ولكن هناك حالات خاصه تباح فيها الغيبة.
قال الامام النووي: اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه ونحو ذلك ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراما.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك، فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله -تعالى-.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه:
منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.
ومنها: إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.
ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها: إما بأن لا يكون صالحا لها، وإما بأن يكون فاسقا، أو مغفلا، ونحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلما، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى، فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة [[12]].
النميمة:
ومن آداب الحديث أيضاً خلوه من النميمة وهى نقل الكلام بين طرفين لغرض الافساد وزرع العداوة والفتنة بينهم.
وقد حرمها الله ورسوله، قال - تعالى -: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)[القلم: 11].
وعن حذيفة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة نمام)) [[13]].
وقد أعد الله -تعالى- للنمام العذاب الأليم في القبر؛ فعن ابن عباس -رضى الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين، فقال: ((إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما، فكان يمشى بالنميمة، وأما الاخر فكان لا يستتر من بوله))[[14]].
والنمامون هم شرار الناس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " شراركم المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الاحبة، الباغون العيوب))[[15]]
حقاً هم شرار الناس لأنهم يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم هباءً منثورا بدلاً من ذكر الله وما ينفع الناس، فضلاٍ عن الأضرار المادية والأدبية التي يلحقونها بالناس، فضلاً عن الفتن والأحقاد التي يذرعونها بين الناس، فهؤلاء لا أمان لهم.
قال الشاعر:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ** على الصديق ملم تؤمن أفاعيه
السيل بالليل لا يدرى به أحد *** من أين جاء ولا من أين يأتيه
الويل للعهد منه كيف ينقضيه *** والويل للود منه كيف يفنيه
الكذب:
الكذب من كَذَبَ كِذْباً و كِذّاباً: أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع، وهو سلاح من أقوى وأشد أسلحة إبليس في إفساد بنى آدم، فهو البداية لكل معصية، فالكذوب يتعمد الكذب ليغطي ويمحو نقيصة قام بها أو ليجمل سيئة فعلها، أو ليبرر ما يقوم به من أعمال الشيطان، لذلك فهو كما وصفة الصادق الصدوق بأنه يؤدى إلى الفجور، لهذا فقد حاربه الاسلام وحرمه صيانه للفرد والمجتمع من أخطاره وقضاءً على أقوى أسلحه إبليس اللعين.
وقد حرمه الله -تعالى- فقال: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[الاسراء: 36].
وقال -تعالى-: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 18].
وقال -تعالى-: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[البقرة: 10].
وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)[الزمر: 60].
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))[[16]].
كما أنه خصله من خصال النفاق، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصله منهن كانت فيه خصله من نفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))[[17]].
وقيل: رأس المأثم الكذب وعمود الكذب البهتان، أمران لا ينفكان من الكذب، كثرة المواعيد، وشدة الاعذار.
وقال الفضيل: ما من مضغة أحب إلى الله -تعالى- من اللسان إذا كان صدوقاً ولا مضغة أبغض إلى الله -تعالى- من اللسان إذا كان كذوباً.
لا يكذب المرء إلا من مهانته *** أو فعله السوء أو من قله الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جد وفى لعب.
ما يجوز من الكذب:
قال الامام النووي - رحمه الله -: اعلم أن الكذب، وإن كان أصله محرماً، فيجوز في بعض الاحوال بشروط، مختصر ذلك أن الكلام وسيله إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا، وإن كان واجبا، كان الكذب واجبا. فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله، أو أخذ ماله وأخفى ماله وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه. وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها، وجب الكذب بإخفائها.
والأحوط في هذا كله أن يوري. ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودا صحيحا ليس هو كاذبا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب، ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب، فليس بحرام في هذا الحال.
واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم - رضي الله عنها -، أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا أو يقول خيرا)).
زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث، تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها [[18]].
السخرية والاحتقار:
حرم الله -تعالى- احتقار المسلم أخاه، والاحتقار من حقر يحقر بمعنى ذلَّ، فالحقر يعنى الذلة والتصغير والتقليل والاستهانة بالغير، قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الحجرات: 11].
وقد ذم الله -تعالى- فاعله، وأعد له عذاباً أليماً، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[التوبة: 79].
وكما يسخر الشخص من الآخر، يسخر المعتدى عليه من الساخر يوم القيامة، قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[المطففين: 29: 36].
وعن أبى هريره -رضى الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"[[19]].
فيحرم على المسلم أن يشمل حديثة احتقاراً لغيره، فالله -سبحانه- يرفع الناس بعضهم فوق بعض، فهو - سبحانه - قادر على أن يزل المُختَقِر ويرفع المحتقَر، فعن جندب بن عبد الله -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله -عز وجل-: من ذا الذى يتألى على أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له، وأحبطت عملك))[[20]].
