112- ﴿ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾.
أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوَّعون في مقاماتِ التكذيبِ والإفك. (ابن كثير).
سورة الحج
1- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾.
المأمورُ به مطلقُ التقوى، الذي هو التجنبُ عن كلِّ ما يؤثمُ من فعلٍ وترك، ويندرجُ فيه الإيمانُ بالله تعالى واليومِ الآخرِ حسبما وردَ به الشرعُ اندراجًا أوليًّا، لكن على وجهٍ يعمُّ الإيجادَ والدوام... (روح المعاني).
2- ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾.
إي إن شدَّةَ عذابهِ تعالَى تجعلُهم كما ترَى. (روح المعاني).
4- ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾.
﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ قالَ مجاهد: يعني الشيطان، يعني كتبَ عليه كتابةً قدرية، ﴿ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ ﴾ أي: اتَّبعَهُ وقلَّده، ﴿ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ أي: يُضلُّهُ في الدنيا، ويَقودهُ في الآخرةِ إلى عذابِ السعير، وهو الحارُّ المؤلمُ المزعجُ المـُقلق. (ابن كثير).
7- ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾.
﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ أي: كائنةٌ لا شكَّ فيها ولا مرية، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ أي: يُعيدُهم بعدَما صاروا في قبورِهم رِمَمًا، ويوجِدُهم بعدَ العدم.. (ابن كثير).
8- ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾.
ومِن النَّاسِ المعانِدينَ للحقّ، الجهَلَةِ المقلِّدين، مَن يجادلُ ويخاصمُ في شأنِ اللهِ وقدرتهِ على البعث، بغيرِ علمٍ صحيحٍ ومعرفةٍ مقبولة، ولا استنادٍ إلى وحي أو مصدرٍ فيهِ حُجَّةٌ وبرهان، بل هو مجرَّدُ رأي وهوًى. (الواضح).
9- ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾.
يجادلُ هذا المشركُ في الله بغيرِ علم، مُعرضاً عن الحقّ استكبـاراً، ليصدَّ المؤمنـين بـالله عن دينهم الذي هداهم له، ويستزلَّهم عنه. (الطبري).
10- ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فيعذبَهم بغيرِ ذنب، وهو جلَّ ذكرهُ على أيِّ وجهٍ شاءَ تصرَّفَ في عبدهِ فحُكمهُ عدل، وهو غيرُ ظالم. (البغوي).
11- ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾.
﴿ ذٰلِكَ ﴾ أي: خسرانُ الدارَين، ﴿ هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ ﴾: الظاهرُ الذي لا يخفَى على أحد. (النسفي).
14- ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾.
إنَّ اللهَ يُدخِلُ المؤمنين المخلِصين، الذين يُتبِعونَ إيمانَهم بالأعمالِ الحسنة، جنَّاتٍ عاليات، تجري مِن تحتِها الأنهار. واللهُ يفعلُ ما يريد، فيُعاقِبُ الكافرينَ لكفرِهم وعنادِهم، ويُثيبُ المؤمنين على إيمانِهم وأعمالِهم الصَّالحة. (الواضح).
17- ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
بالحكومةِ بينهم، وإظهارِ المحقِّ منهم على المبطل، أو الجزاء، فيجازي كلًّا ما يليقُ به، ويُدخلهُ المحلَّ المعدَّ له. (البيضاوي).
18- ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾.
ومَن يُهِنْهُ اللهُ مِن خَلقهِ فيُشقِهِ، فما له مِن مُكرِمٍ بالسعادةِ يُسعِدُهُ بها؛ لأن الأمورَ كلَّها بيدِ الله، يوفِّقُ مَن يشاءُ لطاعته، ويخذلُ مَن يشاء، ويُشقي مَن أراد، ويُسعِدُ مَن أحبّ. إنَّ اللهَ يفعلُ في خَلقهِ ما يشاء، مِن إهانةِ مَن أرادَ إهانتَه، وإكرامِ مَن أرادَ كرامتَه، [بحُكمهِ العدل]؛ لأنَّ الخَلقَ خَلقه، والأمرَ أمرُه. (الطبري، وما بين المعقوفتين من الواضح في التفسير).
20- ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾.
تذابُ به أحشاؤهم كما تذابُ به جلودهم. (البيضاوي).
22- ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ﴾.
مـما نالَهم من الغمِّ والكرب. (الطبري).
23- ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾
والمؤمنون الصَّالحون، الذين صدَقوا في إيمانِهم، وأحسَنوا في أعمالِهم، يُدخِلُهم اللهُ جنّاتٍ عاليات، تجري مِن تحتِ أشجارِها وقصورِها الأنهار. (الواضح).
25- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾.
﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: ويـمنعون الناسَ عن دينِ الله أن يدخـلوا فـيه. (الطبري).
﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾: الظاهرُ أن الوعيدَ على إرادةِ ذلك مطلقاً، فيفيدُ أن من أرادَ سيئةً في مكةَ ولم يعملها يحاسَبُ على مجردِ الإرادة، وهو قولُ ابنِ مسعود وعكرمة وأبي الحجاج، وقالَ الخفاجي: الوعيدُ على الإرادةِ المقارنةِ للفعل، لا على مجردِ الإرادة، لكنَّ في التعبيرِ بها إشارةً إلى مضاعفةِ السيئاتِ هناك والإرادةِ المصممةِ مما يؤاخذُ عليها أيضاً، وإن قيلَ إنها ليست كبيرة، وقد رُويَ عن مالكٍ كراهةُ المجاورةِ بمكة... (روح المعاني).
28- ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾.
وليَشكُروهُ على ما رزقَهم مِن الأنعام، مِن الهَدي والأضاحي، وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ والمـَعْز. (الواضح).
30- ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾.
إلاّ ما يُتلَى عليكم، مِن قولِهِ تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ﴾ [سورة المائدة: 3].
35- ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾.
أي: وينفقون مما آتاهم الله من طيِّبِ الرزق، على أهليهم وأرقّائهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويُحسنون إلى الخلق، مع محافظتهم على حدودِ الله، وهذه بخلافِ صفاتِ المنافقين، فإنهم بالعكسِ من هذا كلِّه. (ابن كثير).
36- ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.
﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾: ذكرَ أنه تقدَّمَ القولُ في الشعائر. ويعني الآية (32) من السورة، قولهُ تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾، وفيه قوله: "الشعائر": جمعُ شعيرة، وهي كلُّ شيءٍ لله تعالى فيه أمرٌ أشعرَ به وأعلَم. وقالت فرقة: قُصِدَ بالشعائرِ في هذه الآيةِ الهديُ والأنعامُ المشعَرة.
﴿ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾: نعمةً منّا لتتمكَّنوا من نحرها، لكي تشكروا إنعامَ الله عليكم. (الغوي).
37- ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾.
أي: من أجلِ ذلك سخَّرَ لكم البُدن. (ابن كثير).
40- ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.
﴿ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾: أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه، لا شريكَ له.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾: وصفَ نفسَهُ بالقوَّةِ والعزَّة، فبقوَّتهِ خلقَ كلَّ شيءٍ فقدَّرَهُ تقديرًا، وبعزَّتهِ لا يقهرهُ قاهر، ولا يغلبهُ غالب، بل كلُّ شيءٍ ذليلٌ لديه، فقيرٌ إليه. ومَن كانَ القويُّ العزيزُ ناصِرَهُ فهو المنصور، وعدوُّهُ هو المقهور.. (ابن كثير).
42- ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ﴾.
وهكذا كانَ موقفُ عادٍ مِن نبيِّهم هُود، وموقفُ ثَمودَ مِن صالح، عليهما السَّلام. (الواضح).
43- ﴿ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴾.
وقومُ إبراهيمَ أصرُّوا على عبادةِ الأصنامِ وكذَّبوا نبيَّهم حتَّى أوقَدوا النِّيرانَ ورمَوهُ فيها، وأنقذَهُ الله. وقومُ لُوطٍ أصرُّوا على فاحشةِ اللِّواطِ وكذَّبوا نبيَّهم كذلك. (الواضح).
44- ﴿ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ﴾.
وكذا كانَ موقفُ أصحابِ مَدْيَنَ مِن نبيِّهم شُعَيب... (الواضح).
45- ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾.
أي: متروكة؛ لفقدِ دلوها ورشائها، وفقدِ تفقُّدها، أو هي عامرةٌ فيها الماءُ ومعها آلاتُ الاستقاء، إلا أنها عُطِّلت، أي: تُركتْ لا يُستقَى منها، لهلاكِ أهلها. (النسفي).
46- ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾.
أو آذانٌ تصغي لسماعِ الـحقِّ فتَعي ذلكَ وتـميِّزُ بـينهُ وبـين البـاطل. (الطبري).
47- ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾.
ويستعجلونكَ يا محمَّدُ مشركو قومِكَ بما تَعِدهُم مِن عذابِ اللهِ على شركِهم به وتكذيبِهم إيّاكَ فيما أتـيتَهم به مِن عندِ اللهِ في الدنـيا. (الطبري).
48- ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾.
﴿ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ ﴾: وكم من أهلِ قرية. (البيضاوي).
