عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 12-11-2020, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,349
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الهدية في الاستدراك على تفسير ابن عطية

الهدية في الاستدراك على تفسير ابن عطية (3)


أ. محمد خير رمضان يوسف



سورة البقرة (102 - 199)

102- ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.
بضارِّين بالذي تعلَّموه منهما، من المعنى الذي يفرِّقون به بين المرءِ وزوجه... (الطبري).

103- ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾.
أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله، واتقَوا المحارم، لكان مثوبةُ الله على ذلك خيرًا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به. (ابن كثير).

104- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فسَّرَ "الأليمَ" في أكثرَ من موضعٍ بالمؤلم.
وقالَ الطبري: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليم، يعني بقولهِ "الأليم": الموجع.

105- ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فإِنَّ قلوبَهُم تَغلِي بالحقدِ والحسدِ على ما خصَّكُم اللهُ به من رحمتهِ الواسعةِ وفضلِهِ الكبير، فأَنزلَ الوحيَ على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وهو بين ظَهرَانَيكُم، فاستمسِكوا بهذا الذي يَحسدُونَكُم عليه، واشكُروا فضلَه، ليَحفظَهُ فيكم ويزيدَكُم منه، وليسَ هناكَ أجلُّ مِن نعمةِ الإيمانِ والاستجابةِ لدعوةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاحرِصوا على ذلك. (الواضح).

109- ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
قالَ رحمهُ الله: مقتضاهُ في هذا الموضعِ وعدٌ للمؤمنين.
وقالَ الطبريُّ رحمهُ الله في تفسيره: إنَّ اللهَ على كلِّ ما يشاءُ بالذين وصفتُ لكم أمرَهم مِن أهلِ الكتابِ وغيرهم قديرٌ، إنْ شاءَ الانتقامَ منهم بعنادِهم ربَّهم، وإنْ شاءَ هداهم لما هداكم اللهُ له مِن الإيمان، لا يتعذَّر علـيه شيءٌ أراده، ولا يتعذَّر علـيه أمرٌ شاءَ قضاءه؛ لأنَّ له الـخـلقَ والأمر.

110- ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾: ومهما تعملوا من عملٍ صالحٍ في أيامِ حياتكم، فتقدِّموهُ قبلَ وفاتكم، ذُخرًا لأنفسِكم في معادِكم...

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قالَ مؤلِّفُه: خبرٌ في اللفظِ معناهُ الوعدُ والوعيد.
وقال الطبري: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤهُ للذين خاطبهم بهذه الآياتِ مِن المؤمنينَ أنهم مهما فعلوا مِن خيرٍ وشرٍّ، سِرًّا وعلانية، فهو به بصير، لا يخفَى عليه منه شيء، فيجزيهم بـالإحسانِ جزاءه، وبـالإساءةِ مثلها.

وهذا الكلامُ وإنْ كان خرجَ مخرجَ الخبر، فإن فيه وعدًا ووعيدا، وأمرًا وزجرًا، وذلكَ أنه أعلمَ القومَ أنه بصيرٌ بجميعِ أعمالهم، ليجدُّوا في طاعته، إذ كان ذلكَ مذخورًا لهم عندهُ حتى يُثيبَهم عليه.

111- ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.
إن كنتم صادقين بأن الجنةَ لا يدخلها إلا مَن كان هودًا أو نصارَى. (زاد المسير).

112- ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾.
مصدِّقٌ بالقرآن (النسفي).
وقالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ الله: أي: اتبعَ فيه الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن للعملِ المتقبَّلِ شرطين، أحدهما: أن يكون صواباً خالصاً لله وحده، والآخر: أن يكونَ صواباً موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً ولم يكنْ صواباً، لم يتقبل، ولهذا قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَن عملَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردّ". رواهُ مسلمٌ من حديثِ عائشةَ عنه عليه الصلاةُ والسلام، فعملُ الرهبان ومن شابههم، وإن فُرِضَ أنهم مخلصون فيه لله، فإنه لا يتقبلُ منهم، حتى يكونَ ذلك متابعاً للرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، المبعوثِ إليهم وإلى الناسِ كافَّة، وفيهم وأمثالهم قالَ الله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ [سورة الفرقان: 23]، وقالَ تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾[سورة النور: 39].

114- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾.
ولهم على معصيتِهم وكفرهم بربِّهم وسعيهم فـي الأرضِ فساداً عذابُ جهنـم. (الطبري).

118- ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ .
قالوا: هلاَّ كلَّمَنا الله عياناً بأنكَ رسوله، أو تأتينا بآيةٍ دلالةً وعلامةً على صدقِكَ في ادِّعائكَ النبوة؟ (البغوي، باختصار).

120- ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ ﴾ يا محمدُ هوَى هؤلاءِ اليهودِ والنصارى، فيما يرضيهم عنكَ من تهوُّدٍ وتنصُّر، فصرتَ من ذلك إلى إرضائهم، ووافقتَ فيه محبَّتَهم من بعدِ الذي جاءكَ من العلمِ بضلالتهم وكفرهم بربِّهم، ومن بعدِ الذي اقتصصتُ علـيكَ من نبئهم في هذه السورة... (الطبري).

123- ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾.
تفسيرها: واحذَروا حسابَ ذلكَ اليوم، الذي لا تَقضي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً منَ الحقوقِ والجزاء، ولا يُقبَلُ منها فديةٌ، ولا يُفيدُها واسطةُ أحد، ولا يُنتَصَرُ لهم فيُمنَعُوا مِن العذاب. (الواضح).

126- ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾.
أي: من أنواعها، بأنْ تُجعلَ قريبًا منه قرًى يحصلُ فيها ذلك، أو تجيءُ إليه من الأقطارِ الشاسعة - وقد حصلَ كلاهما - أي أنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفيةُ في يومٍ واحد! (روح المعاني).

131- ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
قالَ إبراهيمُ مجيباً لربِّه: خضعتُ بالطاعة، وأخلصتُ بالعبادةِ لمالكِ جميعِ الخلائقِ ومدبِّرها دون غيره. (الطبري).

133- ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
قالَ بنوهُ له: نعبدُ معبودكَ الذي تعبده، ومعبودَ آبائكَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهًا واحدًا، أي: نُـخـلِصُ له العبـادة، ونوحِّدُ له الربوبـية، فلا نشركُ به شيئًا، ولا نتَّـخذُ دونهُ ربًّا.
ويعني بقوله: ﴿ وَنَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ ﴾: ونـحن له خاضعونَ بـالعبوديةِ والطاعة. (تفسير الطبري).

134- ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
ودَعُوا الاتِّكالَ على فضائلِ الآبـاءِ والأجداد، فإنما لكم ما كسبتم، وعليكم ما اكتسبتم، ولا تُسألون عمّا كان إبراهيمُ وإسماعيـلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسبـاطُ يعملون من الأعمال، لأن كلَّ نفسٍ قدمتْ على الله يومَ القيامةِ فإنما تُسألُ عمّا كسبتْ وأسلفت، دون ما أسلفَ غيرُها. (الطبري).

135- ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.
قالَ رحمَهُ الله: وقولهم: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ نظيرُ قولهم: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [سورة البقرة: 111].
قالَ ابن الجوزي في (زاد المسير): معناه: قالتِ اليهود: كونوا هوداً، وقالتِ النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا.

136- ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾.
ونـحن له خاضعونَ بـالطاعة، مذعنونَ له بـالعبودية. (الطبري).

137- ﴿ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾.
فقد أصابوا الحقَّ وأُرشِدوا إليه. (ابن كثير).

138- ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾.
قال ابنُ جرير الطبري: اتَّبِعوا ملَّةَ إبراهيم، صبغةَ الله التي هي أحسنُ الصبغ، فإنها هي الحنيفيةُ المسلمة، ودَعوا الشركَ بالله والضلالَ عن محبةِ هداه.
﴿ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾: يعني ملَّةَ الخاضعينَ لله، المستكينينَ له، في اتِّباعِنا ملَّة إبراهيمَ ودينونتِنا له بذلك، غيرَ مستكبرينَ في اتَّباعِ أمرهِ والإقرارِ برسالةِ رسله، كما استكبرتِ اليهودُ والنصارى، فكفروا بمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ استكبارًا وبغيًا وحسدًا.

141- ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
قد مرَّ لفظهُ في الآيةِ (134) من السورة، وقالَ هناكَ رحمَهُ الله: وقولهُ تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ في موضعِ رفعِ نعتٍ لأمَّة، ومعناه: ماتتْ وصارتْ إلى الخلاءِ من الأرض، ويُعنَى بالأمةِ الأنبياءُ المذكورون، والمخاطَبُ في هذه الآيةِ اليهودُ والنصارى، أي: أنتم أيها الناحلوهم اليهوديةَ والنصرانية، ذلك لا ينفعكم، لأن كلَّ نفسٍ ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ من خيرٍ وشرّ، فخيرُهم لا ينفعُكم إن كسبتُم شرًّا. وفي هذه الآيةِ ردٌّ على الجبريةِ القائلين لا اكتسابَ للعبد. ﴿ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فتنحلوهم دِيناً.
وتُنظَرُ الآيةُ (134) في هذا الكتاب؛ لتكملةِ تفسيرها.

