محطات إيمانية في تربية الطفل
موقع المسلم
يقول الرسول المصطفى _صلى الله عليه وسلم_: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، وفسّره الشيخ العلامة سفر الحوالي بأن "الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قد أودع في فطر النَّاس الإيمان بالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فكل مولود من بني آدم يولد، فهو مقر بالله ومتجهٌ بفطرته إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ومفطور عَلَى الإقرار والإيمان به -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بحيث لا يحتاج إِلَى أن يلقن ذلك ولا أن يعلّم، بل هو مولود عَلَى نفس هذه الملة -ملة الإسلام- ".
وعلى ذلك تظهر أهمية الاهتمام بدين المولود، والمحافظة على فطرته الإسلامية الصحيحة، وترسيخ ذلك في حياته اللاحقة، منعاً لدخول ما قد يشوبها من أفكار خاطئة، قد تؤدي إلى ضلالة أو تفضي إلى انحراف.
ويستعين الأهل بعد الله ا_عز وجل_، بالكثير من الطرق والأساليب في تنمية هذا الجانب الإيماني لدى أبنائهم، وتعظيم وحدانية الله _عز وجل_ في نفوسهم، ومنها ما يشير إليها الدكتور عدنان علي النحوي بالقول: " إن قضية تربية الطفل عملية إعداد وبناء ليصبح قادراً عند بلوغه سن الرشد على تحمُّل المسؤولية التي كلّفه الله بها، سليم الفطرة، سليم الإيمان والتوحيد، يحمل العلم من منهاج الله قدر وسعه الصادق خلال مراحل نموّه. وأدب الأطفال الإسلامي يساهم مساهمة كبيرة في بناء العقيدة السليمة وفي حماية الفطرة في مراحله المختلفة".
مرحلة الحمل والولادة:
يرى الدكتور عدنان النحوي أن أول قطعة من الأدب الإسلامي للطفل وللكبير هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولذلك ورد في الأثر الأذان في الأذن اليمنى للطفل والإقامة في الأذن اليسرى ، فعن أبي رافع _رضي الله عنه_ قال: "رأيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أذَّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته أمه فاطمة _رضي الله عنه_ا بالصلاة" [رواه أبو داود والترمذي]. فيكون أول كلمة تدخل فطرة المولود بالأذان هي الشهادتان، كلمة تتجاوب مع فطرته التي فطره الله عليها، تدخل الأذن وتمتدّ في كيان المولود ما شاء الله لها أن تمتد على سنن ربّانية، لتنمّي غرسة الإيمان والتوحيد وصفائهما، الغرسة التي وضعها الله في فطرة هذا المخلوق الجديد، ولتصبح مسؤولية الإنسان ابتداءً بالوالدين مسؤولية مباشرة عن رعاية العقيدة وسلامتها وصحّتها".
ويضيف "ثم تمضي الشهادتان في حياة الطفل كلها تتردّد مع مراحل نموه حتى بلوغه رشده وشبابه وكهولته وحياته كلها حتى يلقى الله ربه عليها، فيُلقّنها عند الموت"، مورداً دليلاً على استمرار ذلك إلى الموت، بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة _رضي الله عنه_م عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله" [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي].
فهذه الكلمة: "لا إله إلا الله" هي القاعدة الصلبة في التربية في الإسلام، وهي تمثّل النهج والغاية، وهي تمثّل الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، وتمثّل الانطلاقة الأولى والهدف الربّاني الأول للمسلم في تبليغ دعوة الله للناس كافّة".
ويرى الدكتور النحوي أن من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم أن نبّهنا إلى نشاط حاسة السمع لدى المولود ولو لم يدرك المعنى، ولكن الصوت وأمواجه تترك أثرها بطريقة ربانية، وقد ثبت علمياً اليوم أن حاسة السمع لدى الجنين قبل أن يولد تكون عاملة، تتأثر وتستقبل الصوت، ويترك الصوت أثره في الجنين بطريقة لا يدركها العلم، ولكن يعلمها الله رب العالمين.