﴿ وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾: وإليَّ مصيرُهم أيضًا بعدَ هلاكهم، فيلقَونَ مِن العذابِ حينئذٍ ما لا انقطاعَ له... (الطبري).
49- ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾.
أبيِّنُ لكم إنذاري ذلك وأُظهرهُ لتُنيبوا من شرككم وتَحذَروا ما أُنذركم من ذلك، لا أملكُ لكم غيرَ ذلك... (الطبري).
52- ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾.
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ أي: بما يكونُ مِن الأمورِ والحوادث، لا تخفَى عليه خافية، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: في تقديرهِ وخَلقهِ وأمره، له الحكمةُ التامَّةُ والحجَّةُ البالغة. (ابن كثير).
54- ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.
أي: في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فيُرشدهم إلى الحقِّ واتباعه، ويوفِّقهم لمخالفةِ الباطلِ واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراطَ المستقيمَ الموصلَ إلى درجاتِ الجنات، ويزحزحهم عن العذابِ الأليمِ والدركات. (ابن كثير).
56- ﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾.
فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومَن جاءَ به، وعملوا بما فيه، مِن حلالهِ وحرامه، وحدودهِ وفرائضه، في جنّاتِ النعيمِ يومئذ. (الطبري).
57- ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾.
والذين كفروا باللهِ ورسوله، وكذَّبوا بآياتِ كتابهِ وتنزيله، وقالوا: ليسَ ذلكَ مِن عندِ الله، إنما هو إفكٌ افتراهُ محمَّدٌ وأعانَهُ عليه قومٌ آخرون، ﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ يقول: فالذين هذه صفتُهم، لهم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ عذابٌ مهين، يعني عذابٌ مذلٌّ في جهنَّم. (الطبري).
58- ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾.
وإنَّ اللهَ لهو خيرُ مَن بسطَ فضلَهُ علـى أهلِ طاعتهِ وأكرمَهم. (الطبري).
59- ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾.
﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ ﴾ بأحوالهم وأحوالِ معادهم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجلُ في العقوبة. (البيضاوي).
60- ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾.
واللهُ عفوٌّ، مُحِبٌّ للعفو، فأحِبُّوا العفوَ مِثلَه، غفور، يتجاوزُ عن ذنوبِ الناسِ إذا رأى منهم توبةً وندمًا، فاعفُوا عنهم أنتم كذلكَ واغفِروا لهم، ليُعاملَكمُ اللهُ بعفوهِ ومغفرتِه، كما تعاملتُم بذلك مع عبادِه. (الواضح في التفسير).
61- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾.
فلا يخفَى عليه ما يجري فيهما على أيدي عبادهِ من الخيرِ والشرِّ والبغي والإنصاف، وأنه سميعٌ لما يقولون، ولا يشغلهُ سمعٌ عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصواتُ بفنونِ اللغات، بصيرٌ بما يفعلون، ولا يسترُ عنه شيءٌ بشيءٍ في الليالي وإن توالتِ الظلمات. (النسفي).
62- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ أي: الإلهُ الحقُّ الذي لا تنبغي العبادةُ إلا له؛ لأنه ذو السلطانِ العظيم، الذي ما شاءَ كانَ وما لم يشأْ لم يكن، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه، ذليلٌ لديه، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ أي: مِن الأصنامِ والأندادِ والأوثان، وكلُّ ما عُبِدَ مِن دونهِ تعالَى فهو باطل؛ لأنه لا يملكُ ضرًّا ولا نفعًا. ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ كما قال: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ﴾ [سورة البقرة: 255] وقال: ﴿ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴾ [سورة الرعد: 9]. فكلُّ شيءٍ تحت قهرهِ وسلطانهِ وعظمته، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه؛ لأنه العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، العليُّ الذي لا أعلَى منه، الكبيرُ الذي لا أكبرَ منه، تعالَى وتقدَّس، وتنزَّهَ عزَّ وجلَّ عمّا يقولُ الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا. (ابن كثير).
64- ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾.
﴿ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ خلقاً وملكاً، ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ في ذاتهِ عن كلِّ شيء، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾: المستوجبُ للحمدِ بصفاتهِ وأفعاله. (البيضاوي).
65- ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
تفسيرُ الآية: ألم تنظرْ وتتفكَّرْ أيُّها العاقلُ كيفَ ذلَّلَ اللهُ لكم ما في الأرضِ لتنتفِعوا بها وتَقضُوا بها حوائجَكم، مِن الدوابِّ والنَّباتِ والمعادنِ وغيرِها.
