كذلك يحسن المحافظة على سنة الفجر والإشراق والنوافل المطلقة والمقيدة حتى ينوّع المرء من عباداته ، ويعتاد ما انشغل عنه في سائر أيامه .
في المباحات : هناك جوانب أخرى يحسن بالمعكتف أن يخالف ما جرى أكثر الناس عليه فيها .. أذكر منها ثلاثة أمور لعلها جماع كثير من الخسران :
1- فضول الكلام .
2- فضول الأكل .
3- فضول المخالطة .
1- فضول الكلام : كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى بعض أصحابه : (أما بعد : فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ، ومن عد كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما ينفعه والسلام) [21] .
قال عطاء بن أبي رباح : (يا بن أخي ! إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله عز وجل أن تقرأه ، وتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر ، أو تنطلق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها . أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين ؟ ) [22] .
والشباب في هذا الزمان أخص الصالحين منهم أصبح هذا الجانب عند أكثرهم مفقوداً .. بل ربما هو لا يُفكر فيه ابتداءً إلا من رحم الله تعالى ؛ لذلك نشأ عنه عند كثير من الصالحين والدعاة وطلبة العلم فقدان السمت ، ونقص الحكمة في الكلام ، وخلط الجد بالهزل ؛ فضلاً عن الوقوع في بعض المحرمات كالغيبة والكذب والسمعة ونحوها .. ولعل بقاء المرء في معتكفه وسيلة عظيمة لحبس لسانه ومحاسبة نفسه على كل حرف يخرج منه في غير ذكر الله أو ضرورة ..
كما أن المعتكف ينبغي له أن يعوّد نفسه ويعوّد كل من يقطع عليه اعتكافه على عدم الاسترسال في الكلام الذي لا حاجة له ، مع مراعاة الأدب وحسن القصد .
قال إبراهيم بن سليمان : (كنت جالساً مع سفيان ، فجعل رجل ينظر إلى ثوب كان على سفيان ثم قال : يا أبا عبد الله ! أي شيء كان هذا الثوب ؟ فقال سفيان : كانوا يكرهون فضول الكلام) [23] .
ويُتنبه هنا إلى أنه يُكره للمعتكف الصمت عن الكلام إذا اعتقد أنه عبادة أو قربة ؛ لحديث الرجل الذي نذر أن يقوم في الشمس ولا يتكلم ويصوم ، فأمره الرسول أن يستظل ويتكلم ويقعد ويتم صومه ، والحديث في الصحيح [24] .
2-فضول الأكل : قال إبراهيم بن أدهم : (من ضبط بطنه ضبط دينه ، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة ، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان) [25] .
إن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب ، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول .
قال لقمان لابنه : (يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة) [26] .
وقال ابن القيم رحمه الله : (وأما فضول الطعام فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر ؛ فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي وينقلها عن الطاعات وحسبك بهذين شراً) [27] .
ولا شك أن المعتكف بحاجة إلى نبذ كل ما يقعده عن الطاعة ومن ذلك كثرة الأكل وتنويعه .. قال عمر رضي الله عنه : (من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة) [28] .
كما أنه فرصة للمرء ليُربي نفسه عن التقلل والتزهد في أصناف المطعومات ويجاهد نفسه عن الاستغناء عن كثير مما اعتاده .
قُدّم لعمر بن عبد العزيز طعامٌ كثير عند بعض أهله فقال : (ويحك ! هذا ما يسد الجوعة ويُذهب سَورة النفس ، وتقدّم فضل ذلك ليوم فقرك وفاقتك ؟ ) [29] .
وكذلك فإن عدم الاهتمام بتنويع الأكل والبحث عنه سيوفر للمرء وقتاً في معتكفه هو بحاجة ماسة إلى صرفه في ذكر وطاعة .
قال أبو الوفاء ابن عقيل : (وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ توفراً على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها) [30] .
3-فضول المخالطة : وهذه أمرها جلل لأن أكثر الناس درجوا على الاجتماع والخلطة حتى افتقدوا إلى القدرة على إنشاء الطاعات وإتمامها بأنفسهم بعيداً عن الرفاق .
وصورة ذلك في الاعتكاف ما يُرى من تجمع المعارف ليعتكفوا في مسجد واحد أو مكان معين في مسجد ما ... وهذا وإن كان يسوّغه أحياناً لبعض الناس وجود مصالح راجحة من منظور تربوي دعوي .. إلا أنه يحسن بالمرء معرفة أمور ومراعاتها :
* منها أن كثرة الخلطة تقصر همة العبد عند همة أصحابه أو دونهم : يقول ابن القيم رحمه الله : (فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه ؛ فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم ومباهاتهم والسلوك أين سلكوا ؛ حتى لو دخلوا جحر ضب لأحب أن يدخل معهم) [31] .
فهذا يدعو المرء للانفراد حتى يعامل الله مباشرة ؛ فكلما ظن أنه مقصر ازداد اجتهاداً ..
* ومنها أن الخلطة مظنة كثرة المزاح مما يقود إلى التقليل من هيبة مكان وزمان الطاعة وأن ينجر المرء إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب ونحوها . . قال ابن عبد البر : (وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة ومن التوصل إلى الأعراض واستجلاب الضغائن وإفساد الإخاء) [32] .
* ومنها أن الاعتكاف فرصة ليقيم المرء عبادته بعيداً عن أعين معارفه ليختبر إخلاصه ، فعن بكر ابن ماعز قال : (ما رُئي الربيع متطوعاً في مسجد قومه إلا مرة واحدة .. ) [33] وذلك لا يتأتى بالخلطة .
