هبة: طريقة سهلة، فهمتُها.
الأم: فلتذكرني الحبيبة كيف تتوضأ للصلاة، بما أننا نتحدَّث عن طهارة المرأة.
هبة: أولا أنوي الطهارة ورفع الحدث، والنية محلها القلب كما تعلمتُ منك يا أماه.
الأم: جمّلكِ الله بالإيمان يا بنيَّة، وبعد؟
هبة: أقول: بسم الله ثم أغسل كفي ثلاث مرات ثم أتمضمض ثلاث مرات وأستنشق ثلاث مرات، وأنثر الماء من أنفي بيساري.
الأم: والمضمضة هي إدارة الماء في الفم والاستنشاق هو إيصال الماء إلى داخل الأنف، والاستنثار هو إخراجه من الأنف، ثم ....؟
هبة: ثم أغسل وجهي ثلاث مرات (وتشير هبة إلى وجهها من منبت شعرها إلى ذقنها، ومن حدِّ أذنها اليمنى إلى حد أذنها اليسرى) ثم أغسل يدي إلى المرفقين ثلاث مرات، (وتشير هبة إلى يديها من رؤوس أصابعها إلى أول العضد)، ثم أمسح رأسي من مقدَّمته إلى هنا (مشيرة إلى منبت شعرها على القفا) ثم أدخل أصبعي السبابتين في خرقي أذني، وأمسح ظاهرهما بإبهامي، وأخيرا أغسل رجلي ثلاث مرات إلى الكعبين، (وتشير إلى العظم الناتئ في أسفل ساقها).
الأم: أحسنتِ يا هبة، فماذا نقول بعد فراغنا من الوضوء؟
هبة: نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِّرين.
الأم: تماما يا عزيزتي، لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ"[10]، وفي زيادة عند الترمذي: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المتطَهِّرِينَ"[11].
الأم: طيّب...وإن لم نجد الماء أو تعذَّر علينا استعمالُه للوضوء، فما الذي يقوم مقام الماء؟ أتذكُرين أم ....؟
هبة: (مبتسمة) بل أذكر، لأنه سهل جدا، إن لم أجد الماء أتيمَّم، أضرب التراب بيدي ضربة واحدة ثم أمسح بهما وجهي وكفي.
الأم: صحيح، يقوم التيمُّم مقام الماء في رفع الحدث، يقول عز وجل: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 43]، وطريقة التيمُّم بيَّنها لنا نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه حين قال له: ""إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه"[12]، ثم ندعو بنفس الدعاء الذي نقوله بعد الوضوء.
هبة: وهل يصحُّ التيمُّم بدلا من الغسل؟
الأم: ما شاء الله! ذكية يا هبة، لاحظي يا ابنتي، دينُنا دين يسر وليس دين عسر ولا مشقة، بمعنى: إن تأكدت المرأة المسلمة أنها طهرت ثم لم تجد ماء للغسل، أو وجدته لكن اغتسالها بالماء يزيد من مرضها إن كانت مريضة، أو يعوق شفائها ويؤخره، فلها في هذه الحالة أن تتيمَّم.
• والآن هل لكِ سؤال آخر؟ وهل هناك أمر استصعب عليكِ في ما قلته لك؟ِ
هبة: لا، ليس عندي سؤال آخر، فهمت.
الأم: ممتاز...أما الآن... لكِ مني مفاجأة، خمِّني ما تكون؟
هبة: اممممم، أكيد علبة شكولاتة من التي أحب.
الأم: لا، هذه الهدية مختلفة، انتظريني هنا ولا تتحرّكي، مفهوم؟
هبة: سأنتظر (تفكر وتتمتم) إذن هي علبة أقلام مثل التي رأيتها عند عائشة، لا لا تلك وعدني بها أبي، امممم....
عادت الأم حاملة ظرفا مغلقا.
الأم: خذي، افتحي الظرف.
هبة: (وهي تفتح الظرف بلهفة) إنه كتاب.
الأم: أجل هو كتاب يا عزيزتي، وكم أحبُّه!
هبة: أعرف، أنتِ يا أمي تحبين كل الكتب الموجودة بمكتبتنا!