وهذهِ السُّفنُ بأنواعِها وأحجامِها تَمخُرُ عُبابَ البحار، بتسخيرِهِ وتهيئتهِ المياهَ لذلك، بحسبِ ما يضعُ اللهُ فيها من نواميسَ وقوانينَ فيزيائيَّة، فتطفو عليها، فتحملُكم وما ترغبونَ من حاجاتِكم لتنقُلَكم إلى ما وراءَ البحار.
ومِن لطفهِ وقدرتهِ تعالَى إمساكُ السَّماءِ لئلاّ تقعَ على الأرض، إلاّ إذا شاءَ ذلك، بما وضعَ فيها أيضًا مِن نواميس، وجعلَها قويَّةً متماسكة.
واللهُ رؤوفٌ بعبادِه، رحيمٌ بهم، فأمَّنَ لهم الأرضَ التي يعيشونَ عليها حتَّى لا تسقطَ عليها أجرامٌ سماويَّةٌ فتُهلِكَهم، وسخَّرَ لهم ما فيها لأجلِ مصالحِهم. (الواضح).
66- ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ﴾.
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى أَحْيَاكُمْ ﴾ في أرحامِ أمَّهاتِكم، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ لإيصالِ جزائكم، ﴿ إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ ﴾: لجحودٌ لما أفاضَ عليه من ضروبِ النعم، ودفعَ عنه من صنوفِ النقم... (النسفي).
68- ﴿ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
وإذا ناقشكَ وخاصمكَ المشركونَ في أمرِ الدِّينِ وقد ظَهرتِ الحجَّةُ عليهم، فقُلْ لهم على سبيلِ الوعيدِ والتَّهديد: اللهُ أعلمُ بما تخوضونَ فيهِ مِن العنادِ والبطلان. (الواضح في التفسير).
69- ﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾.
واللهُ يقضي بـينكم يومَ القـيامة فيما كنتـم فـيه من أمرِ دينِكم تختلفون، فتعلـمونَ حينئذٍ أيها الـمشركونَ الـمُـحِقَّ من الـمُبطل. (الطبري).
71- ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾.
أي: ولا علمَ لهم فيما اختلقوهُ وائتفكوه، وإنما هو أمرٌ تلقَّوهُ عن آبائهم وأسلافهم بلا دليلٍ ولا حجة، وأصلهُ مما سوَّلَ لهم الشيطان، وزيَّنَهُ لهم، ولهذا توعَّدَهم تعالى بقوله: ﴿ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ أي: مِن ناصرٍ ينصرُهم من الله فيما يَحلُّ بهم من العذابِ والنكال. (ابن كثير).
72- ﴿ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾.
أي: وبئسَ النارُ منزلًا ومقيلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا، ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [سورة الفرقان: 66]. (ابن كثير).
73- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾.
﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾: أي: أنصِتوا وتفهَّموا. (ابن كثير).
﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾: إن جميعَ ما تعبدون من دونِ الله من الآلهةِ والأصنامِ لو جُمعت لم يَخـلقوا ذبـابـاً في صغرهِ وقلَّته، لأنها لا تقدرُ علـى ذلك ولا تُطيقه. (الطبري).
74- ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.
إنَّ اللهَ لقويٌّ على خَـلق ما يشاء، مِن صغيرِ ما يشاءُ مِن خَـلقهِ وكبـيره. ﴿ عَزِيزٌ ﴾ يقول: منـيعٌ في مُلكه، لا يقدرُ شيءٌ دونَهُ أنْ يسلبَهُ مِن ملكهِ شيئًا، وليسَ كآلهتِكم أيها المشركون، الذين تَدْعون مِن دونهِ الذين لا يقدرون على خَلقِ ذباب، ولا على الامتناعِ مِن الذبابِ إذا استلبَها شيئًا، ضعفًا ومهانة. (الطبري).
75- ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾.
أي: سميعٌ لقولهم، بصيرٌ بمن يختارهُ لرسالته. (البغوي).
76- ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾.
إلـى اللهِ في الآخرةِ تصيرُ إلـيه أمورُ الدنـيا، وإلـيهِ تعودُ كما كانَ منهُ البدء. (الطبري).
77- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، اركعوا للهِ فـي صلاتِكم، واسجدوا له فـيها، ﴿ وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ يقول: وذلُّوا لربِّكم، واخضعوا له بـالطاعة. (الطبري).
78- ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
﴿ فَنِعْمَ المَوْلَى ﴾ يقول: فنعمَ الوليُّ الله لمن فعلَ ذلك منكم، فأقامَ الصلاةَ وآتَى الزكاة، وجاهدَ في سبيلِ الله حقَّ جهاده، واعتصمَ به، ﴿ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ يقول: ونعمَ الناصرُ هو له على مَن بغاهُ بسوء. (الطبري).