الموضوع: أدب الجوار
عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 27-11-2020, 09:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أدب الجوار

الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه،
أما بعد:
أيها المسلمون، إن من شقاء المرء أن يجاور جارَ سوء، والإنسان الصالح لا يضيق بشيء ذرعاً ضيقه بجار السوء الذي يسمع منه الخنا، ويلقى منه العناء، إن كلمه بالحسنى عاداه، وإن سكت على شره آذاه، عِيل صبُره، وضاق صدره، فاضطر إلى بيع داره، أو تحوّلَ عنه إلى سواه، خاصة في هذا الزمن الذي قلّت فيه المساكن وضاقت البيوت بمن فيها، فحين يرحل جار آذاه جاره، ويسأل عن سبب رحيله يقول:
يلومنني أن بعتُ بالرخص منزلي
وما علموا جاراً هناك ينغّص

فقلت لهم كفوا الملامة إنها
بجيرانها تغلو البيوت وترخص



أو يقول:
إذا ما الحرُّ هانَ بأرض قوم
فليس عليه في هرب جُناح

وهُنَّا بأرضكمُ وصِرنا
كقيء الأرض تذروه الرياح



وإن أراد أن يصرّح يقول:
تنكّرَ من كُنّا نُسَر بقُربه
وعاد زعافاً بعد ما كان سَلسلا

وحُق لجار لم يوافقه جاره
ولا لاءمته الدار أن يتحولا



ولضرر الجار السيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة؛ فإن جار البادية يتحول)[18].
ومعناه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الجار السيء الملازم في الوطن المستقَر فيه، بخلاف الجار المؤذي الذي يبقى زمناً ثم يذهب كصاحب البادية ونحوه.

عباد الله، إن الجار الصالح حين يسمع برحيل جاره الصالح يحزنه ذلك أشد الحزن، ويعد رحيله من جواره مصيبة من المصائب، كأنما رحل واحد من أهل بيته.
لما عزم بعض السلف على الرحلة إلى الشرق، وكان من بلاد المغرب، قال له أحدهم:
أشمسَ الغرب حقاً ما سمعنا
أ بأنك قد سئمت من الإقامه

وأنك قد عزمت على طلوع
إلى شرقٍ سموت به علامه

لقد زلزلتَ منّا كل قلب
بحق الله لا تُقم القيامه


بهذه المشاعر الفياضة والحب الصادق يشبِّه رحيلَ جاره المغربي إلى المشرق بحصول علامة من علامات قيام الساعة وهي: طلوع الشمس من مغربها، كما أخبر سول الله صلى الله عليه وسلم، فأين نحن اليوم من هذه المشاعر؟!
وأراد جار لأبي حمزة السكري رحمه الله أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال بألفين ثمن الدار، وبألفين جوار أبي حمزة.
وباع أحد السلف داره بمائة ألف درهم؟ ثم قال: بكم تشترون جوار جاري فلان؟ فقالوا: وهل يشترى جوار قط؟!
قال ردوا علي داري، وخذوا مالكم، لا أدع جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحّب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قرّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة فرّج عني. فبلغ ذلك جاره الذي مدحه بهذا الكلام فبعث إليه بمائة ألف درهم.

معاشر المسلمين، وبعد هذا: علينا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نعاتب جيراننا، وأن نؤدي الحقوق التي علينا قبل أن نطلب حقوقنا.
فلنبدأ بأنفسنا، ولنحذر كل الحذر الإساءة إلى الجيران؛ فإن العاقبة وخيمة، والعقوبة أليمة، واللعنة تنتظر المؤذي، والذنب مضاعف، فلينتبه.
فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: (اطرح متاعك على طريق)، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقيت من الناس ما لقيت، قال: (وما لقيت منهم؟) قال: يلعنونني، قال: (قد لعنك الله قبل الناس) فقال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارفع متاعك؛ فقد كفيت) [19].

وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فقال: (لأن يزني الرجل بِعَشْرِ نسوة أيسرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره)، وسألهم عن السرقة؟ قالوا: حرام حرمها الله عز وجل ورسوله فقال: (لأن يسرق من عَشرَةِ أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره)[20].

فاتقوا الله - يا عباد الله - وأصلحوا ما بينكم اليوم قبل الوقوف بين يدي الله تعالى: ﴿ وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].
ثم صلوا وسلموا على خير البرية...


[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 20/ 2/ 1433هـ، 13/ 1/ 2012م.

[2] متفق عليه.

[3] رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

[4] رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.

[5] رواه البخاري.

[6] رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وهو صحيح.

[7] متفق عليه.

[8] متفق عليه.

[9] رواه مسلم.

[10] متفق عليه.

[11] رواه مسلم.

[12] رواه مسلم.

[13]رواه أبو داود والترمذي ، وهو صحيح.

[14] رواه البخاري.

[15] رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

[16] رواه الطبراني ، وإسناده حسن.

[17] رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حسن.

[18] رواه النسائي وابن حبان، وإسناده حسن.

[19] رواه الطبراني والبزار، وهو حسن.

[20] رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير، وهو صحيح.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.66%)]