أين نحن من نساء السلف؟!
(8 )
د. خاطر الشافعي
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير المرسلين, سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد:
فموعدنا اليوم مع الصابرة المحتسبة (أم الشهداء) أم عمرو تُماضِر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السُّلَمِيَّة الملقبة بالخنساء، من أشهر شاعرات العرب، وقد أجمع علماء الشعر أنه لم تكن امرأةٌ أشعرَ منها، وشِعرُها كلُّه في رثاء أخوَيْها معاوية وصخر، اشتهر رثاؤها في أخويها، وعظم مصابها.
قدِمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قومِها من بني سليم، وأعلنت إسلامَها إيمانها بعقيدة التوحيد، وحسُن إسلامها حتى أصبحت رمزًا متألقًا من رموز البسالة، وعزة النفس، وعنوانًا للأمومة المسلمة المشرفة.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستنشدها ويُعجِبه شعرها، وكانت تنشده، وهو يقول: ((هيه يا خناس))، ويومئ بيده.
وعندما أخذ المسلمون يحشدون جندهم ويعدُّون عدَّتهم زحفًا إلى القادسية، كل قبيلة تزحف تحت علمها مسارعةً إلى تلبية الجهاد، كانت الخنساء مع أبنائها الأربعة تزحف مع الزاحفين للقاء الفُرْس، وفي خيمةٍ من آلاف الخيام جمعت الخنساء بَنِيها الأربعة لتُلقِي إليهم بوصيتها, فقالت: "يا بَنِيَّ، أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فضَحْتُ خالكم، ولا هجنت حسبَكم، ولا غيَّرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعدَّه الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أنَّ الدار الباقية خيرٌ من الدار الفانية، يقول الله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالِمين فاغدُوا إلى قتال عدوِّكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحربَ قد شمَّرَت عن ساقها، واضطرب لظًى على سياقها، وجلجلت نارًا على أوراقها، فتيمَّموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالمَغْنَم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.
فلما أشرق الصبح، واصطفت الكتائب، وتلاقى الفريقان، باشروا القتال واحدًا بعد واحد، حتى قُتِلوا، وكان منهم إنشادٌ قبل أن يستشهدوا رجزًا:
فقال الأول:
يا إخوتي، إنَّ العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيانٍ واضحة
فبادروا الحرب الضروس الكالحة
وإنما تلقون عند الصائحة
من آل ساسان كلابًا نابحة
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة
وأنتم بين حياةٍ صالحة
أو ميتةٍ تورث غنمًا صالحة
وتقدم فقاتل حتى استشهد - رحمه الله تعالى.
ثم تقدم الثاني وهو يقول:
إنَّ العجوز ذات حزمٍ وجَلَد
والنظر الأوفق والرأي الأَسَد
قد أمرتنا بالسداد والرَّشَدْ
نصيحة منها وبرًّا بالولد
فباكروا الحرب حماةً في العددْ
إما لفوزٍ باردٍ على الكَبِد
أو ميتة تُورِثُكم غُنْمَ الأبدْ
في جنة الفردوس والعيش الرَّغَدْ
فقاتل حتى استشهد - رحمه الله تعالى.
ثم تقدم الثالث وهو يقول:
والله لا نعصي العجوز حرفَا
قد أمرتنا حدبًا وعطفَا
نصحًا وبرًّا صادقًا ولُطْفَا
فبادروا الحرب الضروسَ زحفَا
حتى تلفُّوا آلَ كسرى لفَّا
وتكشفوهم عن حماكم كشفَا
فقاتل حتى استشهد - رحمه الله تعالى.
وحمل الرابع وهو يقول:
لستُ لخنساءَ ولا للأخرمِ
ولا لعمرٍو ذي السناءِ الأقدمِ
إن لم أَرِدْ في الجيش جيشِ العجمِ
ماضٍ على المهول خضم خضرمِ
إما لفوزٍ عاجلٍ ومَغْنَمِ
أو لوفاةٍ في السبيل الأكرمِ
فقاتل حتى استشهد - رحمه الله.
فبلغ خبرُهم الخنساءَ أمَّهم، فقالت: الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته).
يا الله!
ما هذا الثبات؟!
لم تلطم خدًّا، ولم تشقَّ جيبًا، ولكن صبرت واحتسبت، فما أحوجنا لصبرها، وما أحوجنا لثباتها، فهل نحن على درب الصبر سائرون؟!