الهدية في الاستدراك على تفسير ابن عطية (6)
أ. محمد خير رمضان يوسف
سورة آل عمران (96 - آخر السورة)
الجزء الرابع
96- ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾.
﴿ مُبَارَكاً ﴾ أي: كثيرَ الخير؛ لما أنه يضاعَفُ فيه ثوابُ العبادة. قالهُ ابنُ عباس، ﴿ وَهُدًى ﴾ أي: هادٍ لهم إلى الجنةِ التي أرادها سبحانه، أو هادٍ إليه - جلَّ شأنهُ - بما فيه من الآياتِ العجيبة. (روح المعاني، باختصار).
99- ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾.
قالَ في تفسيرِ مثلها في الآية (140) من سورةِ البقرة: وعيدٌ وإعلامٌ أنه لا يَتركُ أمرَهم سُدًى، وأن أعمالَهم تُحصَّلُ ويُجازَون عليها. والغافلُ: الذي لا يفطنُ للأمورِ إهمالاً منه، مأخوذٌ من الأرضِ الغُفل، وهي التي لا مَعْلَمَ بها.
100- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾
يضلُّوكم فيردُّوكم بعد تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعد إقرارِكم بما جاءَ به من عندِ ربِّكم، جاحدينَ لما قد آمنتـُم به وصدَّقتموهُ من الحقِّ الذي جاءَكم من عندِ ربِّكم.
فنهاهم جلَّ ثناؤهُ أن ينتصحوهم ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورة، ويعلـِّمُهم تعالى ذكرهُ أنهم لهم منطوونَ علـى غلٍّ وغشٍّ، وحسدٍ وبغض. (الطبري).
101- ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.
أي: ومع هذا، فالاعتصامُ بالله، والتوكلُ عليه، هو العمدةُ في الهداية، والعُدَّةُ في مباعدةِ الغواية، والوسيلةُ إلى الرشاد، وطريقِ السداد، وحصولِ المراد. (ابن كثير).
106- ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾.
أي: بما كنتم تجحدونَ في الدنيا ما كان اللهُ قد أخذَ ميثاقَكم بالإقرارِ به والتصديق. (الطبري).
108- ﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾.
قالَ بعضهم: معناه: لا يعاقبهم بلا جُرم. وقالَ الزجّاج: أُعلِمنا أنه يعذِّبُ مَن عذَّبَهُ باستحقاق. (زاد المسير).
109- ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾.
قالَ في تفسيرها في الآيةِ (210) من سورةِ البقرة: وهي راجعةٌ إليه تعالى، قبلُ وبعد، وإنما نبَّهَ بذكرِ ذلك في يومِ القيامةِ على زوالِ ما كان منها إلى الملوكِ في الدنيا.
110- ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾.
تأمرونَ الناسَ بالخير، وتَنشرونَ الحقَّ والعدل، وتحثُّون على الفضائلِ والآدابِ الحسنة، وتَنهونَهم عنِ المنكراتِ والفواحشِ والأخلاقِ المسترذَلة، وتؤمنونَ باللهِ الواحدِ الأحد، فتعبدونَهُ ولا تُشركونَ به شيئاً. (الواضح).
112- ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾.
تفسيرها: لقد ألزمَهمُ اللهُ الذلَّةَ والمهانةَ أينما كانوا، وصارَ هذا مُلازِماً لهم حتَّى استكنَّ في مشاعرِهم، ولن يَجدوا راحةً ولا استقراراً إلاّ بذمَّةٍ من الله، وهو أن يكونوا ذمِّيينَ في الدولةِ الإسلامية، يُلزَمونَ بدفعِ الجزية، أو بعهدٍ من الناس، كأمانٍ منهم لهم، أو معاهداتٍ بينهم وبين دولٍ كبرَى يَتقوَّونَ بها. (الواضح).
115- ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾.
والله ذو علـمٍ بمن اتَّقاه، بطاعتهِ واجتنابِ معاصيه، وحافظٌ أعمالَهمُ الصالحةَ حتى يثيبَهم عليها، ويجازيَهم بها، تبشيرًا منه لهم جلَّ ذكرهُ في عاجلِ الدنيا، وحضًّا لهم على التمسُّكِ بـالذي هم عليه من صالحِ الأخلاقِ التي ارتضاها لهم (الطبري).
117- ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.
وما ظلمَهمُ الله، بل همُ ظَلموا أنفسَهم عندَما اختَاروا لأنفسِهمُ الغَيَّ والضَّلال (الواضح في التفسير).
118- ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.
قد بـيَّنا لكم من أمرِ هؤلاء الـيهودِ الذين نهيناكم أنْ تتَّـخذوهم بطانةً مِن دونِ الـمؤمنـينَ ما تعتبرونَ وتتَّعظونَ به مِن أمرِهم... (تفسير الطبري).
122- ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
عن ابنِ إسحاق: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾: أي الدافعُ عنهما ما همّا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعفٍ ووهنٍ أصابهما من غيرِ شكٍّ أصابهما في دينهما، فتولَّى دفعَ ذلك عنهما برحمتهِ وعائدته، حتى سلِمَتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبـيِّهما صلَّى الله عليه وسلَّم.
يقول: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: من كان به ضعفٌ من الـمؤمنـين أو وهنٌ فلـيتوكَّلْ علـيّ، ولـيستعنْ بي، أُعِنْهُ علـى أمره، وأدفعْ عنه، حتى أبلغَ به وأقوِّيَهُ على نـيَّته. (الطبري).
126- ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
العزيزُ إشارةٌ إلى كمالِ قدرته، والحكيمُ إشارةٌ إلى كمالِ علمه، فلا يخفَى عليه حاجاتُ العباد، ولا يعجزُ عن إجابةِ الدعوات، وكلُّ من كان كذلك لم يتوقَّعِ النصرَ إلا من رحمته، ولا الإعانةَ إلا من فضلهِ وكرمه. (التفسير الكبير للرازي).
129- ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
يغفرُ لمن يشاءُ منهم فيُدخلُهم الجنَّة، ويعذِّبُ مَن يشاءُ منهم في النّار، وقضاؤهُ هذا بالحكمةِ والعدل، وبالرحمةِ والمغفرة. (الواضح).
130- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
واتَّقوا اللهَ أيها الـمؤمنونَ فـي أمرِ الربا فلا تأكلوه، وفي غيرهِ ممّا أمرَكم به، أو نهاكم عنه، وأطيعوهُ فـيه لعلكم تفلـحون، يقول: لتنـجحوا؛ فتنجوا مِن عقابه، وتُدركوا ما رغَّبكم فـيه مِن ثوابه، والخلودِ في جنانه. (الطبري).
132- ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾.
قالَ رحمَهُ الله: هي ابتداءُ المعاتبةِ في أمرِ أُحُد، وانهزامِ مَن فرَّ، وزوالِ الرماةِ عن مراكزهم. اهـ.
وقالَ الطبريُّ رحمَهُ الله: يعنـي بذلك جلَّ ثناؤه: وأطيعوا الله أيها الـمؤمنونَ فـيـما نهاكم عنه، من أكلِ الربـا وغيرهِ من الأشياء، وفـيـما أمرَكم به الرسول؛ لتُرحَموا فلا تعذَّبوا (باختصار).
136- ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.
جنات، وهي البساتـين، ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ﴾ يقول: تـجري خلالَ أشجارها الأنهار، وفي أسافلها، جزاءً لهم على صالحِ أعمالهم، ﴿ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ﴾ يعني دائمي المقامِ في هذه الجناتِ التـي وصفها، ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ﴾ يعنـي ونعمَ جزاءُ العاملين للهِ الجناتُ. (الطبري).
140- ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.
يعنـي به: الذين ظلـموا أنفسَهم بـمعصيتِهم ربَّهم. (الطبري).
142- ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.
أي: لا يحصلُ لكم دخولُ الجنَّةِ حتى تُبتَلَوا، ويرَى اللهُ منكم المجاهدينَ في سبيله، والصابرينَ على مقارنةِ الأعداء. (ابن كثير).
148- ﴿ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
أي: هم محسنون والله يحبُّهم. (النسفي).
149- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾.
يحذِّرُ تعالى عبادَهُ المؤمنين عن طاعةِ الكافرين والمنافقين، فإن طاعتَهم تورثُ الردَى في الدنيا والآخرة. (ابن كثير).
150- ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾.
﴿ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ ﴾: ولـيُّكم وناصرُكم علـى أعدائكم الذين كفروا، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النّاصرِين ﴾، لا مَن فررتـُم إلـيه ِمن الـيهودِ وأهلِ الكفرِ بـالله، فبـالله ِالذي هو ناصرُكم ومولاكم فـاعتصِموا، وإيّاهُ فـاستنصِروا، دونَ غيرهِ ممَّن يبغيكم الغوائلَ ويرصدُكم بـالـمكاره. (تفسير الطبري).
152- ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
والله ذو طَولٍ علـى أهلِ الإيـمانِ به وبرسوله، بعفوهِ لهم عن كثـيرِ ما يستوجبونَ به العقوبةَ علـيه من ذنوبهم، فإنْ عاقبَهم علـى بعضِ ذلك، فذو إحسانٍ إلـيهم بجميـلِ أياديهِ عندهم. (الطبري).
153- ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
يعني جلَّ ثناؤه: واللهُ بالذي تعملون - أيها المؤمنون، من إصعادكم فـي الوادي هربًا مِن عدوِّكم، وانهزامِكم منهم، وتركِكم نبيَّكم وهو يدعوكم في أُخراكم، وحزنِكم على ما فاتَكم مِن عدوِّكم، وما أصابكم في أنفسِهم - ذو خبرةٍ وعلم، وهو مُحصٍ ذلك كلَّه علـيكم، حتى يجازيَكم به، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفوَ عنه (الطبري).
156- ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
أي: وعلمهُ وبصرهُ نافذٌ في جميعِ خلقه، لا يخفَى عليه مِن أمورِهم شيء. (ابن كثير).
159- ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ عليه، الواثقينَ به، المنقطعينَ إليه، فينصرهم ويرشدُهم إلى ما هو خيرٌ لهم، كما تقتضيهِ المحبَّة. (روح المعاني).
160- ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾.
يعني لما ثبتَ أن الأمرَ كلَّهُ بيدِ الله، وأنه لا رادَّ لقضائه، ولا دافعَ لحكمه، وجبَ أن لا يتوكَّلَ المؤمنُ إلا عليه. وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ يفيدُ الحصر، أي: على الله فليتوكَّلِ المؤمنون، لا على غيره. (التفسير الكبير للرازي).
161- ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.
﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ﴾: ثم تُعطَى كلُّ نفسٍ جزاءَ ما كسبتْ بكسبها وافـيًا، غيرَ منقوصٍ ما استـحقَّهُ واستوجبَهُ من ذلك.
﴿ وَهُمْ لا يُظْلَـمُونَ ﴾ يقول: لا يُفعَلُ بهم إلا الذي ينبغي أن يُفعَلَ بهم، من غيرِ أن يُعتدَى عليهم فيُنقَصوا عمَّا استحقُّوه. (تفسير الطبري).
162- ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾.
فاستحقَّ بذلك سكنَى جهنم، وبئسَ المصيرُ الذي يصيرُ إليه ويؤوبُ إليه. (تفسير الطبري، باختصار).
163- ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾.
أي: وسيُوفيهم إيّاها، لا يظلمُهم خيرًا، ولا يزيدهم شرًّا، بل يُجازي كلاًّ بعمله. (ابن كثير).
165- ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
إنَّ اللهَ على جميعِ ما أرادَ بخلقه، مِن عفوٍ وعقوبة، وتفضُّلٍ وانتقام، قدير، يعنـي ذو قدرة. (الطبري).
170- ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.
فسَّرها في الآية (38) من السورة: ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. قالَ في آخره: ويحتملُ قولهُ تعالى: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي فيما بين أيديهم من الدنيا، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما فاتهم منها، ويحتملُ أن ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يومَ القيامة، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فيه، ويحتملُ أن يريدَ أنه يُدخلهم الجنة، حيثُ لا خوفٌ ولا حزن.
171- ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
معناها: لا يبطلُ جزاءَ أعمالِ مَن صدقَ رسولَهُ واتَّبعهُ وعملَ بما جاءَهُ من عندِ الله (الطبري).
172- ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ﴾ بطاعةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وإجابتهِ إلى الغزو، ﴿ وَاتَّقَوْا ﴾ معصيته، ﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾. (تفسير البغوي).
173- ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
﴿ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾: قد جمعوا الرجالَ للقائكم، والكرَّةَ إليكم لحربكم.
﴿ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ﴾ يكفينا الله، ونعم المولَى لمن ولِـَيُه وكفله. (الطبري، باختصار).
174- ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾
﴿ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ يعنـي: لم ينَلْهم بها مكروهٌ من عدوِّهم ولا أذى.
﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ يعني بذلك أنهم أرضَوا اللهَ بفعلهم ذلك، واتِّبـاعِهم رسولَهُ إلـى ما دعاهم إلـيه، من اتِّبـاعِ أثرِ العدوِّ، وطاعتهم.
﴿ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيـمٍ ﴾ يعني: والله ذو إحسانٍ وطَولٍ عليهم، بصرفِ عدوِّهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرَّة إليهم، وغيرِ ذلك من أياديهِ عندهم، وعلى غيرهم بنعمه، عظيمٍ عندَ من أنعمَ به عليهِ من خلقه. (تفسير الطبري).
175- ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.
فإِن الإِيمانَ يقتضي إيثارَ خوفِ الله تعالى على خوفِ الناس. (البيضاوي).
176- ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
يريدُ الله ألّا يجعلَ لهؤلاء الذين يسارعون في الكفرِ نصيباً في ثوابِ الآخرة، فلذلك خذلهم، فسارعوا فيه. ثم أخبرَ أنهم مع حرمانهم ما حُرِموا من ثوابِ الآخرة، لهم عذابٌ عظيمٌ في الآخرة، وذلك عذابُ النار. (الطبري).
177- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
لن يضرّوا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئاً، بل إنما يضرُّون بذلك أنفسَهم بإيجابهم بذلك لها من عقابِ الله ما لا قِبلَ لها به. (الطبري).
179- ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.
ويختارُ اللهُ مِن رسلهِ مَن يشاء، كمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ليَتبيَّنَ مَن يتَّبعهُ ومَن لا يتَّبعُه، ومَن يُعاديهِ مِن غيرِه، فيتميَّزُ الخبيثُ مِن الطيِّب، ويُخبرُهُ اللهُ بما صدرَ عن المنافقين مِن أقوالٍ وأفعال، فيَفضَحُهم، ويخلِّصُكم مِن شرِّهم وإيذائهم.
فأطيعوا اللهَ واتَّبِعوا ما يأمرُكم بهِ رسولُهُ ممّا شرعَ لكم، وإنْ تؤمنوا باللهِ حقَّ الإيمان، وتتَّقوهُ بمراعاةِ حقوقِه، فلكم ثوابٌ عظيمٌ لا تعرفونَ قَدْرَه. (الواضح).
180- ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.
أي: لا يحسبنَّ البخيلُ أن جمعَهُ المالَ ينفعه، بل هو مضرَّةٌ عليه في دينه، وربما كان في دنياه.
﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ أي: بنيَّاتكم وضمائركم. (ابن كثير).
183- ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.
أي: فيما يدلُّ عليه كلامُكم، من أنكم تؤمنون لرسولٍ يأتيكم بما اقترحتموه. (روح المعاني).
184- ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾.
فإنهم إنْ فعلوا ذلكَ بكَ فكذَّبوك، كذَبوا على الله، فقد كذَّبتْ أسلافُهم مِن رسلِ اللهِ قبلكَ مَن جاءَهم بالحُجَجِ القاطعةِ العذر، والأدلَّةِ الباهرةِ العقل، والآياتِ المعجزةِ الخَلق، وذلكَ هو البـيِّنات. (الطبري).
187- ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾.
وتعوَّضوا عمّا وعدوا عليه من الخيرِ في الدنيا والآخرةِ بالدونِ الطفيف، والحظِّ الدنيويِّ السخيف، فبئستِ الصفقةُ صفقتهم، وبئستِ البيعةُ بيعتهم.
وفي هذا تحذيرٌ للعلماءِ أن يسلكوا، مسلكهم فيصيبَهم ما أصابهم، ويسلكَ بهم مسالكهم، فعلى العلماءِ أن يبذلوا ما بأيديهم من العلمِ النافع، الدالِّ على العملِ الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا... (ابن كثير).
188- ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
ولهم عذابٌ في الآخرةِ أيضاً مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل. (الطبري).
192- ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾.
أي: يومَ القيامةِ لا مُجيرَ لهم منك، ولا محيدَ لهم عمّا أردتَ بهم. (ابن كثير).
193- ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾.
أنْ آمِنوا بربِّكم، مالكِكم ومُتَولِّي أمورِكم، فامتَثلنا أمرَه، وأجبنَا نداءَهُ واتَّبعناه، اللهمَّ فذاكَ إيمانُنا، وهذا دعاؤنا، فاغفرْ لنا ذنوبنَا، كبيرَها وصغيرَها، وألحِقنا بعبادِكَ الصالحينَ الأبرار، خُصَّنا بصحبتِهم، واجعلنا في جوارِهم. (الواضح).
194- ﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾.
إنَّكَ لا تُخلِفُ ما وعدتَ بهِ منَ الفضلِ والرَّحمة. (الواضح).
195- ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾.
يعني: لأمحونَّها عنهم، ولأتفضَّلنَّ عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنَّها لهم، ولأدخلنَّهم جناتٍ تجري مِن تحتها الأنهار، جزاءً لهم على ما عملوا وأبلَوا في اللهِ وفي سبيله، مِن قِبَل اللهِ لهم، واللهُ عندَهُ مِن جزاءِ أعمالهم جميعُ صنوفه، وذلك ما لا يبلغهُ وصفُ واصِف. (الطبري، باختصار).
198- ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾.
وفي مقابِلهمُ المؤمنون، الذينَ سمعوا نداءَ الإيمانِ فآمنوا وثبتُوا، وعزمُوا على الأعمالِ الصَّالحةِ والتزَموا، فجازاهمُ اللهُ جنَّاتٍ واسعات، تجري في خلالها الأنهارُ المتنوِّعة.. (الواضح).
200- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
يعني بذلكَ تعالَى ذكره: واتَّقوا اللهَ أيها المؤمنون، واحذروهُ أنْ تـخالفوا أمرَه، أو تتقدَّموا نهيَه، لتُفلحوا، فتبقوا في نعيمِ الأبد، وتنجحوا فـي طلباتِكم عنده. (الطبري).