
04-11-2020, 10:50 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة :
|
|
رد: القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي
2- قاعدة: ((إن تصدق الله يصدقك)) ((صدق الله فصدقه)).
هاتان القاعدتان جزء من حديث شريف جاء فيه: ((أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - سبياً فقسم وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذه فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟، قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، أنا شهيد على ذلك) (151).
وهاتان القاعدتان الواردتان في مورد واحد تؤكدان على أهمية خلق الصدق مع الله - عز وجل -، وأن جزاءه العاجل صدق الله مع العبد، وإعطاؤه لعبده ما يريد.
وما أكثر النصوص الشرعية المؤكدة على خلق الصدق، والمحذرة من خلق الكذب، سواء كان صدقاً مع الله، أو مع النفس، أو مع الآخرين، أو الجاعلة خلق الكذب من أخلاق المنافقين والكافرين!!
والذي تميز به هذا النص عن غيره، أن جعل من ذلك قاعدة مطردة تصلح لكل فرد أو جماعة، كما تصلح لكل مقام وموقف..
3- قاعدة: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)).
هذه القاعدة جزء من حديث أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، وابن ماجه والدارمي في كتاب النكاح (152)، وقد اشتمل هذا الحديث على أحكام عامة تصلح أن تكون قواعد خلقية عامة، منها:
1- أن حسن الخلق من كمال الإيمان.
2- وأن خير المسلمين من كان خيراً لأهله.
3- أن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو خير الناس لأهله.
فالقاعدة الأولى تربط ما بين كمال الإيمان وحين الخلق، وتظهر مكانة الأخلاق في الإسلام، حيث جاء في أول الحديث ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً...)) (153).
والقاعدة الثانية: تضع معياراً للخيرية والتفاضل بين المؤمنين، وتصرح أن أفضل المسلمين وخيرهم من كان أفضلهم وخيرهم لأهله.
والقاعدة الثالثة: تبين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو خير الناس لأهله، وتضع معياراً لهذه الخيرية، وقدوة مطلقة فيها، فالخيرية المطلقة مع الأهل هي ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - مع أهله، وليست تبعاً لأهواء الرجال أو النساء، كما أنها ليست تبعاً لما اعتاده بعض الرجال في التعامل مع نسائهم.
وقد اشتملت النصوص الشرعية والسيرة النبوية على شمائله - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع أهله، من المحبة لهم، والإحسان إليهم، والتلطف معهم، والقوامة عليهم.. مما يشكل منهجاً واضحاً لتحقيق هذه الخيرية.
4- قاعدة: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (154).
يضع هذا الحديث الشريف قاعدة كاشفة، ومعياراً ضابطاً لكل من البر والإثم في جانب الأخلاق. فالبر في جانب الأخلاق يتمثل في حسن الخلق عامة مع الناس وقد جاءت وصيته - صلى الله عليه وسلم - بإحسان الخلق مع الناس عامة، فقال: ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (155).
والإثم في جانب الأخلاق يتمثل في الخلق الذي تتردد النفس الصالحة في الحكم عليه، وتتحرج من التخلق به، وتكره أن يطلع الناس على وجوده فيها.. لأن الفطرة البشرية تحب أن يطلع على كل خلق كريم، كما تحرص أن تتستر على كل خلق قبيح.
فتضع هذه القاعدة بذلك ضابطاً عملياً، ومعياراً دقيقاً لكل خلق وتصرف يواجه الإنسان في حياته، في الوقت الذي تؤكد أن البر المأمور به، والمحبوب عند الله - عز وجل - في جانب العلاقة مع الآخرين، متمثل في حسن الخلق معهم.
وإن هذا الضابط العملي والمعيار الدقيق يمنع النفس الخبيثة الأمارة بالسوء من أن تزين للمرء خلقاً قبيحاً، أو تصرفه عن الخلق الحسن.. إن مثل هذه المعايير والضوابط تعد محسناً من محاسن الإسلام، وخصيصة من خصائص نظام الأخلاق فيه، حيث تنضبط المعايير، وتثبت الفضائل، ولا تبقى عرضة للتحول والتغير تبعاً للعادات والأعراف، كما تذهب إليه النظرية النسبية في الأخلاق عند كثر من غير المسلمين (156).
5- قاعدة: ((كن كابن آدم)) (157)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل)) (158).
