أولًا: أن يكون تركهم له لمعنى.
ثانيًا: أن يكون تركهم له لغير معنى.
والثاني باطل؛ لأنه لا يمكن إهمالهم لفعل فيه قربة للشرع، أو إصلاح للخَلق، وهم أهل العلم والفقه، فلم يبقَ إلا أن يكون إهمالهم له لمعنى، وحينئذ فالعمل على ما أهملوه مخالفةٌ لهم، ولا خير في مخالفة السلف، بل هو الضلال بعينه[46].
الدليل الرابع: أن ما سكت عنه السلف على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون مسكوتًا عنه في زمن النبوة مع وجود مظنة العمل ولم يشرع له أمر خاص، فهذا النوع لا سبيل إلى مخالفة أمر الشرع فيه؛ لأن سكوته عنه لا بد وأن يكون لمعنى، وحينئذ يلزمنا إهماله، ومن عمل به كان مخالفًا للشرع، ومبتدعًا فيه ما ليس منه.
الوجه الثاني: أن يكون مسكوتًا عنه، ولا مظنة للعمل به في زمن الرسالة، بل توجد المظنة بعد ذلك، فيشرع له أمر زائد ملائم لتصرفات الشرع، فهذا هو ما يسمى بالمصالح المرسلة، والعمل بها حق، وهي من أصول الشريعة الراجعة إلى الأدلة الشرعية[47].
أدلة مَن لا يرى وجوب التفريق بين المصالح والبدع من منظور الشَّاطبي، ورده عليها:
لما أن كان يلزم من القول بتقسيم البدع والاستدلال بالمصالح المرسلة عليها عدم التفريق بين البدع والمصالح الشرعية، وعدم وجوب معرفة هذا الفرق بالنسبة للمجتهد، تعرض الشَّاطبي لأدلة من يتمسك بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه من تحسين البدع، أو أن منها ما هو حسن وما هو قبيح، ثم ناقشها وبيَّن موضع الحق في المسألة، وفيما يلي عرض الأدلة:
الدليل الأول: أن السلف الصالح اخترعوا أشياء لم تكن في زمن النبوة؛ كجمع المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، فدل ذلك على جواز إحداث ما لم يكن، وإذا كان هذا من باب المصالح المرسلة، فإن المصالح والبدع من باب واحد، فهما ينبعان من معين واحد، ومعناهما راجع إلى أصل واحد، فهما يرجعان إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين في الشرع، وليس هو من باب ما يمكن فيه القياس.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن اعتبر المصالح لزمه اعتبار البدع المستحسنة، ومن رد البدع المستحسنة لزمه رد المصالح المرسلة[48].
مناقشته:
ناقش الشَّاطبي ذلك: بأن المصالح ليست من باب البدع، وبيان ذلك يتضح ببيان أقسام المناسب، وهي باختصار:
أولًا: أن يكون قد شهد الشرع بقبوله، فهذا محل وفاق في إعماله.
ثانيًا: أن يكون قد شهد الشرع برده، فهذا محل وفاق في رده.
ثالثًا: ما لم يرد بخصوصه دليل معين يشهد بقبوله أو برده، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون غير ملائم لتصرفات الشرع، وهذا مردود بالاتفاق، والثاني: أن يكون ملائمًا لتصرفات الشرع، وهو ما شهدت له عمومات الأدلة الشرعية، وهذا هو ما يسمى بالاستدلال المرسل، أو بالمصالح المرسلة، وعلى هذا القسم تتنزل الأمثلة المذكورة عن الصحابة؛ كجمع الصحابة للمصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وغير ذلك، فظهر بهذا أن المصالح من باب الملائم لتصرفات الشرع، والبدع بخلاف ذلك؛ فليست من باب الملائم، وإنما من باب ما شهد الشرع برده، فحصل الفرق[49].
الدليل الثاني: أن البدع من باب المسكوت عنه شرعًا وعند السلف الأولين، وإذا كان مسكوتًا عنه فلا يقتضي مخالفة ولا موافقة، وعلى هذا فإذا وجدنا له مساغًا في الشرع، فلا مخالفة فيه، بل عملنا به لما فيه من المصلحة، وإن لم يكن فيه مصلحة ولم نجد له مساغًا في الشرع أهملناه، وإن لم نجد لا هذا ولا هذا، فهو كسائر المباحات إعمالًا للمصالح المرسلة[50].
