطلقًا عن رسول الله فهو حديث باطل!لكن ورد في "الرسالة القشيرية "لأبي القاسم القشيري - رحمه الله - أنَّه سمع الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: (من سكت عن الحق، فهو شيطان أخرس)، وهذه الكلمة صحيحة في الأصل، لكنَّها ليست على جميع أحوالها صحيحة، فقد يسكت المرء عن شيء ما يستحق السكوت، ولا يستحق الكلام كما بيَّنا في قصَّة حذيفة.ولربما يتكلَّم الشخص بكلمة حق، يكون مآلها زيادة إنكار المنكر، فسكوته في هذه الحالة أولى وأوجب.ويتحدث الإمام ابن تيمية عن هذا السر قائلًا: "كنت آمر أصحابنا ألا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوُهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره".كما أنَّ من لا يستطيع إنكار المنكر إلاَّ بقلبه، فإنَّه لا يجب عليه أن ينكره بلسانه، فلقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - -: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».فمَن كان قادرًا على إنكار المنكر بلسانه ولكنَّه سكت فهو الشيطان الأخرس، ومن لم يكن قادرًا على إنكار ذلك المنكر بلسانه، فليس بشيطان أخرس.16) (كلمة الحق) تكون في الغضب والرضا، ولربَّما يقول الشخص كلمة الحق في الرضا، لكنَّه لا يقولها في الغضب؛ لأنَّه إن اعتراه غضب فقد يمنعه من قول (كلمة الحق) أو قبولها.فحريٌّ بنا أن نسأله تعالى أن يرزقنا قول الحق في الغضب والرضا، فلقد كان الصحابي الجليلعمار بن ياسر - - يقول مُخبرًا عن رسول الله - -: «أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا - يعني في الركعتين - بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - - يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ»؛ أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.17) كم تأسَّى المسلمون من أناس قالوا (كلمة الحق)، ولم يكونوا على قدر من القوَّة والتجلد والصبر عليها، فهانوا وخاروا وتراجعوا، فظنَّ بعض الناس أنَّ الخطأ في (كلمة الحق)، وما علموا أنَّ المشكلة فيمن قالوها؛ لضعفهم عن تحمُّل ضريبة قول (كلمة الحق).18) من يعلم عن نفسه جبنًا وخورًا وضعفًا ويريد أن يستعرض بطولاته وعضلاته فيقول (كلمة الحق)، ثمَّ ينتكس بعدها ويرتكس إن ابتلي، فخير له أن يصمت، فقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وثبت عنه - - في الحديث الصحيح أنَّه قال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.95%)]