هذه النصـوص أجزاء من أحـاديث نبوية وردت في بيان موقف المسلـم من الفتن، وهي في مجملها تمثل قاعدة خلقية خاصة بحال الفتن التي يلتبس فيها الحق بالباطل، كالاقتتال بين المسلمين جماعات أو أفراداً، وفي حال اختلافهم على طلب الملك وما إلى ذلك.
فقد بين الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن من خلق المسلم في حال الفتنة (المسالمة والصبر) وعدم مقابلة القاتل بالقتل، خلافاً لخلقه في الأحوال العادية التي شرع الله فيها رد الاعتداء بمثله، وهي المعروفة عند العلماء بمسألة (الظفر) أو (رد الصائل)، حيث جاء فيها قول الله - تعالى -: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)) (البقرة: 194)، وقوله في صفات المؤمنين أيضاً: ((والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون * وجزاؤ سيئةٍ سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل* إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم * ولمن صبر وغفر أن ذلك لمن عزم الأمور)) (الشورى: 39-43).
أما القاعدة الخاصة بالفتنة، فقد وردت فيها أحاديث عديدة، تشير إلى التأسي فيها بموقف خير ابني آدم الذي قال فيه لأخيه: ((لأن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)) (المائدة: 28).
يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفاً وأن لا يمتنع ممن يريد قتله، قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة) (159).
ومن العجيب ما وقع فيه بعض الدعاة المحدثين من تعميم قاعدة الموقف حال الفتنة على عموم المواقف العادية الأخرى!! كما فعل الأستاذ جودت سعيد في كتابه القديم
(مذهب ابن آدم الأول) وكتابه الجديد (كن كابن آدم) مما سنناقشه إن شاء الله في آخر البحث عند الحديث عن التطبيقات الخاطئة لبعض القواعد الشرعية.
إلى غير ذلك من قواعد شرعية خلقية عديدة يوقف عليها في كتب الأخلاق والآداب الشرعية.
المبحث الخامس: نماذج من القواعد، وتطبيقاتها في جانب الدعوة
هناك قواعد شرعية عديدة تصلح ضوابط لأمور الدعوة الإسلامية، سواء من حيث أصولها ومناهجها، أو من حيث أسلوبها ووسائلها..
وإن الدعوة الإسلامية لا تكون سليمة وصحيحة ومنتجة إلا إذا تقيدت بتلك القواعد الشرعية، وانضبطت بتلك الضوابط، ذلك لأن أبرز خصائصها أن تكون على بصيرة، قال الله - تعالى -: ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين)) (يوسف: 108).
وما ضعفت الدعوة الإسلامية على مدى الأيام، وما تخبط في طريقها، إلا بسبب بعدها عن تلك البصيرة المنشودة، ووقوعها في انحراف المهج أو قصوره، وخطأ الأسلوب وضعف الوسيلة.
وما أحوج الدعاة اليوم إلى تفهم القواعد الشرعية، والانضباط بها ليقوموا بدعوتهم حق القيام، فيصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم، قال - تعالى -: ((يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفرلكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)) (الأحزاب: 70-71).
أولاً: سرد نماذج للقواعد الدعوية:
1- قول الله - تعالى -: ((قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)) (الأعراف: 164).
2- قوله - سبحانه وتعالى-: ((قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)) (الأنعام: 91).
3- قول الله - تعالى -: ((فلا تقعد بعد لذكرى مع القوم الظالمين)) (الأنعام: 68).
4- قوله - تعالى -: ((وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)) (سبأ: 24).
5- قوله - تعالى -: ((وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم تقون)) (الأنعام: 69).
6- قول الله - تعالى -: ((فذكر إنما أنب مذكر * لست عليهم بمصيطرا)) (الغاشية: 21-22).
7- قوله - تعالى -: ((ولا تزر وزارة وزرا أخرى)) (فاطر: 18).
8- قوله - تعالى -: ((إن مع العسر يسراً)) (الشرح: 6).
9- قوله - تعالى -: ((لا تحسبن الذين كفرو معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير)) (النور: 57).
10- قوله - سبحانه - - تعالى -: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)) (آل عمران: 120).
11- قوله - تعالى - ((لآ إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) (البقرة: 256).
12- قوله - صلى الله عليه وسلم - ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)) (160).
13- قوله - صلى الله عليه وسلم - ((إن الله رفيق يحب الرفق الأمر كله)) (161).