مناقشته: ناقش الشَّاطبي هذا الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن من استدل بالمصالح على بدعة، فلا يخلو من حالين:
أن يكون ما ادعاه موجودًا في عمل الأقدمين، أو لا يكون كذلك، فإن كان موجودًا فليس محل الفرض، وإن لم يكن موجودًا، فلا يخلو:
أن يكون ما توصل إليه قد توصل إليه السلف، وعرفوه من مأخذ الأدلة، أو لا، فإن كان غير موجود عندهم كما يزعم، فلا يخلو: أن يكون السلف قد غفلوا عنه، وأهملوه، وجهلوا به، أو لا، فإن زعم جهلهم به وغفلتهم عنه كان ذلك فضحًا له وإشارة لجهله؛ إذ كيف يدعي علم ما جهلوه، وإن زعم عدم غفلتهم فهو قد شهد على نفسه بخرق الإجماع؛ إذ هم قد أجمعوا على تركه فخالفهم، وإن زعم أنهم لم يتوصلوا إليه، فهو كمن زعم جهلهم.
وإن زعم توصُّلهم إليه فلم يعملوا به فتركهم له خطأ، ولا يصح أن يجمعوا على خطأ، وكيف يتتابعون على تركه حتى يبينه هذا الزاعم، هذا ما لا يصح، ولا يمكن أبدًا[51].
الوجه الثاني: أن هذا المعنى الذي اخترعه المخترع وتركه السلف الصالح وأهملوه لا يخلو من حالتين:
أولًا: أن يكون تركهم له لمعنى.
ثانيًا: أن يكون تركهم له لغير معنى.
والثاني باطل؛ لأنه لا يمكن إهمالهم لفعل فيه قربة للشرع، أو إصلاح للخَلق، وهم أهل العلم والفقه، فلم يبقَ إلا أن يكون إهمالهم له لمعنى، وحينئذ فالعمل على ما أهملوه مخالفة لهم، ولا خير في مخالفة السلف، بل هو الضلال بعينه[52].
الوجه الثالث: أن المسكوت عنه على وجهين:
الأول: أن يسكت عنه في زمن النبوة مع وجود مظنة العمل ولم يشرع له أمر خاص، فهذا النوع لا سبيل إلى مخالفة أمر الشرع فيه؛ لأن سكوته عنه لا بد وأن يكون لمعنى، وحينئذ يلزمنا إهماله، ومن عمل به كان مخالفًا للشرع، ومبتدعًا فيه ما ليس منه.
الثاني: أن يسكت عنه ولا مظنة للعمل به في زمن الرسالة، بل توجد المظنة بعد ذلك، فيشرع له أمر زائد ملائم لتصرفات الشرع، فهذا هو ما يسمى بالمصالح المرسلة، والعمل بها حق، وهي من أصول الشريعة الراجعة إلى الأدلة الشرعية[53].
الدليل الثالث: أن الأدلة إذا جاءت بالإذن فإنها مطلقة، وإذا كانت كذلك جاز لنا أن ندرج فيها ما نرى أنه حسن، ولم يكن واجبًا تقييد ذلك بالنظر في عمل السلف، لأن المطلق قابل لكل تقييد[54].
مناقشته: ناقش الشَّاطبي هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أن من المقرر في أصول الفقه أن المطلق إذا وقع العمل به، وتقيد على وجه، لم يكن حجة في غيره، وبما أن المطلق قد تقيد مطلقه بالعمل فلا مزيد عليه[55].
جوابه: يمكن أن يجاب بأن بعض الأصوليين ذكر أن في المسألة قولين[56].
الوجه الثاني: أن المطلق إذا لُحظ أن السلف قد أعملوه في جانب واستمر عملهم عليه، دل على أنهم أهملوا جانبه الآخر لمعنى، فلم يجز مخالفتهم فيما أعملوه فيه، إلا بدليل يفيد ذلك[57].
[1] إعلام الموقعين (3/ 11).
[2] لاحظ مجموع الفتاوى (11/ 342) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[3] انظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 303) القاموس المحيط (293) كلاهما مادة: "صلح".
