11- ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.
واللهُ بأعمالِكم - أيها الناسُ - ذو خبرة، لا يخفَى عليه المطيعُ منكم ربَّهُ مِن العاصي، وهو مجازٍ جميعَكم بعمله، المحسنَ بإحسانه، والمسيىءَ بالذي هو أهله، أو يعفو. (الطبري).
12- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾.
وتقديمُكم الصدقةَ أمامَ نجواكم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، خيرٌ لكم عندَ الله، وأطهرُ لقلوبِكم مِن المآثم. (الطبري).
13- ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
وأطيعوا اللهَ ورسولَه، فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه. واللهُ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم، وهو مُحصيها عليكم ليجازيَكم بها. (الطبري).
15- ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
أي: أرصدَ اللهُ لهم على هذا الصنيعِ العذابَ الأليمَ على أعمالِهم السيِّئة، وهي موالاةُ الكافرينَ ونصحُهم، ومعاداةُ المؤمنينَ وغشُّهم. (ابن كثير).
17- ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
هؤلاءِ الذينَ تولَّوا قومًا غضبَ اللهُ عليهم، وهم المنافقون، أصحابُ النار، يعني أهلُها الذينَ في النار، ماكثونَ إلى غيرِ نهاية. (الطبري).
18- ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ فيما يحلفون عليه. (الطبري).
19- ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.
غلبَ على قلوبِهم الشَّيطان، واستولَى على عقولِهم بوسوستهِ وكيدهِ حتَّى وافقوهُ واتَّبَعوه، فأنساهُم ذِكرَ اللهِ بما زيَّنَ لهم مِن الشَّهواتِ وألهاهُم بهِ منَ الدُّنيا وزينتِها، فأولئكَ جنودُ الشَّيطانِ وأتباعُه، ألَا إنَّ أتباعَهُ هم الخاسرونَ المغبونون، الذينَ فوَّتوا على أنفسِهمُ النَّعيمَ المقيم، واستعاضوا بهِ العذابَ الألِيم. (الواضح).
22- ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾.
ويُدخِلُهمُ اللهُ جنَّاتٍ عالياتٍ واسعات، تجري في خلالِها أنهارٌ مِن ماءٍ زُلال، ومِن لبن، وعسل، وخمرٍ لذيذٍ لا يُسكِر، مخلَّدينَ فيها أبدًا، رضيَ اللهُ عنهم بطاعتِهم له، فأثابَهم النَّعيمَ المقيم، ورَضُوا عنهُ بما آتاهُم مِن الجنَّةِ والرِّضوان. (الواضح).
سورة الحشر
1- ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.
﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ أي: منيعُ الجناب، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في قدَرهِ وشرعِه. (ابن كثير).
2- ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾.
أي: الخوفَ والهلعَ والجزع. وكيف لا يحصلُ لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نُصِرَ بالرعبِ مسيرةَ شهر؟ صلواتُ الله وسلامهُ عليه. (ابن كثير).
4- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.
هذا الذي فعلَ اللهُ بهؤلاءِ اليهودِ ما فعلَ بهم، مِن إخراجِهم مِن ديارِهم، وقذفِ الرعبِ في قلوبِهم مِن المؤمنين، وجعلَ لهم في الآخرةِ عذابَ النار، بما فعلوا هم في الدنيا، مِن مخالفتِهم اللهَ ورسولَهُ في أمرهِ ونهيه، وعصيانِهم ربَّهم فيما أمرَهم به مِن اتِّباعِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومَن يخالفِ اللهَ في أمرهِ ونهيه، فإنَّ اللهَ شديدُ العقاب. (الطبري).
6- ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
واللهُ يسلِّطُ رسلَهُ على مَن يشاءُ مِن أعدائه، وقد سلَّطَ اللهُ رسولَهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم على هؤلاءِ اليهودِ الذينَ خالفوا العهد، فأذلَّهم، واللهُ قديرٌ على ما يِشاء، لا يُغلَبُ ولا يُقهَر. (الواضح).
7- ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.
﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾: أوردُ التفسيرَ من أولهِ ليكونَ واضحًا: وما أعادَهُ اللهُ على رسولِهِ مِن جميعِ البلدانِ التي تُفتَحُ هكذا، مِن دونِ قتالٍ يُذكَر، فحُكمهُ حكمُ أموالِ بَني النَّضير: يُقسَّمُ خمسةَ أخمَاس: خُمسٌ للهِ ورسولِه، فيَصرِفُهُ كما يشاءَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام، وخُمسٌ لذوي قرابتِهِ صلى الله عليه وسلم، والمراد: بنو هاشمٍ وبنو عبدِالمطَّلِب، وخُمسٌ لليتامَى الذينَ فَقدوا آباءَهم وهم مازالُوا صغارًا، وخُمسٌ للمساكينِ والمحتاجين، وخُمسٌ لابنِ السَّبيلِ المنقطعِ في سفرهِ مِن المسلمين... (الواضح).