الأم: (تبتسم وتضم هبة إلى صدرها وتُقبِّل جبينها) لكن هذا الكتاب تحديدا له مكانة كبيرة في نفسي، هل تعلمين يا بنيتي؟ هذا الكتاب هدية من والدي أهداها لي حين كنتُ في مثل عُمرك.
هبة: يااااه، لم أنتبه له في مكتبتنا... المرأة المسلمة...العقائد-العبادات-المعاملات-الآداب والأخلاق- أبو بكر جابر الجزائري.
الأم: هو لكِ يا قرة العين.
طُرق الباب بلطف...
الأم: لعله والدكِ! فهذا وقت رجوعه من العمل، يبدو أنه يحمل معه أكياسا منعته من فتح الباب، سأرى...
هبة: أبي أبي أبي...
الأم: ألهذه الدرجة بلغ بكِ الشوق لوالدك اليوم؟
هبة: لا... أقصد نعم، أقصد أن بابا جاء في الوقت المناسب تماما هذه المرة، جاء بعد أن أنهينا كلامنا...
الأم: حسنٌ سأفتح الباب.
هبة: لا لا لا أنا من سأفتح الباب، أريد أن أخبره.
الأم: تخبرينه؟ بم؟!
هبة: سأخبرهُ بأنك أروع أم على وجه الأرض!
زاد الطرق على الباب، ورافقه رنين الجرس...
الأم: (مبتسمة) أسرعي وافتحي إذن يا أروع بنت!
• •• •
بعد العشاء، تذهب هبة لغرفتها، وتُرسل نظراتها إلى أركان الغرفة باحثة عن دفتر مذكراتها، لتسجِّل فيه أهم ما ميّز هذا اليوم، أدارت القلم بين إصبعيها وها هو يستقر على بداية الصفحة... وتكتب هبة والابتسامة مرسومة على محيَّاها: اليوم علَّمتني أمي أحكام الطَّهارة.
أخيرا، هذه إضاءات تربوية:
• كرَّرتُ الكلام في أكثر من موضع ، والسبب: أحيانا لا بد من التكرار لأن التكرار يثبِّت المعلومة في الذهن للكبار فما بالنا بالصغار!
• شجَّعتُ هبة بعبارات إطراء، والسبب: التشجيع يبعث على تعزيز الثقة بالنفس خصوصا إن كان من الوالدين للأبناء، فالكلمة الطيّبة آسرة ولها أثر.
• طلبتُ من هبة أن تذكِّرني بطريقة الوضوء مع أنها تعرفها نظريا وتطبيقيا، والسبب: إن الذكرى تنفع المؤمنين، ولربط ما تقدَّم من الموضوع باللاحق منه.
• استعملتُ حركة اليدين في أكثر من موضع ، والسبب: الاستيعاب يكون أقوى للمعلومة ويسهل استحضارها بمختلف تفاصيلها. إذا ما استخدمنا الحركة والكلام معا.
• شرحتُ بعض الألفاظ التي لا تحتاج لأن أشرحها لو كان الكلام موجَّها لشخص أكبر، واستخدمتُ (أي) التفسيرية، والسبب: إن تحدّثنا مع الآخرين فعلينا أن نراعي أحوالهم فنخاطبهم على قدر عقولهم وفهمهم ومكتسباتهم القبلية، ونفس القاعدة نطبقها مع أطفالنا.
• سعيتُ إلى تبسيط المعلومة قدر الإمكان، والسبب: لتكون واضحة.
• حين تحدثتُ مع هبة عن كمية الدم النازل من رحم المرأة ذكرت الحجم وأرفقت المعلومة بالإشارة إلى الكوب الذي يحمل تقريبا نفس الحجم، والسبب: إن توفرت الوسيلة التعليمية فإنها تساعد على التوضيح والفهم وتقريب المعنى بصورة أدق.
• حاولتُ أن أكرِّر السؤال: (هل فهمت البنية؟) والسبب: التأكد من وصول المعلومة قبل أن أضيف عليها.
• استشهدتُ ببعض الأحاديث النبوية، والسبب: ليكتسب كلامي مصداقية أكثر، ولتتعوّد هبة على سماع الأحاديث والاستشهاد بها.
• أدنيتُ هبة مني أثناء الجلسة، والسبب: للاتصال الجسدي بين الوالدين والأبناء أثر في توطيد العلاقة بينهما.