السباب واللعان وإيذاء الغير:
حرم الله ورسوله السب واللعن وإيذاء الغير بغير حق تحقيقاً للعدل والرحمة وحفاظاً على الوحدة والمحبة والألفة بين المسلمين، ووقاية ودرءاً للفتنة والفرقة والاختلاف، ومحواً لأمراض القلوب قبل علتها من حقد وكره.
قال - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الاحزاب: 58].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن المؤمن كقتله))[[21]].
فقد شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن المؤمن بالقتل وهو أكبر الكبائر تنبيهاً للمسلمين لما يحدثه اللعان من أثر في نفس المعتدى عليه.
ونفى النبى - صلى الله عليه وسلم – الشفاعة والشهادة عن اللعانين يوم القيامة، قال: ((لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة))[[22]].
ويستثنى من ذلك لعن بعض أصحاب المعاصي غير المعينين، من قوله - تعالى -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[هود: 18].
فلم يحدد شخصاً يعنيه، ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون تحديد، مثل لعن الواصلة والمستوصلة، لعن المتشبهين من الرجال بالنساء.. إلخ، فكلها ألفاظ تكره.
كما جعل - صلى الله عليه وسلم - سب المسلم من الفسق فقال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))[[23]].
وأيضاً من صفات غير المؤمنين السب و اللعن و الفحش في القول، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء))[[24]].
وإنما المسلم من حفظ لسانه ويده عن المسلمين، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))[[25]].
المن على الغير:
ومن آداب الأخوة: ألا يمن المرء بما أعطى ويعتدّ به، يقصد من الاعتداء إلحاق الاذى والتوبيخ بالمعطى.
والمن يبطل الصدقة، قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[البقرة: 264].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال -أي الراوي-: فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، ثم قال الراوي -أبو ذر-: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المُسبل، والمنان، والنفق سلعته بالحلف الكاذب))[[26]].
الهمز والمز:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الحجرات: 11].
وقال -تعالى-: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)[القلم: 11].
وقال - تعالى -: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)[الهمزة: 1].
الهمزة من الهمز، بمعنى الطعن في أعراض الناس، ورميهم بما يؤذيهم، واللمزة من اللمز، بمعنى السخرية من الغير، عن طريق الإشارة باليد أو العين أو غيرها... وقيل الهمزة الذى يعيبك في الغيب، واللمزة الذى يعيبك في الوجه، وقيل العكس، وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب، ويدخل في ذلك من يحاكى الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه[[27]].
التنابز بالألقاب:
التنابز هو التداعي بالألقاب المكروهة، كأن ينادى الشخص بأقبح أسمائه ازدراءً له وتعيراً به، فقد نهى الله -تبارك وتعالى- عنه في آية السلوك، قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الحجرات: 11].
ولكن يستحب للمسلم أن ينادى أخاه بأحب أسمائه إليه.
سوء الظن:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)[الحجرات: 12. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث))[[28]].
يحرم الله -تبارك وتعالى- سوء الظن بالمسلم المستور الحال، الظاهر العدالة، النقي النظيف، وذلك بدون دليل واضح وبرهان قوى، ففيه هتك لحرمات الأشخاص واستباحة لكراماتهم وحرياتهم، فهو بأمرهم اجتناب كثيراً من الظن، فلا يتركوا أنفسهم نهباً لكل ما يوسوس به الشيطان وما يلقيه من شبهات وشكوك تثير القطيعة وعدم التواد في المجتمع.
وقد عبر جل شأنه بقوله: (كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) للإشعار بأن الغالب على الظن أن يكون باطلاً لا أصل له، فهو لا يدرى أي ظنونه تكون صادقة؛ وما دام الامر كذلك فالأولى والأجدر اجتناب الظن كلية.
التجسس وإتباع العورات:
قال -تعالى-: (وَلَا تَجَسَّسُوا)[الحجرات: 12].
فالله -تبارك وتعالى- يحث المجتمع المسلم على الأخذ بالمظهر من أحوال الناس، وينهاهم عن البحث عن الأسرار وتتبع العورات.
والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن، وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات، والاطلاع على السوءات والقرآن يقاوم هذا العمل الديني من الناحية الأخلاقية، فالناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور، ولا تمس بحال من الاحوال، ولا يوجد مبرر مهما يكن لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، حتى ذريعة تتبع الجريمة لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس[[29]].
التثبت من الأخبار:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات: 6].
يأمر الله عباده المؤمنين بالتثبيت والاستيقان من الأخبار صيانة للمجتمع من الخصام والتفكك، ومن الاندفاعات وراء أخبار الفساق، وذلك لا يشبع الشك بين المسلمين، فتستقيم الأخوة الإسلامية ولا تعصف بها أخبار وأقوال المشككين والفساق.
التكافل الاجتماعي:
يقصد بالتكافل الاجتماعي، ما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))[[30]].
