الموضوع: أدب الجوار
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-11-2020, 09:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,546
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أدب الجوار

وهذا الصنيع الشجاع يدل على شرف الجار المُعِين، وعلو همته ونجدته، وكرم شيمه وسمو أخلاقه. وقد كان هذا الخلق النبيل فخراً وشرفاً يفتخر به العربي في الجاهلية والإسلام، كما قال الشاعر:
وإني لأحمي الجارَ من كل ذلةٍ ♦♦♦ وأفرح بالضيف المقيم وأبهَج
وقالت الأخرى تمدح أخاها بحمايته جاره:
وجارك محفوظ منيعٌ بنجوة ♦♦♦ من الضيم لا يؤذى ولا يتذلل
وقالت:
يحامي عن الحيِّ يوم الحفا ♦♦♦ ظِ والجار والضيف والنُزَّل
وقال الشاعر:

أنتِ أختي وأنت حرمةُ جاري
وحقيق عليَّ حفظُ الجوار

إن للجار إن تغيّب غيبياً
حافظاً للمَغيب والأسرار

ما أبالي أكان للجار سترٌ
مسبَل أم بقي بغير ستار



وهذا الحق الكبير- عند ذوي النفوس العلية، والخصال الزكية - لا يسقط بالجفاء والأذية، والفعال غير الرضيِّة، بل يبقى ليؤدى، ولعله سيكون سبباً لهداية ذلك الجار البعيد عن إحسان الجوار، وتغيير أسلوبه المعوج؛ فقد كان لأبي حنيفة رحمه الله جار بالكوفة يؤذيه بصوته ليلاً حينما يعود من عمله، ويرفع صوته منشداً وهو في حالة سُكر:
أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ♦♦♦ ليوم كريهةٍ وسِداد ثغر
فيسمع أبو حنيفة صوته, فاتفق ذات ليلة أن أخذه الحرس وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه في الغد فأخبروه بحبسه، فركب إلى أمير البلد، وطلب منه إطلاق الجار فأطلقه في الحال.
فلما خرج الفتى دعاه أبو حنيفة وقال له: - سراً - فهل أضعناك يا فتى؟
قال: لا، ولكن أحسنت أحسن الله جزاءك، ولن أعود إلى ما كنت أفعل.
وإن من العجيب في حماية الجار ما فعله أحد العرب الذي نزل الجراد حول خبائه فمنع أحداً أن يصيده حتى طار وبعُد عنه.

عباد الله، ومن حقوق الجار على جاره:
الإحسان إليه بكل ما يستطاع من وجوه الإحسان القولية والفعلية. فلا يكفي الجارَ أن يسلم من الأذى، وإنما يضاف إليه الإحسان وإيصال المعروف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) [11].
قال حاتم الطائي لزوجته:
إذا كان لي شيئان يا أم مالك
فإن لجاري منهما ما تخيّرا

وفي واحد إن لم يكن غير واحد
أراه له أهلاً إذا كان مُقتِرا



ومن وجوه الإحسان إلى الجار: تهنئته عند فرحه، وتعزيته عند مصيبته، وعيادته عند مرضه، وبداءته بالسلام والبشاشة في وجهه، والإحسان إلى أهله وأولاده، وتفقد أحواله، وإرشاده إلى ما ينفعه في أمر دنياه و دينه, والإهداء إليه، وإعارته، أو إعطاؤه ما يحتاج إليه ونحو ذلك.
ومن أهم ما يحسن إليه: سد خلّته، وتفقد مطعمه ومشربه؛ لأن قوام الحياة بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)[12].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) [13].
وينبغي النظر في مراتب الجيران وتقديم الأقرب فالأقرب، والأولى فالأولى في الإهداء وبذل المعروف.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابا) [14].

إخوتي الكرام، لا يحتقر أحدنا هديته لجاره مهما قلّتْ، فهي -وإن لم تكن تُسرُّ العيون، أو تشبع البطون، أو تناسب الأقدار- لكنها تقرِّب القلوب، وتذيب العداوات، وتعمّق الود، وتعمل على مد حبال التعاون والتواصل.
قال الشاعر:
إن الهدية حلوةٌ
كالسحْر تجتذب القلوبا

تُدني البعيدَ عن الهوى
حتى تصيّره قريبا

وتعيد مضطغن العدا
وةِ بعد بغضته حبيبا

يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.14%)]