14- قوله - صلى الله عليه وسلم - ((المؤمن مرآة المؤمن)) (162).
15- قوله - صلى الله عليه وسلم - ((لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)) (163).
16- قول عائشة - رضي الله عنها -: (ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) (164).
17- قول أبو بكر - رضي الله عنه - (أينقص الدين وأنا حي! ) (165).
18- قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (وإني أخشى أن آخذ الناس بالإسلام جملة، فيدفعوه جملة) (166).
19- قول بعض الدعاة: (نحن دعاة لا قضاة) (167).
20- قول بعضهم: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)) (168).
إلى غير ذلك من قواعد كثيرة وضوابط عديدة مبثوثة في كتاب الله - عز وجل -، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصادرة عن كثير من العلماء العاملين، والدعاة الربانيين في القديم والحديث، تزخر بها الكتب الدعوية.
ثانياً: إجراء تطبيقات على خمس من القواعد السابقة:
1- قاعدة: ((قالوا معذرة إلى ربكم ولعلمهم يتقون)).
وردت هذه القاعدة الدعوية القرآنية في قصة أصحاب السبت من اليهود في سورة الأعراف، حيث احتالوا على الحكم الشرعي في منعهم من الصيد يوم السبت، فقامت طائفة منهم بوعظهم وإنكار منكرهم، فقالت لهم طائفة: ((وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديدا ً)) (الأعراف: 164)، فأجاب الواعظون: ((قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتفون)) (الأعراف 164)، معللين وعظهم لهم بعلتين: الأولى: الإعذار إلى الله - عز وجل - بالقيام بواجب التذكير والنصيحة، والثانية: رجاء اتعاظهم، واتقائهم الله - سبحانه وتعالى- (169).
فكانت قاعدة عامة للدعاة تؤكد أن الغرض من الدعوة إلى الله - تعالى -، والنصيحة للآخرين في حال رؤيتهم على منكر أمران:
أ- القيام بواجب الأمر والنهي، والتناصح، إعذاراً إلى الله - عز وجل -.
ب- أداء حق المدعويين على الدعاة، وهو حق التذكير رجاء الاتعاظ والتذكر.
فليس من الحكمة الفصل ما بين هذه مقصدين على وجه إذا ضعف احتمال أحدهما عند الداعي، أهمل المقصد الآخر، بل على الداعي أن يقوم بواجبه في التذكير رجاء الاستجابة، وإبراء لذمته، والنتيجة الله - عز وجل - (170).
2- قاعدة: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيد هم شيئاً)).
هذه القاعدة الدعوية القرآنية وردت في سورة آل عمران، حيث ينهى الله - عز وجل - المؤمنين عن موالاة الكافرين، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فقال - تعالى -: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط)) (آل عمران: 120).
فبينت هذه القاعدة للدعاة عامة أن النجاة من كيد الأعداء منوطة بتحقيق شرطين أساسين هما: الصبر والتقوى، وقد تكرر هذا المعنى في آيات عديدة (171). ولكن كثيراً ما يغفل الدعاة عن هذه القاعدة، أو يقصروا في تحقيق هذين الشرطين، فيبتليهم الله بالكيد والأذى من أعدائهم، وينفذ كيدهم فيهم.
وليس الصبر والتقوى المشروطان في هذه الآية عبارة عن كلمات تقال، أو أحول تدعى، وإنما هي من عزائم الأمور التي تتطلب جهاداً ومجاهدة في تحقيقهما، والتي تعرف بآثارها ومظاهرها في حياة المؤمن.
ولعل من أبرز مظاهر التقوى المطلوبة:
1- الإخلاص لله - عز وجل - في النية والقول والعمل.
2- التزام طاعته - سبحانه -، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، باجتناب النواهي والعمل بالأوامر.
3- التواصي بين المؤمنين بالحق، وتبادل النصيحة والشورى فيما بينهم، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر.
4- إتقان العمل الصالح والاستمرار عليه، وتوخي الحكمة فيه.
5- تحقيق وحدة الصف بين العاملين، ونبذ التفرق والشقاق، ولا سيما عند مواجهة الأعداء.
6- اللجوء إلى الله - سبحانه - وحده، والإكثار من ذكره، والتضرع إليه في السراء والضراء.
كما أن من أبرز مظاهر الصبر المطلوب:
1- الاستمرار في الجهاد والعمل الحكيم، والثبات على التقوى والعمل الصالح.
