قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحُويرث في جلسة الاستراحة وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سُئل عن النهوض فقال: على صُدور القدمين على حديث رفاعة.
وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صُدور قدميه وقد روي عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحُويرث.
ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائماً لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم ومُجرد فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سُنة يُقتدى به فيها وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سُنة من سُنن الصلاة فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة ) أهـ. ( زاد المعاد في هدي خير العباد جـ1 ص233 )
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ( للعلماء في جلسة الاستراحة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الاستحباب مُطلقاً.
القول الثاني: وعدم الاستحباب مُطلقاً.
القول الثالث: التفصيل بين من يشق عليه القيام مُباشرة فيجلس ومن لا يشق عليه فلا يجلس.
قال في المغني (جـ1 ص529): " وهذا فيه جمع بين الأخبار وتوسط بين القولين" وذكر في الصفحة التي تليها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع " رواه الأثرم ثم قال: وحديث مالك " يعني ابن الحويرث ": " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعداً ثم اعتمد على الأرض " محمول على أنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لمشقة القيام عليه لضعفه وكبره فإنه قال عليه السلام: " إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود " أهـ. وهذا القول هو الذي أميل إليه أخيراً ) أهـ.
( مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين جـ13 ص 217 ).
وقال أيضاً رحمه الله: ( اختلف العلماء رحمهم الله هل هي جلسة للراحة أو جلسة للتعبد: فمن قال أنها جلسة للراحة قال إنها لا تُسن إلا عند الحاجة إليها كأن يكون الإنسان كبيراً في السن لا يستطيع النُهوض مرة واحدة أو في ركبتيه وجع أو مريضاً أو ما أشبه ذلك فإذا كان مُحتاجاً إليها فإنه يجلس وفي هذه الحال تكون مشروعة من جهة أن ذلك أرفق به وما كان أرفق بالمرء فهو أولى.
ومن العلماء من قال: إنها جلسة عبادة وإنها مشروعة لكل مصلٍ سواء كان نشيطاً أو غير نشيط.
ومنهم من قال: إنها غير مشروعة مُطلقاً.
فالأقوال إذاً ثلاثة وأرجح الأقوال عندي: أنها جلسة راحة ودليل ذلك أنها ليس لها تكبير عند الجلوس ولا عند القيام منها وليس فيها ذكر مشروع وكل فعل مقصود فإنه يكون فيه ذكر مشروع فعلم بهذا أنها جلسة راحة وأن الإنسان إذا كان محتاجاً إليها فليرح نفسه اقتداءً بنبيه صلى الله عليه وسلم وإلا فلا يجلس.
وهذا اختيار صاحب المغني واختيار ابن القيم في زاد المعاد وهو أرجح الأقوال فيما أرى ) أهـ.
( مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين جـ13 ص 221 ).
ثالثاً: حُكم جلسة الاستراحة للمأموم:
اختلف العلماء في حُكم جلوس المأموم خلف إمامه في جلسة الاستراحة في الحالات التالية:
الحالة الأولى: إذا كان الإمام لا يجلس هذه الجلسة لأنه يرى عدم مشروعيتها والمأموم يجلس لأنه يرى مشروعيتها ( أي يجلس المأموم هذه الجلسة ولا يجلسها الإمام ).
الحالة الثانية: إذا كان الإمام يجلس هذه الجلسة لأنه يرى مشروعيتها والمأموم لا يجلس لأنه لا يرى مشروعيتها ( أي يجلس الإمام هذه الجلسة ولا يجلسها المأموم ).
الحالة الثالثة: إذا كان الإمام يجلس هذه الجلسة لأنه يرى مشروعيتها والمأموم يجلس مثله اتباعاً له سواء كان المأموم يرى مشروعيتها أو لا ( أي يجلس الإمام والمأموم ).
وسبب الخلاف في هذه المسألة هو: هل جلوس المأموم في هذه الحال وتأخره عن الإمام ينافي المُتابعة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
أما الحالة الأولى: فذهب بعض العلماء إلى أن المأموم يجلس للاستراحة ولو لم يجلسها الإمام وكان تأخر المأموم في هذه الحال يسير لا يضر.
