عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-11-2020, 09:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بديع الإنشا بشرح حديث: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما

بديع الإنشا بشرح حديث: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما
أبو عاصم البركاتي المصري






فائدة (11): وجوب الرضا برزق الله للعبد ولا يطلب الرزق إلا بالحلال:
قال تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22]، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي الدرداء أنه قال: ((إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجلُه))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم...)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ))؛ الترمذي.


وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم))؛ ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وصحَّحه الألباني.
وعليه فالغنى بقضاء الله وقدره والفقر كذا بقدر، فعلى العبد المؤمن أن يشكر في حال الغنى، وأن يصبر في حال الفقر.
ولحكمة أرادها الله - سبحانه وتعالى - جعل هذا التقدير، والتقسيم للأرزاق خافيًا على العباد مغيبًا عنهم، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: 34]، وذلك حتى يستمر قانون الأخذ بالأسباب، وألا يتواكل العبد بداعي الإيمان بالقدر؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].


قال ابن كثير في تفسيره (8 /179): أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا، إلا أن ييسره الله لكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]؛ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل؛ كما قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو عبدالرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو، أنه سمع عبدالله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)).
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، فأثبت لها رواحًا وغدوًّا لطلب الرزق، مع توكُّلها على الله عز وجل، وهو المسخر المسير المسبب؛ ا. هـ.


فائدة (12): وجوب الصبر على ما قدره الله من المصائب والبلاء؛ لأن ذلك لحكمة يعلمها الله، والإيمان بالقضاء والقدر يوطن العبد على التسليم والرضا، وليعلم العبد أن الله ضمن الأجل المكتوب، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه؛ قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]، وقال جل شأنه: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ [فاطر: 45]، وفي الحديث: الذي عند مسلم برقم (2663) وفيه: "قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر، كان خيرًا وأفضل)).


وعليه فعلى العبد المؤمن أن يوطن نفسه على الشكر في السراء والصبر في الضراء، ويسأل الله أن يعينه على ذلك، وأسوق بعض النصوص النبوية التي تبين فضل الصبر في الضراء، لتثبيت النفوس وتطييب القلوب:
ففي الترمذي عن أنس مرفوعًا: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)).


وعن عائشة عند البخاري (5640)، ومسلم (2572) رفعته: ((ما مِن مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها)).
وعن أبي هريرة عند البخاري (5641) و(5642)، ومسلم (2573) رفعه: ((ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها مِن خطاياه)).


وفي رواية لأبي هريرة عند البخاري (5645) رفعه: ((مَن يُرِد الله به خيرًا يصب منه)).
وفي رواية لأبي هريرة عند ابن ماجه (2562) رفعه: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة))، وإسناده حسن.


وعن عبدالله بن مسعود عند البخاري (5660)، ومسلم (2571) رفعه: ((ما مِن مسلم يُصيبه أذًى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته كما تحط الشجرة ورقها)).
وعن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه (4023)، والترمذي (2561)، والنسائي في "الكبرى" (7439)، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقة، ابتُلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة))، وهو حديث صحيح.

فائدة (13): الخوف من سوء الخاتمة:
قوله: ((فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيَسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها)).
قال عبدالعزيز بن أبي رواد: حضرت رجلًا عند الموت يُلقَّن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمرٍ.
وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضًا على لحيته، ويقول: يا رب، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟! جامع العلوم والحكم ص 173.

العبرة بالخواتيم:
قال ابن دقيق رحمه الله: الأعمال بالسوابق، لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة، جاء في الحديث: ((إنما الأعمال بالخواتيم))، ا.هـ؛ شرح الأربعين ص39.
وفي صحيح البخاري (6607) قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالخواتيم)).


وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء، إذا طاب أعلاه، طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه، خبث أسفله))؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (211) برقم (596)، وابن حبان "موارد" (1819)، وصحَّحه الألباني في "الصحيحة" (1734).
وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول)): إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مصرف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك)).


وفي الصحيحين البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذةً إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إنه من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا، قال: فخرج معه، كلما وقف، وقف معه، وإذا أسرع، أسرع معه، قال: فجُرِح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: ((وما ذاك؟))، قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا: ((أنه من أهل النار))، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)).


وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة، قال: شهِدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام: ((هذا من أهل النار))، فلما حضرنا القتال، قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفًا: ((إنه من أهل النار))، فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إلى النار))، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراح شديد، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ((الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله))، ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: ((أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله يؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر)).


وأخرج مسلم من حديث عبدالله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلَّا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس، أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون))، قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.


النهي عن ترك العمل اتكالًا على ما سبق من القدر:
وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالًا على ما سبق من القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع، وكل ميسر لما خُلِق له.
وفي الصحيحينعن علي، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ((ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقيةً أو سعيدةً))، قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: ((من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة))، فقال: ((اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة))، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10].


وفي لفظ: ((ما منكم من نفس إلا وقد عُلِم منزلُها من الجنة والنار))، قالوا: يا رسول الله، فلِمَ نعمل؟ أفلا نتَّكل؟ قال: ((لا، اعملوا، فكل ميسر لما خُلِق له))، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10].
وعن جابر، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيمَا جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيمَ نستقبل؟ قال: ((لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير))، قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر))؛ مسلم.


وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة»؛ مسلم.
وفي حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس وهو مِن أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة))؛ متفق عليه.
وفيه زيادة: ((فيما يبدو للناس))، فدل على أن هؤلاء أهل الرياء أو النفاق.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
ولكن أبشروا فإن هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص، فإن الله لا يَخذله عز وجل، والله أكرم من العبد، فإذا عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص - نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم - فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس؛ ا.هـ؛ شرح رياض الصالحين (3 /293).
قال ابن حجر رحمه الله: قال عبدالحق في "كتاب العاقبة": إن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويَكثُر وقوعه للمصر على الكبائر والمجترئ على العظائم، فيهجم عليه الموت بغتةً، فيَصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة؛ نسأل الله السلامة؛ ا. هـ؛ فتح الباري 11 /490.

المؤمن لا يخلد في النار إن دخلها:
قال ابن حجر: ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يخلد فيها أبدًا، بل مجرد الدخول؛ الفتح، ( 11 /490).
وقال الخطابي: فيه: أن ظاهر الأعمال من الحسنات والسيئات أمارات وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى القدر؛ أعلام الحديث ( 2 /1483).
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي))؛ البخاري (7422).

فائدة (14): حسن الخاتمة فضل من الله تعالى:
قوله: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها)).
وصح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله))، قالوا: كيف يستعمله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل موته))؛ أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وصحَّحه الحاكم في المستدرك.
وعن عمرو بن الحمق الخزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا عسَلَه قبل موته))، قيل: وما عسلُه قبل موته؟ قال: ((يُفتح له عملٌ صالح بين يدي موته، حتى يرضى عنه))؛ أخرجه ابن حبان في صحيحه، وقال الألباني: صحيح؛ "الصحيحة"، (1114).


قصة أُصيرم بني عبدالأشهل:
وعن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أُصيرم بني عبدالأشهل: عمرو بن ثابت بن وقش، قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بدا له الإسلام فأسلَم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم، فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال: فبينما رجال بني عبدالأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، وما جاء لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث؟! فسألوه: ما جاء به؟ قالوا: ما جاء بك يا عمرو، أحَدَبًا على قومك، أو رغبةً في الإسلام؟ قال: بل رغبةً في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، وأسلمت، ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله، فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، قال: ثم لم يَلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((إنه لمن أهل الجنة))؛ أخرجه أحمد وهو حديث حسن.
فهذا الرجل أمضى عمره كله في الكفر ضد الإسلام وضد المسلمين، وكان خاتمته هذه الخاتمة، عمل بعمل أهل النار، حتى لم يكن بينه وبينهما إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، فكان من أهل الجنة.


قصة الصحابي الذي ختم له بالحج:
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهم، قال: بينما رجل واقف بعرفة؛ إذ وقع عن راحلته، فوقَصته - أو قال: فأقعصتْه - قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تُحنطوه، ولا تُخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا)).
ومعنى (فوقصته): من الوقص، وهو كسر العُنق، ومثله (أقعصته): مِن الإقعاص، والوقص أفصح.


روى الحاكم وغيره أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله ابتغاءَ وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة، ومَن تصدق بصدقة ختم له بها، دخل الجنة))؛ رواه الإمام أحمد وغيره.


والله من وراء القصد



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]