* ومنها أن كثرة الخلطة تدعو إلى فضول الكلام والنظر وتضييع كثير من الوقت في النوم وانشغالات خدمة الجماعة بغير ضرورة ، وتُفقد المرء لذة المناجاة ، وغير ذلك من مناقضات جوهر الاعتكاف . فعلى المرء أن يجاهد نفسه على العزلة والتطلع الدائم إلى معالي الرتب ، واستشعار الرقابة الدائمة لله ، وتذكر فجأة الموت.. عسى أن يخرج من اعتكافه بذات أخرى يكتب الله لها نصيباً أكبر من الفلاح وخدمة دينها وأمتها .. وبعدُ : فإنه ليس من الصعب تغيير النفس وقطعها عن كل ما اعتادته لمن أخلص نيته وصدق في عزيمته .
يقول المنذر بن عبيد : (تولى عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرت حاله في العصر) [34] .
ولكن من الضروري أن يصاحب ذلك أخذ على النفس بالجد والحزم في معالجة قصورها .. قال ابن حزم رحمه الله يحدث نفسه : (كانت فِيّ عيوب ، فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس ، أعاني مداومته حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه) [35] .
كما يحتاج المرء إلى همة عالية ونفس أبية لا ترضى بالدون .
قال ابن القيم رحمه الله : (إذا طلع نجم الهمة في ليل البطالة ، ورَدَفَهُ قمر العزيمة ، أشرقت أرض القلب بنور ربها) [36] .
كذلك يحتاج المرء إلى استغلال أيام الاعتكاف كفرصة للنقلة الإيجابية المطلوبة .
ومهما حفظ الإنسان من الحِكَم وكانت رغباته صالحة فلن تتحسن أخلاقه وتقوى إلا إذا انتهز كل فرصة تسنح له [37] . وأخيراً .. فإنني أختم بتحذيرين اثنين :
الأول : أن يحذر الإنسان من طلب الكمالات المحضة التي تسبب انتكاسة في الهمة .
قال العلامة محمد الخضر حسين رحمه الله : (والخطل أن ينزع الرجل إلى خصلة شريفة حتى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة انصرف عنها جملة ، والتحق بالطائفة التي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب ، والذي يوافق الحكمة ويقتضيه حق التعاون في سعادة الجماعة أن يذهب في همته إلى الغايات البعيدة ثميسعى لها سعيها ولا يقف دون النهاية إلا حيث ينفذ جهده ولا يهتدي للمزيد على ما فعله سبيلاً) [38] .
الثاني : أهمية تعظيم حرمات الله مكاناً وزماناً .. إذ ربما يجهد المرء للعلاج ثم يُحرم الخير بتهاونه في هذا الجانب الناتج عن طول المكث والاعتياد .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام : (كنت مستلقياً في المسجد الحرام ، فجاءتني عائشة المكيّة وكانت من العارفات ، فقالت : يا أبا عبيد ! لا تجالسه إلا بأدب ؛ وإلا محاك من ديوان العلماء والصالحين) [39] .
أسأل الله أن يعيننا على طاعته ويكتب لنا فيها القبول ، والله أعلم ، والحمد لله من قبل ومن بعد .
(1) البخاري : الاعتكاف ، حديث (2044) .
(2) صحيح الجامع ، برقم (5837) .
(3) قيمة الزمن عند العلماء ، ص31 .
(4) الظلال (6/3741) ، دار الشروق .
(5) العلم ضرورة شرعية ، د ناصر العمر ، ص60 .
(6) صحيح الوابل الصيب ، ص148 .
(7) صحيح الوابل الصيب ، ص63 .
(8) تزكية النفوس ، ص45 .
(9) صحيح الوابل الطيب ، ص95 .
(10) أعلام المسلمين ، 23 ، ص321 ، سلسلة دار القلم .
(11) أعلام المسلمين ، 47 ، ص 237 .
(12) شرح السنة ، للبغوي ، 14/225 .
(13) البخاري : في المناقب ، حديث (3705) مسلم : في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم (2727) ، والترمذي : في الدعوات (3408) .
(14) الفائدة (61) من فوائد الذكر لابن القيم في صحيح الوابل الصيب ، ص144 .
(15) السير ، 10/646 .
(16) السير ، 7/266 .
(17) تعظيم قدر الصلاة ، 1/188 .
(18) الجرح والتعديل ، 1/95 .
(19) صفوة الصفوة ، 1/79 .
(20) تزكية النفوس ، ص 62 .
(21) السير ، 5/133 .
(22) صفة الصفوة ، 2/213 .
(23) حلية الأولياء ، 7/60 .
(24) الاعتكاف ، د أحمد الكبيسي ، ص 71 .
(25) تزكية النفوس ، ص 41 .
(26) الأدب النبوي ، للخولي ، ص 212 .
(27) بدائع الفوائد ، 2/273 .
(28) الحلم ، لابن أبي الدنيا ، ص 78 .
(29) دار القلم ، أعلام المسلمين ، ص 118 ، رقم (40) .
(30) سوانح وتأملات في قيمة الزمن ، خلدون الأحدب ، ص 34 .
(31) الهمة العالية ، ص 73 .
(32) بهجة المجالس ، 2/569 .
(33) صفة الصفوة ، 3/61 .
(34) دار القلم ، ص 232 ، رقم (40) .
(35) الأخلاق والسير ، لابن حزم ، ص 23 .
(36) الفوائد ، ص 79 .
(37) الأخلاق ، أحمد أمين ، 38 .
(38) الهمة العالية ، 69 .
(39) شذرات الذهب ، 2/55 .