عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-11-2020, 09:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,772
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حدود العقل في الإلهيات والغيبيات

حدود العقل في الإلهيات والغيبيات
ماهر عبدالحفيظ صفصوف




ومع هذا الدَّور العظيم الَّذي منحه الشَّارع للعقل، إلاَّ أنَّه قطع مرام العقْل في الخوض فيما لا يصلح له، ولا يمكن أن يكون له فيه دوْر في البحث، في الغيبيَّات الخارجة عن نطاق تصوُّر العقل لها، وعلى رأسِها قضيَّة الألوهيَّة بجوانبها الثَّلاثة: (الذَّات - الصِّفات - الأفعال).


فوقف دوْر العقْل فيها على التَّصديق بما جاء عن طريق الخبَر الصَّادق من الكتاب والسنَّة، ومنع الشارعُ العقلَ من الخوض فيها؛ لأنَّه لا طاقة له في الوصول إلى حقائق عينيَّة في هذا الجانب؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]، وقال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، وقال: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]، ولأنَّ قضيَّة الألوهيَّة ليست قضيَّة من القضايا المحسوسة الَّتي يُمكن للعقل البحْث فيها بناء على ما يشاهِدُه منها ومن أحوالها، فالعقل لم يشاهد هذه الأمور الغيبية فلا يصح له الكلام فيها، فالكلام في الشَّيء فرعٌ عن تصوُّره، والتصوُّر للشيء إنَّما هو العلم به؛ ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255]، ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].

وقد شكَّلت مسألة الألوهيَّة قديمًا وحديثًا أعظم مشكلة واجهت العقل البشري؛ لأنَّ البشر أدخلوا هذه المسألة تحت نطاق العقْل، وفرضوا أنَّ للعقل قدرة في إدراكها ومعرفة حقائقها مجردة، بالعقل دون مصدر آخر يبيِّن لها سبيل التَّعامُل وإزالة اللبس الحاصل للعقْل فيها، فاختلفت الحلول وتباينت التَّصوُّرات العقليَّة لهذه القضيَّة، من فلسفةٍ إلى أُخرى، ومن تصوُّر إلى آخر.

وجاء القرآن هُدى الله إلى العالمين، فشكَّل حلقة الوصل بين السماء والأرض، وبيَّن تصوير المعاني الغيبيَّة وتصور المسلمين لها، وبين الإخبار عن الذَّات الإلهيَّة، وما يجب لها من صفات الكمال وحكمة الأفعال، وإيمان المسلمين بها وإذعانهم لها.

وقد بيَّن الوحْي قُصور العقْل في تصوُّر المسائل الغيبيَّة في مناسبات كثيرة في الكتاب والسنَّة، وجاء الوحْي مسدِّدًا للعقْل، مرشدًا له فيما لا يدْرِكه ولا يعرف ماهيَّته، وبين للعقل أنَّ نصوص الوحي قد تأتي بما يَحار العقل فيه، لكنَّها لا تأتي بالمستحيل الَّذي لا يقبل الوجود، وأنَّ مقام العقل في هذه المسائل مع النَّقل مقامُ التابع المفتقِر العاجز الَّذي يسدُّ عجزه الوحي المبين مِن رب السَّموات والأرَضين - تبارك وتعالى[12].

ومن هذه الأمثلة التي تتجلَّى فيها هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85].

فعَن عبدالله قال: بيْنا أنا أمشي مع النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حرْث المدينة وهو يتوكَّأ على عسيب معه، فمرَّ بنفرٍ من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الرُّوح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيءٍ تكْرهونه، فقال بعضهم: لنسألنَّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الرُّوح؟ فسكت، فقلتُ: إنَّه يُوحى إليه، فقمت فلمَّا انجلى عنْه الوحْي قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾.

ورُوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ قريشًا قد اجتمعوا وقالوا: إنَّ محمَّدًا نشأ فينا بالأمانة والصِّدْق وما اتَّهمناه بكذب، وقد ادَّعى ما ادَّعى، فابعثوا نفرًا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنْه؛ فإنَّهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثةِ أشياءَ، فإن أجاب عن كلِّها أو لم يُجِبْ عن شيءٍ منْها فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنَين ولم يجب عن واحدة فهو نبيّ، فسلوه عن فِتْية فقدوا في الزَّمن الأوَّل ما كان من أمرِهم؛ فإنَّه كان لهم حديث عجيب، وعن رجُل بلغ شرقَ الأرض وغربَها ما خبره؟ وعن الرُّوح، فسألوه، فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أخبركم بما سألتم غدًا)) ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي - قال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسةَ عشر يومًا، وقال عكرمة: أربعين يومًا - وأهل مكَّة يقولون: وعدَنا محمَّدٌ غدًا، وقد أصبحنا لا يُخْبِرنا بشيء، حتَّى حزن النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من مكْث الوحْي، وشقَّ عليه ما يقوله أهلُ مكَّة، ثمَّ نزل جبريل بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف 23- 24]، ونزل في قصَّة الفتية: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ﴾ [الكهف: 9]، ونزل فيمَن بلغ الشَّرق والغرب: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾ ونزل في الروح: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾[13].