[4] البحر المحيط (6/ 76).
[5] شرح مختصر الروضة (3/ 204).
[6] انظر: معجم مقاييس اللغة (1/ 209) القاموس المحيط (906) كلاهما مادة: "بدع".
[7] انظر: الاعتصام (1/ 28 وما بعدها شرح للتعريفين)، وانظر لتعريف البدعة: الباعث على إنكار البدع والحوادث (24) تهذيب الأسماء واللغات (3/ 22) قواعد الأحكام (2/ 172) مجموع الفتاوى (4/ 107 - 108) التعريفات (43) جامع العلوم والحكم (289) الفتاوى الحديثية (281) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (81) الإبداع في مضار الابتداع (26) شرح لمعة الاعتقاد (23) حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 252 وما بعدها 352 وما بعدها).
[8] الاعتصام (2/ 329، 368).
[9] انظر: حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 254 وما بعدها) ففيه شرح لتعريف الشاطبي، ومناقشة لمن ناقش تعريف الشاطبي.
[10] انظر: الاعتصام (1/ 129، 2/ 359) الموافقات (3/ 41، 283).
[11] انظر: الاعتصام (2/ 351) الموافقات (3/ 283 - 284).
[12] أي: الاستدلال بالمصالح المرسلة على البدع.
[13] الموافقات (3/ 284).
[14] انظر: تقسيم المصالح والمناسب في: المحصول (5/ 166، 6/ 162) نفائس الأصول (7/ 3269) شرح تنقيح الفصول (446) السراج الوهاج (2/ 996) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 122، 125 - 127) نهاية الوصول (8/ 3997) شرح مختصر الروضة (3/ 205) نهاية السول (4/ 91) الإبهاج (3/ 62) تقريب الوصول (405) تشنيف المسامع (3/ 296) شرح الكوكب المنير (4/ 180) إرشاد الفحول (368).
[15] نقل الاتفاق في المحصول (5/ 166) نهاية الوصول لابن الساعاتي (2/ 632) نهاية الوصول (8/ 3996) شرح الكوكب المنير (3/ 205).
[16] نقل الاتفاق في المحصول (5/ 167) الإحكام (3/ 285) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123) السراج الوهاج (2/ 997) نهاية الوصول (3/ 3997) الكاشف (6/ 349) الإبهاج (3/ 63) شرح العضد (2/ 242) تشنيف المسامع (3/ 298) تقريب الوصول (408).
[17] نقلت هذه الفتوى عن يحيى بن يحيى الليثي المالكي، أفتى بها عبدالرحمن بن الحكم الأموي، وقد دافع عن هذه الفتوى القرافي، ووجهها المطيعي، فانظر لها: الاعتصام (2/ 352 - 353) الموافقات (3/ 186) ترتيب المدارك (1/ 314) شفاء الغليل (219) المحصول (6/ 162) الإحكام (3/ 285) نفائس الأصول (7/ 3275، 9/ 4086) نهاية السول ومعه سلم الوصول (4/ 93) الإبهاج (3/ 64) شرح العضد (2/ 244) غاية الوصول (124) شرح الكوكب المنير (4/ 180).
[18] ومما ورد في ذلك ما رواه أبو داود في سننه كتاب الديات باب ديات الأعضاء (4/ 691/ 4564) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الفرائض باب لا يرث القاتل (6/ 220) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثُه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتلُ شيئًا))، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض باب توريث القاتل (4/ 79/ 6367) والدارقطني في سننه كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك (4/ 237) والبيهقي في الموضع السابق بلفظ: ((ليس للقاتل من الميراث شيء))، وصححه الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل (6/ 117).
[19] وهو مردود بالاتفاق في هذه الحالة؛ انظر: شفاء الغليل (188) نهاية الوصول لابن الساعاتي (2/ 633) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123) السراج الوهاج (2/ 997) شرح الكوكب المنير (4/ 181).