2- البذل والتضحية في سبيل الله، والجهاد بالنفس والمال والوقف..
3- التعقل في العمل، وعدم التعجل في النتائج، وضبط النفس.
4- عدم الركون إلى الأعداء وتوليهم، وإعلان البراءة منهم، وتجنب الخضوع والتنازل عن أمور الدين من أجلهم.
5- التصديق بوعد الله - عز وجل -، والجزم بأن العاقبة للمتقين.
6- تفويض الأمر لله - سبحانه وتعالى-، وصدق التوكل عليه (172).
وما أحوج المسلمين اليوم إلى تفهم هذه القاعدة الدعوية، والاستنارة بها في دعوتهم، ومعالجة عقباتهم ومشكلاتهم!!
3- قاعدة: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)).
هذه القاعدة الدعوية قاعدة قرآنية تبين أنه لا مجال للإكراه أبداً في سبيل اعتناق العقيدة، ما دام كل من الرشد والغي أسبح واضحاً بما أوضحه الله ورسوله من جهة، وما دام الله قد أعطى كل إنسان العقل الذي يميز به بين الرشد والغي، والهدى من الضلالة من جهة أخرى، قال - تعالى -: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) (البقرة: 256).
وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية كثيراً نظراً لظاهر معارضتها مع بعض آيات الجهاد من جهة، ولما ثبت من قتال الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمشركي العرب، وأنه لم يرض منهم إلا الإسلام، فقال بعضهم بنسخها، وقال آخرون إنها خاصة بأهل الكتاب من دون المشركين، وما إلى ذلك من أقوال (173).
ولكن الذي يجمع بينها وبين النصوص الأخرى هو حمل لفظ (الدين) في هذه الآية على الاعتقاد والملة، فهذا مما لا يكره عليه أحد ابتداءً، وحمل لفظ الدين في آيات أخرى على الخضوع العام لنظام الإسلام العام، وإن بقي المرء على عقيدة أخرى.
كما جرى إقرار أهل الذمة على البقاء على عقائدهم وأديانهم، ما داموا قد خضعوا بعقد الذمة لنظام الإسلام العام، ودفعوا الجزية رمزاً لهذا الخضوع، وذلك مثل قوله - تعالى -: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)) (البقرة: 193)، وقوله - تعالى -:
((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)) (الأنفال: 39)، وقوله: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)) (التوبة: 33).
وهذا التوازن بين ضرورة الخضوع لنظام الإسلام العام، والمسالمة له من غير المسلمين من جهة، وبين عدم إكراه أحد على اعتناق الدين الحق من جهة أخرى، يعد مزية من مزايا النظام الإسلامي، ومحسناً عظيماً من محاسنه، حيث يحقق للجميع حرية الاعتقاد من جهة، كما يحقق للدين الحق علوه وخضوع الآخرين لنظامه من جهة أخرى. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه اليوم باصطلاح العصر: (الشرعية الدولية الربانية) التي يجب أن تهيمن على الجميع، مع السماح ببقاء الناس على شرائعهم الخاصة بهم، ولا ضير في مثل هذه الهيمنة العامة للشرعية الدولية الربانية، لأنها هيمنة شريعة الخالق على المخلوقين، وشريعة المعبود الواحد على العباد، خلاقاً لما يجري اليوم من هيمنة شريعة قوم معينين على غيرهم من الأقوام باسم الشرعية الدولية البشرية.
4- قاعدة: (نحن دعاة لا قضاة).
هذه القاعدة مقولة لأحد كبار رجال الدعوة في العصر الحاضر(174)، جعلها صاحباها عنواناً لكتاب له، كان له أثر طيب في تصحيح بعض المفاهيم العاصرة التي طرأت على بعض أبناء الحركة الإسلامية، وأفرزت اتجاهات دعوية متظرفة وجماعات عرفت بجماعات (التكفير والهجرة). فإن هذه القاعدة تؤكد على أن الداعي ليس قاضيا على الناس يحاكمهم ويحكم عليهم، وإنما هو هاد ومرشد، ومبشر ومنذر.
فليست وظيفته أن يصنف الناس إلى مسلم وكافر، أو فاسق أو مبتدع، بقدر ما تكون وظيفته دعوة الكافر إلى الإيمان، والفاسق إلى الطاعة، والمبتدع إلى الاتباع.