الجزء الثاني
143- ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾.
أي: هداهم الله. (البغوي).

145- ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
من بعدِ ما وصلَ إليكَ من العلمِ بإعلامي إيّاكَ أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحقّ، ومعرٍفة منهم أن القِبلةَ التي وجَّهتُك إليها هي القِبلةُ التي فُرِضَتْ على أبيكَ إبراهيمَ علـيه السلامُ وسائرِ ولدهِ من بعدهِ من الرسلِ التوجُّهُ نحوَها. (الطبري).

149- ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فإنَّهُ القِبلةُ الخالصةُ التي رَضِيَها اللهُ لكم، وهو الثابتُ الموافِقُ للحِكمة، وليسَ اللهُ بغافلٍ عن امتثالِكم وطاعتِكم، ولسوفَ يُجازيكم بذلكَ أحسنَ جزاء. (الواضح في التفسير).

150- ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾.
قالَ المؤلفُ في الآيةِ التي قبلها: ثم تكررتْ هذه الآيةُ تأكيداً من الله تعالى؛ لأن موقعَ التحويلِ كان صعباً في نفوسهم جدًّا، فأكدَ الأمرَ ليرَى الناسُ التهمُّمَ به، فيخفَّ عليهم وتسكنَ نفوسُهم إليه. اهـ
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾: ولكي تهتدوا إلى قبلةِ إبراهيم. (النسفي).

151- ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾.
لأتمَّ نعمتي عليكم في أمرِ القبلة، أو في الآخرة، إتماماً مثلَ إتمامِ إرسالِ الرسول. (روح المعاني، باختصار).

159- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾.
هؤلاء الذين يكتمون ما أنزلَهُ الله من أمرِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم وصفتهِ وأمرِ دينه، أنه الحقُّ من بعدِ ما بيَّنهُ الله لهم في كتبهم، يلعنهم بكتمانهم ذلك وتركِهم تبيينَهُ للناس. وأصلُ اللعن: الطرد، فمعنى الآية إذًا: أولئك يُبعِدُهم الله منه ومن رحمته. (الطبري، باختصار).

160- ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
﴿ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ﴾: الرجَّاعُ بقلوبِ عبادي المنصرفةِ عني إليّ، ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بهم بعد إقبالهم عليّ. (البغوي).

165- ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾.
وأيقنتـُم أني شديدٌ عذابي لمن كفرَ بي وادَّعَى معي إلهاً غيري. (الطبري).

167- ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾.
﴿ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ﴾: كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بـالله.
﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾: وما هؤلاء الذين وصفتهم من الكفار، وإن ندموا بعد معاينتهم ما عاينوا من عذابِ الله، فاشتدَّت ندامتُهم على ما سلفَ منهم من أعمالهم الخبـيثة، وتمنَّوا إلى الدنيا كرّةً لينيبوا فيها، ويتبرَّؤوا من مضلِّيهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصيةِ الله فـيها، بخارجين من النارِ التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنـيا، ولا ندمُهم فـيها بمنجيهم من عذابِ الله حينئذ، ولكنهم فـيها مخـلَّدون. (الطبري).

168- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾.
قالَ في تفسيرِ الألفاظِ الكريمةِ نفسها، في الآيةِ (168) من السورة: ﴿ عَدُوٌّ ﴾: يقعُ على الواحدِ والاثنينِ والجميع، و﴿ مُبِينٌ ﴾: يحتملُ أن يكونَ بمعنَى أبانَ عداوته، وأن يكونَ بمعنَى بانَ في نفسهِ أنه عدوّ؛ لأن العربَ تقول: بانَ الأمر، وأبان، بمعنًى واحد.
وقالَ البغويُّ رحمَهُ الله: بيِّنُ العداوة، وقيل: مُظهِرُ العداوة، وقد أظهرَ عداوتَهُ بإبائهِ السجودَ لآدم، وغرورهِ إيّاهُ حين أخرجَهُ من الجنة.

170- ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾.
ولا يهتدونَ لرشدٍ فيَهتدي بهم غيرُهم، ويقتدي بهم مَن طلبَ الدينَ وأرادَ الحقَّ والصواب. (الطبري).

172- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾.
قالَ المؤلفُ في موضعِ تفسيرِ الآية: ﴿ إِنْ ﴾ شرط، والمرادُ بهذا الشرطِ التثبيتُ وهزُّ النفس، كما تقول: افعلْ كذا إن كنتَ رجلاً.