فالتكافل الاجتماعي بمفهومه الإسلامي يعنى أن تكون أفراد المجتمع متشاركين متضامنين مع بعضهم البعض، محافظين على مصالحهم العامة والخاصة، يدفعون عن بعضهم البعض المفاسد والاضرار، ليس فقط في النواحي المادية، بل المعنوية أيضاً.
وتأتى فكرة الضمان الاجتماعي في العصر الحديث، في نهاية الحرب العالمية الثانية، من منطلق أن السلام الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق في حياة الشعوب إذا ترك الفرد يواجه محنه وشدائده وحاجته، دون أن يشعر بان المجتمع من حوله على استعداد لمديد المعونة إليه وقت ضعفه ومحنته.
ومن هنا يتضح الفرق بين التكافل الاجتماعي كما بينه القرآن الكريم، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام مضت، كما في قوله - تعالى -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيرحمهم الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة: 71].
فالتكافل الاجتماعي يعم كل فرد من أفراد المجتمع المسلم، طاعة لله ورسوله، وابتغاء الثواب من الله، في حين أن التكافل الاجتماعي الذى نادى به العرب قائم على رغبة الفرد، فهو تطوعي.
كما أن التكافل الاجتماعي في القرآن لا يقتصر على المسلمين فقط، بل يتعداهم كل بنى الإنسان على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم؛ ما داموا يعيشون بسلام داخل ذلك المجتمع، وليس بينهم وبين المسلم قتال ولا عداوات؛ من اغتصاب للأموال والدور، فأولئك يشملهم التكافل الاجتماعي القرآني، قال - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة: 8].
ومن أهم مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، كفاية المحتاجين، من غذاء أو كساء أو إيواء، فقد جعل الله -تبارك وتعالى- كفايتهم فرض كفاية على الأغنياء، قال -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[التوبة: 103].
وقال -تعالى-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[الذاريات: 18-19].
وهذه الآيات وغيرها تعنى بفريضة الذكاة، وفضل التصدق على المحتاجين وثمرته في الدنيا قبل الآخرة، وأن الصدقة تكون في السر وتكون في العلن وأن صدقة السر أفضل من صدقة العلن أو الجهر، ومن واجبات المربى أيضاً أن يلقن الصغير ما جاء في قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة: 262].
فالتكافل الاجتماعي في الإسلام يعتبر أن المحتاج له حق الإعانة على الميسور، ومن ثم لا ينبغي على الميسور أن يؤذيه بالقول أو بمجرد الإشارة، ولا يمن عليه.
ومن الوسائل الفعالة في غرس التكافل الاجتماعي لدى الأولاد أن نعطيهم أموال الذكاة أو الصدقات، ليعطوها هم للمستحقين ونبين لهم حقيقة الأمر كما علمنا الله إياه، كما ينبغي للمربين أن يذكروا الأولاد بالفقراء والمحتاجين مع ظهور النعم وفى المناسبات مثل الأعياد، ففي عيد الفطر تأتى صدقة الفطر، وقدرها زهيد يستطيع تقريباً كل فرد أن يشارك بالتكافل الاجتماعي من خلالها، وفى الأضحى تأتى الاضحية، هكذا يكون المجتمع المسلم.
كما لا يقف التكافل على الجوانب المادية فقط بل يتعداه كما أسلفنا ليشمل جميع متطلبات الحياة، ومنها نشر العلم داخل المجتمع بين أفراده، وعدم كتمان العلم عمن يطلبه، ومن مظاهره أيضاً إعانة المحتاج، وإغاثة الملهوف.
وإذا غرست أيها المربى في نفس طفلك منذ نعومة أظفاره التكافل الاجتماعي كما بينه القرآن الكريم، وعلمته القناعة والرضا برزق الله، فقد أنشأت طفلاًَ صحيحاً نفسياً واجتماعيا، فمعظم المشاكل التي تواجه الإنسان تكمن في المال، فمن يحرص على إعانة الأخرين وحمل همومهم، فهو إنسان ينظر للمال على أنه وسيلة وليس غاية، والعكس فمن يعتبر المال غاية في حد ذاته، هلك في بحر الطمع والأنانية والبخل وأحاطت به الهموم والغموم وألمت به الأمراض والأسقام الجسدية والاجتماعية، وهلك معه من حوله من أفراد أسرته، فهو لا يعتنى إلا بالمال وجمعه فقط، بالإضافة الفقراء والمساكين من أفراد مجتمعه، ولم يكترث هو في جمعه عن حقوق غيره، فلا يضره أكان عن طريق أخذ أموال اليتامى أو بالنصب وظلم الناس.
ولهذه الأثار المدمرة قال -تعالى- عن المال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[التوبة: 34].
وقال -تعالى-: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[الكهف: 46].
وقال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)[آل عمران: 14].
يتبع