وتقول د. آريان آيزنبرغ وزميلتاها في كتابهنّ: "ماذا تتوقع عندما تنتظر الجنين" حيث إن حاسة السمع عند الجنين تكون قد تطورت تطوراً كبيراً مع نهاية المرحلة الثانية أو بداية الثالثة، فيصبح من الحقيقة أن الأجنّة عند أصدقائك يسمعون ما يدور من موسيقى ومن قراءات، ولكن ما هو تأثير ذلك في مقبل الأيام لم يتأكد حتى الآن، ويعتقد بعض الباحثين المختصين في هذا العلم أنه من الممكن إثارة الجنين قبل ولادته ليكون جنيناً متميزاً"
ولذلك ينصح بعضهم بأن تقرأ الأم شيئاً يسمعه الجنين دون أن يعي المعنى، فيترك ذلك أثره، وكذلك الحديث الذي يجري في البيت بين الأبوين أو غيرهما قد يترك أثره، ويتّضح لنا هنا أهمية نقاء جو الأسرة وصفاء العلاقة بين الزوجين، حتى تسود الكلمة الطيبة التي أمر الله بها، والكلام الحسن الذي أمر الله به، ليتلقَّى الطفل وهو جنين أصوات الخير والكلم الطيب، وذكر الله، واستمرار الدعاء، وتلاوة القرآن الكريم وقراءة أحاديث الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وأصوات الوداد والمحبّة والكلم النقيّ من الأدب الإسلامي.
كلُّ ما يجري في بيت الأسرة يمكن أن يؤثّر على الجنين بالصوت، لذلك حرص الإسلام على تنظيم جو الأسرة وتفصيل العلاقات بين أفرادها، فيكون دور أدب الأطفال الإسلامي أن يُغذّي هذا الجو وهذه العلاقات.
ويتابع الدكتور النحوي في محاضرة ألقاها خلال ندوة "أدب الأطفال الإسلامي" في الرياض خلال عام 1427هـ "عندما يولد الطفل تظل حاسة السمع عاملة فيه دون أن يدرك معنى الأصوات التي تصله، والتي تستقبلها أجهزة فطرته الأخرى بطريقة ربّانية، فهو يتأثر بنفس الطريقة بحنان الأم وهدهدتها له، ومناغاتها، بين كلمات الحب العميق والحنان الشديد، ويتأثر بضمّه إلى صدرها، وإرضاعها له، حين تخرج الكلمات من الأم عفو الخاطر والبديهة، فتلتقي الفطرة الصافية بالفطرة الصافية، فينال الطفل الغذاء الصافي على جرس المناغاة، لتكون النص الثاني الذي يتلقّاه الطفل.
ولقد سنَّ الإسلام سُنناً في رعاية المولود كالأذان والإقامة في أذنيه كما ذكرنا، وكذلك التحنيك والعقيقة وغير ذلك، ولكن الخطوة المهمة في هذه المرحلة هي اختيار اسم للمولود، اختيار اسمه الذي سيُرافقه حياته كلّها، والذي سيظل الناس ينادونه به، فمن مسؤولية الوالدين اختيار الاسم الحسن الطيب في معناه ومبناه، وجرسه ولفظه وكتابته، كما وردت الأحاديث الشريفة بذلك.
ويصبح هذا الاسم من أوائل الكلمات التي يسمعها والتي تظل تطرق أذنيه، ثم يتعلمها فينطق بها لسانه، وكأنما اسمه قطعة أدبية محببة إلى الطفل، يتعلّمها في سن مبكرة.
إنها النغمة الحلوة التي تحمل الصورة الأدبية بمعناها وظلالها وجرسها، وقد أخذت جهداً حقيقياً من الوالدين حتى اختارا هذا الاسم لطفلهما، وربما اشترك معهما بعض الأقرب والأرحام، وكأنّ هذا الاسم أصبح النص الأدبي الثاني الذي يتلقاه الطفل بعد الشهادتين والأذان والإقامة في أُذنيه.
وتأتي القطع الأدبية الثالثة مع أول مراحل نمو الطفل من خلال مناغاته وتسهيل نومه بالنغمة الحلوة، والشعر البسيط، مما لا يدرك معناه ولكن يؤثر فيه الإيقاع الرتيب الحلو، وأرى أنه يجب الحرص على أن لا يدخل أذن الطفل في جميع مراحل تربيته إلا اللغة العربية الصحيحة والمعاني الكريمة، مع إدراكي صعوبة تحقيق ذلك في عالم ضعفت فيه منزلة اللغة العربية الفصيحة، وانتشرت اللهجات العامية المختلفة، ولكن يجب علينا أن نظل نذكّر بالقواعد الرئيسة في الإسلام، والتزام اللغة العربية الصحيحة أمر هام فعليه أن يسعى ويجاهد من أجل إتقانها، وخاصة في واقعنا اليوم.
ويتدرّج الطفل في تقبّل الشعر وتمثُّله عاماً بعد عام، حتى يصل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يحفظ الأناشيد الحماسية، والقصص الشعرية، ويرددها مع زملائه في المدرسة، أو بين والدين متعاونين وأسرة مترابطة، ويفخر بالتغنّي بها".
يتبع