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾: اتَّقوهُ في امتثالِ أوامرهِ وتركِ زواجره، فإنه شديدُ العقابِ لمن عصاه، وخالفَ أمرَهُ وأباه، وارتكبَ ما عنه زجرَهُ ونهاه. (ابن كثير).
10- ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
إنكَ ذو رأفةٍ بخلقِك، وذو رحمةٍ بمن تابَ واستغفرَ مِن ذنوبه. (الطبري).
14- ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾.
﴿ مُحَصَّنَةٍ ﴾ بالدروبِ والخنادقِ ونحوها.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ شيئاً حتى يعلموا طرقَ الأُلفةِ وأسبابَ الاتفاق. (روح المعاني).
15- ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
ولهم في الآخرة - مع ما نالَهم في الدنيا مِن الخزي - عذابٌ أليم، يعني موجِع. (الطبري).
17- ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾.
﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ﴾ أي: فكانت عاقبةُ الآمرِ بالكفرِ والفاعلِ له وتصيُّرِهما إلى نارِ جهنَّمَ خالدَين فيها، ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: جزاءُ كلِّ ظالم. (ابن كثير).
18- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾: أمرَ بتقواه، وهي تشملُ فعلَ ما به أمر، وتركَ ما عنه زجر.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾: تأكيدٌ ثان.
﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾: عالمٌ بجميعِ أعمالِكم وأحوالِكم، لا تخفَى عليه منكم خافية، ولا يغيبُ عنه مِن أمورِكم جليلٌ ولا حقير. (ابن كثير).
19- ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.
هؤلاءِ الذين نسوا اللهَ هم الفاسقون، يعني الخارجون مِن طاعةِ اللهِ إلى معصيته. (الطبري).
20- ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾.
لا يعتدلُ أهلُ النارِ وأهلُ الجنَّة، أهلُ الجنَّةِ هم الفائزون، يعني أنهم المدركون ما طلبوا وأرادوا، الناجون ممّا حُذِّروا. (الطبري).
22- ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾: أخبرَ تعالَى أنه الذي لا إلهَ إلا هو، فلا ربَّ غيرُه، ولا إلهَ للوجودِ سواه، وكلُّ ما يُعبَدُ مِن دونهِ فباطل. (ابن كثير).
﴿ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾: فسَّرَهُ في البسملة، وملخصُ ما ذكرَهُ هناك، أن ﴿ ٱلرَّحْمـٰنِ ﴾ صفةُ مبالغةٍ من الرحمة، ومعناهاأنه انتهَى إلى غايةِ الرحمة، وهي صفةٌ تختصُّ بالله ولا تُطلَقُ على البشر. وهي أبلغُ من فَعِيل، وفَعِيلُ أبلغُ من فاعل؛ لأن راحمًا يُقالُ لمن رَحِمَ ولو مرةً واحدة، ورحيمًا يُقالُ لمن كثرَ منه ذلك، والرحمنُ النهايةُ في الرحمة.
23- ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ ﴾: هو المعبودُ الذي لا تصلحُ العبادةُ إلّا له، المـَلِكُ الذي لا مَلِكَ فوقه، ولا شيءَ إلّا دونه.
﴿ الْعَزِيزُ ﴾: الشديدُ في انتقامهِ ممَّن انتقمَ مِن أعدائه. (الطبري).
24- ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ ﴾: هو المعبودُ الخالق، الذي لا معبودَ تصلحُ له العبادةُ غيرُه، ولا خالقَ سواه.
﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾: يسبِّحُ له جميعُ ما في السماواتِ والأرض، ويسجدُ له طوعًا وكَرهًا، ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾، يقول: وهو الشديدُ الانتقامِ مِن أعدائه، ﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تدبيرهِ خَلقه، وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم. (الطبري).
سورة الممتحنة
1- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ﴾.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ مِن المشركين ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ يعني أنصارًا.
﴿ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي ﴾: إنْ كنتُم خرجتُم مِن دياركم، فهاجرتُم منها إلى مُهاجَرِكم للجهادِ في طريقي الذي شرعتهُ لكم، وديني الذي أمرتُكم به، والتماسِ مرضاتي. (الطبري).
3- ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
يفصلُ ربُّكم أيها المؤمنون بينكم يومَ القيامة، بأن يُدخِلَ أهلَ طاعتهِ الجنة، وأهلَ معاصيهِ والكفرِ به النار. واللهُ بأعمالِكم - أيها الناسُ - ذو علمٍ وبصَر، لا يخفَى عليه منها شيء، هو بجميعِها محيط، وهو مجازيكم بها، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ، فاتَّقوا اللهَ في أنفسِكم واحذروه. (الطبري، باختصار).
4- ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾.
وقد وجبتِ العداوةُ والبغضاءُ بيننا وبينكم مادمتُم على كفرِكم، حتَّى توحِّدوا اللهَ وتعبدوهُ وحدَهُ لا شريكَ له، إلاَّ ما جاءَ مِن قولِ إبراهيمَ لأبيهِ الكافر: سأستغفرُ لك، ولا أملِكُ سوَى الدُّعاءِ لك، ولا أقدِرُ على ردِّ عذابِ اللهِ عنكَ إنْ عصيتَهُ وأشركتَ به.
وقالَ هو والمؤمنونَ معهُ متبرِّئينَ مِن قومِهم الكافرين، مفوِّضين أمرَهم إلى ربِّهم: اللهمَّ إنَّنا اعتمدنا عليك، وإليكَ رجعنا في أُمورِنا كلِّها، ومَرجِعُنا إليكَ في يومِ القيامة.
وقصدُ إبراهيمَ من الاستغفارِ لأبيهِ هو طلبُ الهدايةِ له، ويجوزُ هذا مادامَ الأبُ على قيدِ الحياة، ولا يجوزُ الاستغفارُ له بعد موتهِ إذا ماتَ على الكفر، وقد تبرَّأَ إبراهيمُ مِن أبيهِ بعدَ موتهِ كافراً ولم يستغفِرْ له، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [سورة التوبة:114]. (الواضح).
5- ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.
﴿ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ﴾ أي: واسترْ ذنوبَنا عن غيرك، واعفُ عنها فيما بيننا وبينك، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ﴾ أي: الذي لا يُضامُ مَن لاذَ بجنابِك، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أقوالِكَ وأفعالِكَ وشرعِكَ وقدرِك. (ابن كثير).
6- ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾.
يقولُ تعالى ذكرهُ للمؤمنينَ به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قد كانَ لكم أيها المؤمنونَ قدوةٌ حسنةٌ في إبراهيمَ خليلِ الرحمن، تقتدونَ به، والذينَ معهُ مِن أنبياءِ الله صلواتُ الله عليهم والرسل، لمن كان منكم يرجو لقاءَ الله، وثوابَ الله، والنجاةَ في اليومِ الآخر. (الطبري).
7- ﴿ وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
﴿ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ على ما يشاءُ من الجمعِ بين الأشياءِ المتنافرةِ والمتباينةِ والمختلفة، فيؤلِّفُ بين القلوبِ بعدَ العداوةِ والقساوة، فتُصبِحُ مجتمعةً متَّفقة، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: يغفرُ للكافرين كفرَهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربِّهم وأسلموا له، وهو الغفورُ الرحيمُ بكلِّ مَن تابَ إليه، مِن أيِّ ذنبٍ كان. (ابن كثير).
8- ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.
﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾: تُكرموهم وتُحسنوا إليهم قولاً وفعلاً. (النسفي).
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾: إنَّ اللهَ يحبُّ المنصفينَ الذين يُنصِفونَ الناس، ويعطونَهم الحقَّ والعدلَ مِن أنفسِهم، فيَبرُّونَ مَن برَّهم، ويُحسِنونَ إلى مَن أحسنَ إليهم. (الطبري).
9- ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾.
ومَن يعاونْهُم ويتَّخِذْهُم أصدقاء، فأولئكَ الذينَ تجاوزوا الحدّ، وعرَّضوا أنفسَهم للعذاب. (الواضح).
10- ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾: لا المؤمناتُ حِلٌّ للكفّار، ولا الكفّارُ يحلُّونَ للمؤمنات.
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾: ولا حرج عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا هؤلاء المهاجراتِ اللاتي لحقنَ بكم من دارِ الحربِ مفارقاتٍ لأزواجهنّ، وإن كان لهنَّ أزواجٌ في دارِ الحرب، إذا علمتُموهنَّ مؤمنات، إذا أنتم أعطيتموهنَّ أجورهنّ. ويعني بالأجور: الصَّدقات. ولا تُمسكوا أيها المؤمنون بحبالِ النساءِ الكوافرِ وأسبابهنّ. والكوافر: جمعُ كافرة، والعصم: جمعُ عصمة، وهي ما اعتُصِمَ به من العقدِ والسبب. وهذا نهيٌ من الله للمؤمنين عن الإقدامِ على نكاحِ النساءِ المشركاتِ من أهلِ الأوثان، وأمرٌ لهم بفراقهنّ.
﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾: هذا الحكمُ الذي حكمتُ بينكم مِن أمرِكم أيها المؤمنون بمسألةِ المشركين، وما أنفقتُم على أزواجِكم اللاتي لحقنَ بهم، وأمرهم بمسألتِكم مثلَ ذلكَ في أزواجهنَّ اللاتي لحقنَ بكم، حكمُ اللهِ بينكم، فلا تعتدوه، فإنهُ الحقُّ الذي لا يُسمَعُ غيره. واللهُ ذو علمٍ بما يُصلِحُ خلقَه، وغيرِ ذلكَ مِن الأمور، حكيمٌ في تدبيرهِ إيّاهم. (مختار من الطبري).
سورة الصف
1- ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.
قالَ المؤلفُ رحمَهُ الله: قد تقدَّمَ القولُ غيرَ مرةٍ في تسبيحِ الجمادات.
وقالَ في تفسيرِ الآيةِ الأولَى من سورةِ الحشر، وهي بلفظِ هذه الآيةِ الكريمة: قد تقدَّمَ القولُ في تسبيحِ الجمادات، التي يتناولها عمومُ ما في السماواتِ والأرض، وأن أهلَ العلمِ اختلفوا في ذلك، فقالَ قوم: ذلك على الحقيقة، وقالَ آخرون: ذلك مجاز، أي آثارُ الصنعةِ فيها والإيجادُ لها كالتسبيح، وداعيةٌ إلى التسبيحِ ممن له أن يسبِّح، قالَ مكيّ: ﴿ سَبَّحَ ﴾ معناه: صلَّى وسجد، فهذا كلُّهُ بمعنى الخضوعِ والطوع. ا.هـ.
وقالَ الإمامُ الطبريُّ رحمَهُ الله: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ مِن الخلق، مُذعِنين له بالألوهةِ والربوبيَّة.
5- ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾.
واللهُ لا يَهدي مَن خرجَ عن الطَّاعة، وأصرَّ على الضَّلال، ولم يسلُكْ مسالِكَ الهُدَى. (الواضح في التفسير).
6- ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾.
يعني: التوراةُ قد بشَّرتْ بي، وأنا مصداقُ ما أَخبرَتْ عنه. (ابن كثير).
7- ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.
واللهُ لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلموا أنفسَهم بكفرِهم به لإصابةِ الحقّ. (الطبري).
8- ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾.
واللهُ مُظهِرٌ دينَه، ناصرٌ رسولَه، ولو كرهَ الكافرونَ بالله. (الطبري).
9- ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾.
هوَ اللهُ الحقّ، الذي بعثَ نبيَّهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالقُرآنِ ليَهتَديَ بهِ النَّاس، وبالدِّينِ الثَّابتِ الصَّحيحِ ليُظهِرَهُ على سائرِ الأديان، بنَسخِهِ إيَّاها، والإبقاءِ على دينِ الإسلام، ولو كرهَ الكافرون بالله. (الواضح).
11- ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.
تؤمنون باللهِ ورسولهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وتجاهدون في دينِ الله، وطريقهِ الذي شرعَهُ لكم، بأموالِكم وأنفسِكم. وإيمانُكم باللهِ ورسوله، وجهادُكم في سبيلِ اللهِ بأموالِكم وأنفسِكم، خيرٌ لَكم مِن تضييعِ ذلكَ والتفريط، إنْ كنتُم تعلمونَ مضارَّ الأشياءِ ومنافعَها. (مختار من الطبري).
12- ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
فإنْ آمنتُم وجاهدتُم، يَغفرِ اللهُ ذنوبَكم، ويَرحمْكم، ويُسكِنْكُم جنَّاتٍ واسعات، تجري مِن تحتِها الأنهارُ بأنواعِها، وقصورٍ عالياتٍ طيِّباتٍ في جنَّاتِ إقامةٍ دائمة، وذلكَ هو الفوزُ والفلاحُ، والسَّعادةُ الدَّائمة. (الواضح).
13- ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
يقولُ تعالَى ذكرهُ لنبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وبشِّرْ يا محمدُ المؤمنينَ بنصرِ الله إيّاهم على عدوِّهم، وفتحٍ عاجلٍ لهم. (الطبري).