أما الحكم على الناس بكفر أو ردة أو فسق أو ابتداع، فهو متروك إلى المتخصصين من العلماء والمفتين والقضاة، الذين ينظرون إلى المسألة من جميع جوانبها، ويلمون بجميع متطلباتها، ثم يصدرون الأحكام فيها. وأمثال هؤلاء مجتهدون في أحكامهم، لهم أجران عليها إذا أصابوا، وأجر واحد إذا أخطأوا، ولا يأثمون في أحكامهم الخاطئة، إلا إذا قصروا فيها، ولم يستفرغوا وسعهم في تحقيق متطلباتها.
أما غيرهم من الناس مهما كانت ألقابهم ومستوياتهم، فليس من شأنهم إصدار الأحكام على الناس، وإذا فعلوا ذلك عرضوا أنفسهم إلى الخطر، وباؤوا بالإثم على كل حال.
ولكم اتخذ بعض شباب الدعوى الإسلامية اليوم مثل هذا الموقف، وتجرؤوا فيه على إصدار الأحكام على المسلمين، عامتهم وخاصتهم، حاكمهم ومحكومهم، مما جرهم إلى مواقف خاطئة، وتصرفات شاذة هنا وهناك، عانت منها الدعوة الإسلامية المعاصرة وقاست من ورائها الأمرين!!
وهذا يؤكد لنا أهمية هذه القاعدة، وضرورة تعليمها والتذكير بها، حتى لا يقع في الخطأ فيها شباب الدعوة كما وقع بعضهم.
وقد ظهرت كتب عديدة مفيدة في معالجة هذا الخطأ، تؤكد صحة هذه القاعدة، وتناقش الشبهات التي تثار في أذهان الناس حولها (175).
5- قاعدة: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه).
هذه القاعدة الدعوية تنسب للشيخ: محمد رشيد رضا - رحمه الله - وتبناها وأكد عليها الأستاذ حسن البنا - رحمه الله - وتقبلها جمهور الدعاة قبولاً حسناً (176)، وتحفظ عليها بعضهم بسبب إطلاق الإعذار للمخالف الذي قد يوهمه لفظها، ومن هنا رأيت ضرورة تقييدها صراحة بقولنا: (.. ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه فيما يجوز فيه الاختلاف) (177)، على الرغم من كونه قيداً ملحوظاً فيها، وذلك بسبب ما يجري لها من فهم خاطئ من جهة، وما يترتب على تطبيقاتها من أخطاء عملية عند بعض الدعاة من جهة أخرى، كما سنشير غليه إن شاء الله في آخر البحث عند الحديث عن التطبيقات الخاطئة للقواعد الشرعية.
وهذه القاعدة الدعوية تؤكد أمرين أساسين هما:
1- ضرورة التعاون في المتفق عليه.
2- ضرورة الإعذار للمخالف في المسألة الاجتهادية.
وإلا فما يمنع المتفقين على أمر ما من التعاون على تحقيقه، اللهم إلا الأنانيات القاتلة، والعصبيات البغيضة! وما يمنع المخالف من إعذار غيره في خلافه في مسألة اجتهادية، ما دامت محل اجتهاد ورأي من جهة، وما دام الإعذار موقفاً متبادلاً بين المختلفين من جهة أخرى!!
وإلا كيف يطلب إنسان من مخالف له أن يعذره في اجتهاده ومخالفته، في الوقت الذي لا يعذر هو صاحبه في خلاف له!!
ومما ينبغي التنبيه إليه هنا: أن إعذار المخالف في مخالفته لا يستلزم التسليم بقوله أولاً، كما لا يستلزم السكوت عن خطأ في نظره ثانياً. وإنما يستلزم الاحترام، وعدم الإنكار عليه، ولا يمنعه إعذاره من مناقشة رأي المخالف وبيان خطئه فيه، ومن دعوة المخالف إلى الخروج عن الخلاف أيضاً.
فكما أن من القواعد الشرعية (لا ينكر المختلف فيه) (178)، فإن من القواعد الشرعية أيضاً (الخروج من الخلاف محبوب) (179). وما أحوج الدعاة اليوم إلى تفهم هذه القاعدة تفهماً صحيحاً، وإلى تربية أجيالهم عليها، وعلى إحسان تطبيقها!!
إلى غير ذلك من قواعد شرعية دعوية كثيرة، تعرف في مواطنها من اكتب الشرعية عامة، والكتب الدعوية خاصة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|