عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-11-2020, 09:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,259
الدولة : Egypt
افتراضي رد: جمع القرآن الكريم

منهج الصحابة الكرام في جمع القرآن الكريم:




لقد اتبع زيد بن ثابت رضي الله عنه في جمع القرآن الكريم منهجًا قويمًا، وطريقة دقيقة مُحكَمة، وضعها له أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهذا المنهج يعتمد على مصدرين في جمع القرآن الكريم:



١- ما كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.



٢- ما كان محفوظًا في صدور الصحابة رضي الله عنهم.







فلم يكتفِ زيد بما حفظه وكتبه هو بنفسه، بل جعل يتتبع ويستقصي ما كان عند غيره، ولم يكن يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان على أنه كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعتمد الحفظ وحسب، بل جمع بين المكتوب والمحفوظ زيادة في التوثيق.







يقول الإمام الزرقاني: "وانتهج زيد في القرآن طريقة دقيقة محكمة وضعها له أبو بكر وعمر، فيها ضمان لحياطة كتاب الله بما يليق به من تثبُّتٍ بالغٍ وحَذَرٍ دقيق، وتحريات شاملة، فلم يكتفِ بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه، بل جعل يتتبع ويستقصي آخذًا على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين؛ أحدهما: ما كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال، وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر أنه لم يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم"[24].







وبهذه الخصائص العظيمة المعتبرة تميز جمعُ أبي بكر الصديق رضي الله عنه للقرآن الكريم؛ قال علي كرم الله وجهه: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر رحمة الله عليه، هو أول من جمع كتاب الله"[25].







قال الخراز:










جمعَه في الصُّحفِ الصِّدِّيقُ

كما أشارَ عُمَرُ الفارُوقُ


وذاك حينَ قتلُوا مُسيلمة

وانقلبتْ جيوشُه منهزمَة


وبعده جرده الإمام

في مصحف ليقتديَ الأنام


ولا يكون بعده اضطراب

وكان فيما قد رأى صواب[26]






جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:



"إن ما يميز السياسة الراشدة نظرها الثاقب الذي يتدبر الأمور، بل الذي يسبق الحوادث قبل وقوعها، كما سجَّلها المؤرخون قديمًا وحديثًا، وهكذا كان عمل أبي بكر والصحابة في جمع المصحف عدة مرات آتت أعظم النتائج في مواجهة ما تطويه الأيام من تغيرات ومفاجآت"[27].







فقد "اتسعت الفتوحات في زمن عثمان، واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام، يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبدالله بن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن"[28].







روى البخاري "عن أنس بن مالك ((أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرِكِ الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما أنزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا[29]، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق"[30].







قال الإمام الزركشي في "البرهان": "وأما تعلق الروافض بأن عثمان أحرق المصاحف، فإنه جهلٌ منهم وعمى، فإن هذا من فضائله وعلمه، فإنه أصلح ولمَّ الشعْثَ وكان ذلك واجبًا عليه، ولو تركه لعصى؛ لِما فيه من التضييع وحاشاه من ذلك"[31]؛ قال علي كرم الله وجهه: "لو وليتُ ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل"[32].







ثم إن النص الذي كان عند حفصة هو النص المكتوب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ذاته النص المكتوب في مصحف عثمان رضي الله عنه، فلا يصح الزيادة عليه ولا يصح النقص[33].







عن سويد بن غفلة قال: "قال علي رضي الله عنه: لا تقولوا في عثمان إلا خيًرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصحف إلا عن ملأ منا"[34].







توحيد المصاحف:



"إن عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف، ألا ترى كيف أرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك - وإنما فعل ذلك - عثمان - لأن الناس اختلفوا في القراءات؛ بسبب تفرق الصحابة في البلدان، واشتد الأمر في ذلك، وعظُمَ اختلافهم وتشتُّتُهم، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة رضي الله عنه، وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية، فقرأت كل طائفة بما رُوي لها، فاختلفوا وتنازعوا، وأظهر بعضهم إكفارَ بعض، والبراءة منه، وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم حذيفة المدينة - فيما ذكر البخاري - إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلِكَ، قال: في ماذا؟ قال: في كتاب الله؛ إني حضرت هذه الغزوة، وجمعت ناسًا من العراق والشام والحجاز، فوصف له ما تقدم، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم، كما اختلف اليهود والنصارى"[35].







"أضِفْ إلى ذلك أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها، حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون، إنما كان كل صحابي في إقليمه يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن، ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد.