فحقيقة الروح - أيًّا كان الرَّاجح في تفسيرها من أقوال العلماء - مَحجوبةٌ عن العقول، وهذا الَّذي صرَّحت به الآية الكريمة، قال عبدالله بن بريدة: إنَّ الله لم يطلع على الرُّوح ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرْسلاً.[14]

فوجب على العقل قبول حقيقة الرُّوح وإن لم يدرِكْها بآلاته وحواسِّه المادّيَّة، وعلى قول: أنَّ الرّوح هو الخلق المركَّب الَّذي يكوِّن مع الجسد مسمَّى الإنسان - وهو الرَّاجح -[15] فلا يعرف أنَّ عاقلاً أنكر حقيقة الروح[16] التي يحيا بها الإنسان، مع عجزه عن تصوُّرها تصوُّرًا محسوسًا ومعرفة ماهية هذه الروح، فدلَّ هذا دلالة واضحة لكل لبٍّ صحيح أنَّه ليس كلُّ محجوبٌ فهو غير موجود، وأنَّه ليس كلُّ ما لا يدركه العقل فليس بموجود، كما يزعم كثيرٌ من الفلاسفة وأرباب النظر، ودلَّ أيضًا دلالة عظْمى على وجوب انقِياد العقْل للنَّقل الصَّحيح، وعلى وجوب تبعيَّة العقل للوحْي، وأنَّ النقل يَحكم ولا يُحكم، ويَقضي ولا يُقضى عليه.

وإذا كان هذا في غيبٍ متعلّق بمخلوق، فكيف بغيب متعلِّق بذات الله؟! فأوْلى بالعقل أن يقف خاضعًا طائعًا مصدقًا لما جاء من خبر الصِّدق كتابًا وسنَّة، وأن يُعمل العقل قدراتِه في إثْبات وجود الباري - تعالى - وأحقِّيَّة عبادتِه وإثبات حكمتِه في أفعاله، وأن يقرَّ إقْرارًا جازِمًا بقُصور العقْل عن معرفة ماهيَّة وحقيقة ذات الله تعالى وصفاته.

وفي قصَّة موسى - عليْه السَّلام - وفرْعون خيرُ شاهدٍ وبيانٍ لفهم هذه المسألة، وأنَّها قضيَّة مسلَّمة عند رسل الله - صلواتُ الله وسلامه عليهم - فتأمَّل هذه الآيات، تُزِلْ عنك لبْسَ كلِّ ذي زيغ وضلالة، وكل صاحب فكرٍ سقيم، وتجْلو صدْرَك بوحْي القُرآن المبين.

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 23 - 29].

جاء سؤال عدوِّ الله فرعون بلفظ (ما) للسُّؤال عن الماهيَّة والكيفيَّة، ومعلوم أنَّ لفظ (ما) يستخدم لغير العاقل، وإنَّما أراد عدوُّ الله السؤال عن المادَّة؛ لأنَّه لو قصد السؤال عن الله سؤال معرفة وبيان لهذا الإله العظيم، لكان السؤال بلفظ (مَن) التي تستخدم للعاقل، كما قال النَّاظم:
وَلَفْظُ (مَنْ) فِي عَاقِلٍ وَلَفْظُ (مَا) ♦♦♦ فِي غَيْرِهِ وَلَفْظُ (أَيُّ) فِيهِمَا[17]

أي: ولفظ (من) تستخدم للعاقل، ولفظ (ما) لغير العاقل، كما أنَّ لفظ (أيّ) تستخدم في الأمرين جميعًا.

فجاء الجواب مِن موسى - عليه السلام - مغايِرًا للسُّؤال الَّذي سأله فرعون، فأجاب موسى - عليه السلام - بما يدلُّ على وصْف هذا الإله، وليس عن ماهيَّته وكيفيَّته، وأجاب نبيُّ الله بما هو تعريفٌ بالله، بذِكْر صفاته المحسوسة للخَلْق؛ ليستطيع أن يترقَّى العبدُ من المحسوس إلى تعقُّل الموْصوف بهذه الصِّفات.
قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تفكَّروا في آلاء الله ولا تفكَّروا في ذاته))[18].

والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّه ورسولِه محمَّد وعلى آلِه وأصْحابه أجْمعين.


[1] يروى عن علي - رضي الله عنِه، نهج البلاغة1 /350 - 351.

[2] معجم مقاييس اللغة: 69.

[3] لسان العرب، مادة عقل.

[4] المستصفى: 1 /23.

[5] مختصر التحرير في أصول الفقه: 25.

[6] المسودة: 559.

[7] الصواعق المرسلة على الجهميَّة والمعطِّلة: 4 /1236.

[8] تفسير القرطبي: 5 /180.

[9] مفتاح دار السعادة: 328، 329.

[10] مجموع الفتاوى: 15 /8، 9.

[11] مدارج السالكين: 3 /491.

[12] قال ابن أبي العزّ في شرح الطحاويَّة (ص 201، 202): وما أحسن المثل المضْروب للنَّقل مع العقل، وهو: أنَّ العقل مع النقل كالعامّي المقلّد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإنَّ العامّي يمكنُه أن يصير عالمًا، ولا يمكن العالم أن يَصير نبيًّا رسولا.

[13] معالم التنزيل: 3 /134.

[14] معالم التنزيل للبغوي: 3 /135.

[15] معالم التنزيل للبغوي: 3 /135.

[16] ولو فرض وجود مَن يقول بإنكار الروح، فأمثال هؤلاء كأمثال السوفسطائيين الذين سقط الكلام معهم لإبطالهم أساسيَّات وضروريَّات لا يستغنى عنها، وقد قيل:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ ♦♦♦ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ شَيْءٌ

[17] نظم الورقات في أصول الفقه للعمريطي.

[18] حديث ضعيف لكن يرتقي بشواهده إلى الحسن، وقد حسَّنه الألباني في "السلْسلة الصحيحة" 1788، وحسَّنه في "الجامع الصغير" (2975).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.38%)]