• أعطيتُ هبة كتاب (المرأة المسلمة) والسبب: تعزيزا للتعلُّم وحِرصا على بقاء المعلومة في متناول المتعلِّم، ليرجع إليها في أي وقت شاء، والأجمل أن تكون للكتاب حكاية...
ونلتقي في جلسة أخرى، والله الموفِّق.
[1] صحيح مسلم 1/261.
[2] أعتقد أن تعريف الفتاة بالأحكام الشرعية التي تترتَّب عن الحيض لا بد منها، لأن المعلومة الخاطئة أو المشوهة ستكبر مع الفتاة، وكثيرا ما سمعنا بفتيات بلغن العشرين وأكثر ولا يعرفن الطريقة الصحيحة للغُسل مثلا أو تشبعن بمعارف صحيّة خاطئة عن الحيض... يقول ابن نجيم: "معرفة مسائل الحيض من أعظم المهمات لما يترتب عليها ما لا يحصى من الأحكام كالطهارة والصلاة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والحج والبلوغ والوطء والطلاق والعدة والاستبراء وغير ذلك من الأحكام وكان من أعظم الواجبات؛ لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر به وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها فيجب الاعتناء بمعرفتها"، البحر الرائق، 1/199.
[3] إشارة طبية: ولأن الدم يتدفّق بشدة حين الركوع والسجود، فإن هذا مفيد للحامل -بخلاف الحائض- لايصال الدم للجنين، فسبحان الذي منع الصلاة عن الحائض ولم يمنعها عن الحامل!
[4] عن مُعاذة، قالت: سألتُ عائشة فقلتُ: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: "كان يُصيبنا ذلك، فنُؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة" صحيح مسلم 1/265، وقول عائشة رضي الله عنها (حرورية) تشير بها لطائفة من الخوارج الذين أوجبوا على الحائض قضاء الصيام والصلاة.
[5] عن أبي سعيد الخدري، صحيح البخاري، 1/68، والحديث كاملا: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ"، قلن: بلى، قال: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ" قلن: بلى، قال: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا".
[6] لفتة لغير هبة: وهناك أمر آخر غير هذا لم أرغب في أن تعرفه هبة حاليا، وهو حُرمة الوطء أثناء الحيض حتى تطهر المرأة، يقول عز وجل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة:222]، كما يحرم على الزوج طلاق زوجته في حال حيضها، والأحكام المتعلقة بالحيض كثيرة جدا، سواء للعزباء أو المتزوجة لا يمكن الإلمام بها في أوَّل حوار! أو لنقل: ليس على هبة أن تتعلَّم كل ما يتعلَّق بالحيض الآن، ولتكن الأساسيات فقط، ولكل حادث حديث...
[7] اختلف العلماء في الأمر ومن علمائنا من يجوِّز ذلك نظرا لطول مدة الحيض وخوفا من نيسان المحفوظ من القرآن أو اضطرارا كحضور دروس العلوم الإسلامية أو الامتحانات، والله تعالى أعلى وأعلم.
[8] الأصل أن الغُسل للمرأة يكون من الحيض والجنابة والنفاس.
[9] لفتة لغير هبة: لا يختلف غسل المحيض عن غُسل الجنابة - كما أفتى علماؤنا - إلا أنه من المستحب دلك الشعر في غسل الحيض أشد من دلكه في غسل الجنابة، ويستحب في غُسل الحيض والنفاس أيضا أن تتطيَّب المرأة في موضع الدم بتتبع أثره باستخدام فرصة من مسك، تطييبا للمحل ودفعا للرائحة الكريهة، وكذا قتلا للجراثيم الضارة -كما أثبتت الدراسات الطبية- لكن استخدام فرصة من مسك لم أخبر بها هبة لأنها حديثة عهد بالحيض وخوفا عليها من ضرر قد يلحقها إن هي أساءت استخدامها، ولعل ما قلتُه لها كاف في هذه المرحلة.
[10] صحيح مسلم 1/209.
[11] سنن الترمذي، 1/77، وصحَّحه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، 2/1061.
[12] متفق عليه، واللفظ للبخاري، صحيح البخاري، 1/75، صحيح مسلم 1/280.