أما الحالة الثانية: فلو كان الإمام يجلس لأنه يرى مشروعيتها والمأموم لا يجلس لأنه لا يرى مشروعيتها فلا يجوز للمأموم أن يسبق إمامه بالقيام بل يجلس اتباعاً للإمامه ولا يسبقه بالفعل لأن سبق المأموم للإمام في الأفعال الظاهرة يُنافي المُتابعة ويُوقع في المُخالفة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) رواه البخاري (722) ومسلم (957) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
أما الحالة الثالثة: فهي الأصل لأن موافقة الإمام في الأفعال أي المُتابعة له بأن يأتي المأموم بها بعد الإمام مباشرة هو السنة.
ولأن متابعة الإمام واجبة ولذلك وجب على المأموم أن يتابع إمامه حتى في ترك الواجب وذلك فيما لو قام الإمام من التشهد الأول سهواً فإن المأموم لا يجلس مُتابعةً للإمام بل وقد يترك المأموم الركن من أجل مُتابعة الإمام كما يدل لذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: ( اشتكى النبي صلى الله عليه و سلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً فلما سلم قال: إن كدتم لتفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائماً فصلوا قياماً وان صلى قاعداً فصلوا قعوداً ) رواه البخاري في الأدب المفرد (948) ومسلم (955).
فالراجح في هذه المسألة هو مُتابعة الإمام فلا يجلس المأموم في حالة عدم جلوس الإمام لها وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغيره من العلماء.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في رجل يصلي مأموماً ويجلس بين الركعات جلسة الاستراحة ولم يفعل ذلك الإمام فهل يجوز ذلك له؟ وإذا جاز: هل يكون مُنقصاً لأجره لأجل كونه لم يُتابع الإمام في سُرعة الإمام؟
فأجاب رحمه الله بقوله: ( جلسة الاستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم جلسها لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة.
فمن قال بالثاني: استحبها كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
ومن قال بالأول: لم يستحبها إلا عند الحاجة كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى ومن فعلها لم يُنكر عليه وإن كان مأموماً لكون التأخر بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها وهل هذا إلا فعل في محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده والمُبادرة إلى موافقة الإمام فإن ذلك أولى من التخلف لكنه يسير فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول قبل أن يُكمله المأموم والمأموم يرى أنه مستحب أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من الدعاء هل يسلم أو يتمه؟
ومثل هذه المسائل هي من مسائل الاجتهاد والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مُستحب والله أعلم ) أهـ. ( الفتاوى الكبرى جـ2 ص188 )
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ( مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل يُسن له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سنة أو متابعة الإمام أفضل؟
الجواب: أن مُتابعة الإمام أفضل ولهذا يترك الواجب وهو التشهد الأول ويفعل الزائد كما لو أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه سوف يتشهد في أول ركعة فيأتي بتشهد زائد من أجل مُتابعة الإمام بل يترك الإنسان الركن من أجل مُتابعة الإمام فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ) فيترك ركن القيام وركن الركوع فيجلس في موضع القيام ويُومئ في موضع الركوع كل هذا من أجل مُتابعة الإمام.
فإن قال قائل: هذه الجلسة يسيرة لا يحصل بها تخلف عن الإمام.
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا كبر فكبروا ) فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مُهلة وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيراً بل يُبادر بالمُتابعة فلا يُوافق ولا يُسابق ولا يتأخر وهذا هو حقيقة الائتمام ) أهـ. ( الشرح الممتع جـ3 ص192 ).
رابعاً: كيفية جلسة الاستراحة:
للعلماء في كيفية جلسة الاستراحة قولان:
الأول - يجلس مُفترشاً كصفة الجلوس بين السجدتين لحديث أبي حُمَيد السَّاعدي عند ابن خزيمة ( جـ1 ص 341 ح685) وفيه: ( ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم منه إلى موضعه ثم هوى ساجداً وقال: الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد فاعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم نهض ).
والمقصود بالرِّجل المثنيَّة الرِّجل اليسرى فالجلسة تكون بأن يثني رجله اليسرى - أي يفرشها - وينصب الرِّجل اليمنى ثم يقعد على اليسرى وهي تماثل الجلسة للتَّشهد الأوسط.
وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد وهو الراجح.
الثاني - يجلس على أليتيه وهي رواية ثانية عن أحمد قال الخلال: روي عن أحمد ما لا أحصيه كثرة أنه يجلس على أليتيه.
قال القاضي أبو يَعْلَى: يجلس على قدميه وأليتيه مفضياً بهما إلى الأرض.
خامساً: كيفية النُهوض من جلسة الاستراحة:
للعلماء في كيفية النُهوض من جلسة الاستراحة قولان:
الأول - ينهض مُعتمداً على يديه للحديث السابق عن مالك بن الحويرث وفيه: ( وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام ) وهذا مذهب مالك والشافعي.
الثاني - ينهض على صُدور قدميه مُعتمداً على ركبتيه أو واضعاً كفيه على فخذيه وهذا مذهب أحمد.
واحتج لها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهض في الصلاة على صُدور قدميه ) رواه الترمذي (288) والبيهقي (231) والطبراني (3409) وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء (362).
وبما رُوى عن وائل بن حجر قال: ( وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه ) رواه أبوداود (736) والطبراني (جـ22 ص 28 ح60) وضعفه الشيخ الالباني رحمه الله في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (363).
قال ابن قدامة رحمه الله: ( ينهض إلى القيام على صُدور قدميه مُعتمداً على ركبتيه ولا يعتمد على يديه قال القاضي: لا يختلف قوله – أي أحمد – أنه لا يعتمد على الأرض سواء قلنا يجلس للاستراحة أو لا يجلس وقال مالك والشافعي: السُّنة أن يعتمد على يديه في النهوض لأن مالك بن الحُويرث قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعداً ثم اعتمد على الأرض " رواه النسائي ولأن ذلك أعون للمُصلي ولنا ما روى وائل بن حُجْر قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه " رواه النسائي والأثرم وفي لفظ: " وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه " وعن ابن عمر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة " رواهما أبوداود وقال علي رضي الله عنه: إن من السُنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع رواه الأثرم ) أهـ. ( المغني جـ1 ص 380).
سادساً: هل تُرفع الأيدي عند النُهوض من جلسة الاستراحة؟
للعلماء في هذه المسالة قولان والراجح أن الأيدي لا تُرفع في الصلاة إلا في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول.
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه وإذا كبر للركوع فعل مثله وإذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثله وقال: ربنا ولك الحمد ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود ) رواه البخاري (738).
وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما: ( كان إذا دخل الصلاة كبر ورفع يديه وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ) رواه البخاري (739).
سابعاً: متى يكبر للنهوض من جلس للاستراحة؟
للعلماء في هذه المسالة قولان:
الأول - إذا نهض من جلسة الاستراحة قائماً.
الثاني - ينهي تكبيره عند انتهاء جلوسه ثم ينهض من غير تكبير وهو الراجح.
قال ابن قدامة رحمه الله: ( يستحب أن يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من السجود وانتهاؤه عند اعتداله قائماً ليكون مستوعباً بالتكبير جميع الركن المشروع فيه وعلى هذا بقية التكبيرات إلا من جلس جلسة الاستراحة فإنه ينتهي تكبيره عند انتهاء جلوسه ثم ينهض للقيام بغير تكبير.
وقال أبو الخطاب: ينهض مكبراً وليس بصحيح فإنه يفضي إلى أن يوالي بين تكبيرتين في ركن واحد لم يرد الشرع بجمعهما فيه ) أهـ. ( المغني جـ1 ص381 ).
أخي الحبيب، أكتفي بهذا القدر وفيه الكفاية إن شاء الله.
وأسأل الله عز وجل أن يكون هذا البيان شافياً كافياً في توضيح المراد وأسأله سبحانه أن يرزقنا التوفيق والصواب في القول والعمل.
وما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ أو زلل فمنى ومن الشيطان والله ورسوله من بريئان والله الموفق وصلي اللهم علي نبينا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين.
وفي الختام أسأل الله عز وجل لي ولكم ولجميع المسلمين العلم النافع والعمل الصالح وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.