لهذه الأسباب والأحداث، رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع، وأن يستأصل الداء، قبل أن يعزَّ الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضع حدًّا لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يُرسَل بها إلى الأمصار، وأن يُؤمَرَ الناس بإحراق كل ما عداها، وألَّا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصَّدْعَ، ويجبر الكسر، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلال هذا الاختلاف، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة، وحَكَمهم العدل في ذلك النزاع والمِراء، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء"[36].







وكان هذا من عثمان رضي الله تعالى عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار، وجُلَّةَ أهل الإسلام، وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وطَرْحِ ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأيًا سديدًا موفَّقًا، رضي الله عنهم أجمعين.







[1] جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال، المملكة المغربية.




[2] "سنن ابن ماجه"، كتاب المقدمة، باب: فضل من تعلم القرآن وعلمه، حديث رقم: 215.




[3] الإمام جعفر المستغفري، "فضائل القرآن"، تحقيق: محمد عثمان، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ص: 130، انظر أيضًا: "السبع" لابن مجاهد، ص: 47.




[4] الجوهري، "الصحاح"، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطَّار، دار العلم للملايين، بيروت، القاهرة، الطبعة الثانية، 1376هـ/ 1556م، ج: 3، ص: 1199.




[5] ابن منظور، "لسان العرب"، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى، ج: 8، ص: 53.




[6] "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجه التأويل"، الزمخشري، تحقيق: محمود بن عمر الزمخشري أبو القاسم، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1430هـ/ 2009م، ط: 3، ج:1، ص: 1161.




[7] ابن جرير الطبري، "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تحقيق: الدكتور بشَّار عوار معروف، وعصام فارس الحرستاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ/ 1994م، ج: 7، ص: 213.




[8] أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن، ج: 6، ص: 98.




[9] محمد عبدالعظيم الزرقاني، "مناهل العرفان"، ج: 1، ص: 115.




[10] أخرجه النسائي بسند صحيح، "السنن الكبرى"، رقم: 8064.




[11] محمد بن الجزري، "النشر في القراءات العشر"، تحقيق: علي محمد الضباع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ج: 1، ص: 6.




[12] المرجع السابق، ص: 6.




[13] "مناهل العرفان"، ج: 1، ص: 242.




[14] انظر: "جوامع السير"، لابن حزم، ص: 26.




[15] أخرجه ابن أبي داود، كتاب "المصاحف"، ص: 3.




[16] مناع القطان، "مباحث في علوم القرآن"، مكتبة وهبة، القاهرة، ص: 118.




[17] أخرجه الحاكم في "المستدرك"، بسند على شرط الشيخين: 6112.




[18] انظر: "مباحث في علوم القرآن"، لمناع القطان، ص: 121.




[19] أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن، ج: 6، ص: 98.




[20] قال الحارث المحاسبي في كتاب "فهم السنن": "كتابة القرآن ليست بمحدثة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرَّقًا في الرِّقاع والأكتاف والعُسُب، فإنما أمر الصدِّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وُجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامعٌ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء"؛ [الإتقان في علوم القرآن، ص: 385].




[21] "البرهان في علوم القرآن"، الزركشي، تحقيق: أبي الفضل الدمياطي، ص: 165.




[22] أخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، قال: ((قدِمَ عمر، فقال: من كان تلقَّى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن، فليأتِ به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان))، وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا، حتى يشهد من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة من الاحتياط؛ [البرهان في علوم القرآن، ص: 165]، الحديث أخرجه ابن أبي داود، في كتاب "المصاحف"، ص: 10.




[23] "مباحث في علوم القرآن"، مناع القطان، ص: 122.




[24] "مناهل العرفان"، ص: 352.




[25] "مباحث في علوم القرآن"، ص: 122، بتصرف.




[26]- الشريشي الخراز، "منظومة مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن"، ص: 7.




[27]- نور الدين عتر، "علوم القرآن الكريم"، مطبعة الصباح، دمشق، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1414ه/ 1993م، ص: 172.




[28]- "مناهل العرفان"، ص: 255.




[29]- قال أبو عمرو الداني في "المقنع": أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف، جعله على أربعة نسخ وبعث إلى كل ناحية واحدًا: الكوفة، والبصرة، والشام، وترك واحدًا عنده، وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ، وزاد إلى مكة، وإلى اليمن، وإلى البحرين، قال: والأول أصح وعليه الأئمة؛ [البرهان في علوم القرآن، ص: 169].




[30]- رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن، ج: 6، ص: 99.




[31]- الزركشي، "البرهان في علوم القرآن"، ص: 169.




[32]- أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف"، ص: 97، 98.




[33]- محمد أبو زهرة، "المعجزة الكبرى القرآن"، ص: 42.




[34]- أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح، انظر: "مباحث في علوم القرآن"، مناع القطان، ص: 125.




[35]- القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، ص: 86.




[36]- "مناهل العرفان"، ص: 256، 257.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]