وقالَ في تفسيرها، في الآيةِ (142) من سورةِ الأنعام: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾: إقامةٌ للنفوس، كما تقولُ لرجل: إن كنتَ من الرجالِ فافعلْ كذا، على معنى إقامةِ نفسه.
وقال الطبري: إنْ كنتُم منقادينَ لأمره، سامعينَ مطيعين.

173- ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوبِ الكبائرِ فأنَّى يؤاخِذُ بتناولِ الميتةِ عند الاضطرار؟ ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ حيثُ رخَّص. (النسفي).

177- ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.
﴿ الْبِرَّ ﴾: البِرُّ هو التوسُّعُ في فعلِ الخير. وهو ضربان: ضربٌ في الاعتقاد، وضربٌ في الأعمال، وقد اشتملَ عليه قولهُ تعالَى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ... ﴾ (مفردات الراغب باختصار).

﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾:... من اتَّصفَ بهذه الآيةِ فقد دخلَ في عُرَى الإسلامِ كلِّها، وأخذَ بمجامعِ الخيرِ كلِّه، وهو الإيمانُ بالله، وأنه لا إله إلا هو، وصدَّقَ بوجودِ الملائكة، الذين هم سفَرةٌ بين الله ورسله، والكتاب، وهو اسمُ جنسٍ يشملُ الكتبَ المنزلةَ من السماءِ على الأنبياء، حتى خُتِمتْ بأشرفها، وهو القرآن، المهيمنُ على ما قبلَهُ من الكتب، الذي انتهَى إليه كلُّ خير، واشتملَ على كلِّ سعادةٍ في الدنيا والآخرة، ونُسِخَ به كلُّ ما سواهُ من الكتبِ قبله، وآمنَ بأنبياءِ الله كلِّهم، من أولهم إلى خاتمهم محمدٍ صلواتُ الله وسلامهُ عليه وعليهم أجمعين. (ونسيَ ابنُ كثير ذكرَ يومِ القيامة، رحمهُ الله).

﴿ وَٱلْمَسَـٰكِينِ ﴾: وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيُعطَون ما تُسَدُّ به حاجتُهم وخَلَّتُهم.
﴿ وَٱلسَّآئِلِينَ ﴾: وهم الذين يتعرَّضون للطلب، فيُعطَون من الزكواتِ والصدقات. (ابن كثير).

﴿ وَالـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عاهَدُوا ﴾: الذين لا ينقضون عهدَ الله بعد الـمعاهدة، ولكنْ يوفون به ويُتـمُّونَهُ علـى ما عاهدوا علـيه مَن عاهدوه علـيه. (الطبري).

181- ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
فإنما إثمُ ما بُدِّلَ مِن ذلكَ علـى الذين يبدِّلونه. (الطبري).

184- ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.
فإذا أُفطِرَ فعليه عدَّةُ ما أُفطِرَهُ في السفرِ من الأيام. (ابن كثير).

189- ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
ولكنَّ البرَّ من اتَّقَى الله فخافه، وتجنَّبَ محارمه، وأطاعَهُ بأداءِ فرائضهِ التي أمرَهُ بها، فأمّا إتيانُ البيوتِ من ظهورها فلا برَّ لله فيه، فأتوها من حيث شئتُم من أبوابها وغيرِ أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريـمَ إتـيانها من أبوابها في حالٍ من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقاده، لأنه مما لم أحرِّمه علـيكم. (الطبري).

190- ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ الذين يجاوزونَ حدوده، فـيستحلُّونَ ما حرَّمَهُ اللهُ علـيهم، مِن قتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم، مِن نساءِ الـمشركينَ وذراريهم. (الطبري).

191- ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾.
فإن اللهَ جعلَ ثوابَ الكافرينَ على كفرهم وأعمالهم السيئةِ القتلَ في الدنيا والخزيَ الطويلَ في الآخرة. (الطبري).

194- ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
أمرٌ لهم بطاعةِ الله وتقواه، وإخبارهُ بأنه تعالى مع الذين اتقَوا بالنصرِ والتأييدِ في الدنيا والآخرة. (ابن كثير).

195- ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
إنَّ اللهَ يريدُ الخيرَ بالمحسنين. (الواضح).

197- ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾.
﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾: لمـّا نهاهم عن إتيانِ القبيحِ قولًا وفعلًا، حثَّهم على فعلِ الجميل.
﴿ وَاتَّقُونِ ﴾: يقول: واتَّقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمرْ بأمري. (ابن كثير).

199- ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
واستغفِروا اللهَ لذنوبكم، فإنه غفورٌ لها حينئذٍ، تفضُّلاً منه علـيكم، رحيـمٌ بكم. (الطبري).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]