[20] انظر للكلام على المصالح المرسلة: البرهان (2/ 721) قواطع الأدلة (2/ 259) المستصفى (1/ 284) شفاء الغليل (207، 211) التنقيحات (316) الوصول (2/ 286) روضة الناظر (1/ 340) الإحكام (4/ 160) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123، 127) شرح تنقيح الفصول (446) نفائس الأصول (9/ 4082) نهاية الوصول (3/ 3996) شرح مختصر الروضة (3/ 204) المسودة (450) مجموع الفتاوى (11/ 344) شرح العضد (2/ 242، 289) نهاية السول (4/ 386) الإبهاج (3/ 60، 178) البحر المحيط (6/ 76) التوضيح لمتن التنقيح (2/ 151) شرح الكوكب المنير (4/ 169، 433) تيسير التحرير (4/ 171) فواتح الرحموت (2/ 226) إرشاد الفحول (403).
[21] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354)، وقد أطال الشاطبي في التفصيل وذِكر الأمثلة.
[22] انظر: الاعتصام (2/ 368) الموافقات (1/ 32 - 33، 3/ 41 - 42).
[23] انظر: الاعتصام (2/ 364 - 368) الموافقات (3/ 285).
[24] أطال الشاطبي في التمثيل والتقرير بأكثر مما هنا؛ انظر: الاعتصام (2/ 364 - 367).
[25] انظر: الاعتصام (2/ 366 - 367).
[26] انظر: الاعتصام (2/ 367 - 368).
[27] انظر لهذه الفروق: الإبداع في مضار الابتداع (83) أدلة الأحكام عند الشاطبي (129) التعليل بالمصلحة عند الأصوليين (346) حقيقة البدعة وأحكامها (2/ 187) علم أصول البدع لعلي بن حسن الأثري (225).
[28] أشار إلى هذا الشاطبي؛ انظر: الموافقات (3/ 283) الاعتصام (2/ 351).
[29] انظر: قواعد الأحكام (2/ 172) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[30] انظر: الفروق (4/ 202) وتبعه صاحب تهذيب الفروق (4/ 217).
[31] انظر: القوانين الفقهية (19).
[32] انظر: المنثور في القواعد (1/ 218).
[33] انظر: فتح الباري (4/ 253، 13/ 254) منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة (3/ 1432).
[34] انظر: الفتاوى الحديثية (150).
[35] انظر: فتح المغيث (2/ 58، 3/ 161).
[36] انظر: الحاوي في الفتاوي (1/ 192، 348) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (89).
[37] انظر: تهذيب الأسماء واللغات (3/ 22).
[38] انظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[39] رواه عنه أبو نعيم في حلية الأولياء (9/ 113) ونقله عنه ابن حجر في فتح الباري (13/ 253) والسيوطي في الأمر بالاتباع (89)، وقول عمر - رضي الله عنه - سبق تخريجه (ص 410).
[40] معالم السنن (5/ 14).
[41] انظر: الاعتصام (1/ 139)، وما ذكره الشاطبي ظاهر لمن تأمل كلامه، لا سيما ما نقله عنه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[42] انظر: الاعتصام (1/ 139)، وقد ناقش الشاطبي هذا التقسيم مناقشة مطولة، وانظر لذلك: الموافقات (4/ 38) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 586 وما بعدها) حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 379).
[43] فتح الباري (13/ 253)، وانظر قريبًا من هذا لابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (280 - 281).
[44] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354).
[45] انظر: الموافقات (3/ 280 - 281، 284)، وانظر شيئًا من ذلك في: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71) مجموع الفتاوى (4/ 157 - 158، 5/ 7 - 8).
[46] انظر: الموافقات (3/ 253).
[47] انظر: الموافقات (3/ 39 - 40، 285) الاعتصام (1/ 133 - 135)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[48] انظر: الموافقات (3/ 283) الاعتصام (2/ 351).
[49] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354).
[50] انظر: الموافقات (3/ 160 - 161، 284 - 285)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 586).
[51] انظر: الموافقات (3/ 280 - 281، 284) وانظر شيئًا من ذلك في: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71) مجموع الفتاوى (4/ 157 - 158، 5/ 7 - 8).
[52] انظر: الموافقات (3/ 253).
[53] انظر: الموافقات (3/ 39 - 40، 285) الاعتصام (1/ 133 - 135) وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[54] انظر: الموافقات (3/ 285 - 286) وانظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71).
[55] انظر: الموافقات (3/ 285 - 286).
[56] انظر لذلك: البحر المحيط (3/ 433، 435).
[57] الموافقات (3/ 285 - 286).