القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي (3)
محمد أبو الفتح البيانوني
القسم الأول: القواعد الشرعية العامة وأثرها في ترشيد العمل الإسلامي:
المبحث الأول: نماذج من القواعد وتطبيقاتها في الجانب العقدي
إن المتتبع للقواعد الشرعية العامة في جانب العقائد يراها كثيرة منتشرة في كتاب الله - عز وجل -، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما يقف على كثير منها في كلام السلف الصالح، وفي ثنايا الكتب العقدية المتنوعة.
كما يجد بعضها اتخذ صيغة القاعدة وأسلوبها على وجه يتبادر إلى ذهن السامع لها أنها قاعدة عقدية، نظراً لأسلوب صياغتها من جهة، ولعلاقتها المباشرة بموضوعات عقدية واضحة من جهة أخرى. ويجد بعضً منها لم تتبلور صياغته بعد كقاعدة عقدية، وإنما اتخذ طابع حكم عقدي عام، يستخدمه العلماء في تقرير مسائل عقدية عديدة.. وهنا يبرز دور العلماء والمتخصصين في العلوم الشرعية في بلورة مثل هذه القواعد وتطوير صياغتها حتى تتخذ مع الزمن شكل القاعدة الفقهية أو الأصولية المعهودة.
ونظراً لكثرة مثل هذه القواعد من النوعين السابقين قي الجانب العقدي كغيره من الجوانب الأخرى - سأقوم في كل مبحث من هذه المباحث بخطوتين هما:
1- سَردُ نماذج لما يمكن أن يسمى قاعدة عقدية على سبيل التمثيل لا الحصر.
2- إجراء تطبيقات عقدية على عدد منها، لبيان كيفية الإفادة منها في الجانب العقدي وربطها به.
آملاً أن يكون مصل هذا العمل مفتاحاً عملياً، وأنموذجاً صالحاً للكتابة في هذا الموضوع.
أولاً: سَردُ نماذج للقواعد العقدية:
1- قوله - تعالى -: ((إنا كل شيءٍ خلقنه بقدرٍ)) (القمر: 49).
2- قوله - تعالى -: ((يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعنده أمُّ الكتاب)) (الرعد: 39).
3- قوله - تعالى -: ((إلا من أكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان)) (النحل: 106).
4- وقوله: ((فماذا بعد الحق إلا الضلال ُ)) (يونس: 32).
5- وقوله: ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه)) (الطلاق: 3).
6- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((رُفعت الأقلام وجفَّت الصُّحُف ُ)).
7- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلِماً فإن كان كافرِاً وإلا كان هوَ الكافِرُ)).
8- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يَدُ الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ إلى النار)).
9- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وكلَّ بدعة ضلالهٌ)).
10- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ولكن من رضي وتابع)).
11- قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق).
12- قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك).
13- قول أبن مسعود - رضي الله عنه -: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
14- قول علي - رضي الله عنه -: (كَدَرُ الجماعة ولا صفاء الفرقة).
15- قول بعض العلماء: (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال).
16- قول الإمام أبو جعفر الطحاوي: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه).
17- وقوله: (ولا تثبتُ قدم الإسلام، إلا على ظهر التسليم والاستسلام) .
18- وقوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً) .
19- وقوله: (ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود) .
20- وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه) .
إلى غير ذلك من قواعد عقدية كثيرة.
ثانياً: إجراء تطبيقات عقدية على عدد من القواعد.
سأكتفي في مجال التطبيقات بالتطبيق على خمس قواعد فقط في كل جانب من الجوانب مراعاة لحجم البحث، فمن ذلك:
1- قاعدة (ولكن من رضي وتابع).
هذه القاعدة جزءٌ من حديث نبوي شريف أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة - رضي الله عنها -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ستكون أمراءُ فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلّوا)) .
يقول الإمام النووي في شرحه: (.. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ولكن من رضي على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه) .
ويظهر من سياق الحديث الشريف، ومن كلام الإمام النووي أن هذه القاعدة تتعلق بباب التعامل مع الأمراء، وبباب الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وليس بباب العقائد، وإنما استشهدت بها في جانب العقيدة نظراً لاستخدام بعض العلماء لها في باب العقيدة من جهة، ولتعلقها بعمل القلب وهو الرضى والإنكار من جهة أخرى، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويؤخذ من هذه القاعدة أن مناط التكفير أو التأثيم في مشايعة الكفر أو الإثم، إنما هو في الرضى به والمتابعة عليه، وليس مجرد السكوت عنه، وذلك لأن السكون لا يصلح دللاً قوياً على المتابعة والرضى، فقد يسكت المرء عن منكر من المنكرات مهما كان كبيراً، لجهله بحكمه، أو لخوفه من صاحبه، أو لعدم قدرته على الإنكار باللسان أو اليد، أو لترتب مفسدة أكبر في نظره على إنكاره له.. وما إلى ذلك، فيكتفي بالإنكار بقلبه عن طريق بغضه له وسخطه على فاعله.
وكثيراً ما يغفل بعض الناس عن مثل هذه القاعدة فيحكمون بكفر بعض الناس أو تأثيمهم بمجرد سكوتهم عن مكفّر أو مفسّق، غافلين عن خطر الخطأ في ميدان التكفير والتأثيم ولا سيما لم يكن أهلاً لذلك! .
2- قاعدة (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق) . هذه القاعدة وردت على لسان عدد من علماء السلف، أمثال ابن عباس - رضي الله عنه -، وطاووس وغيرهما.
فعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) (المائدة: 44)، قال: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق)، وعن طاووس وغيره: (ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر) .
وورد عن كثير من العلماء تقسيم الشرك إلى شرك أصغر وأكبر .
ومما دعا العلماء إلى مثل هذا التفريق بين كفر وكفر، وشرك وشرك، ورود نصوص شرعية كثيرة تطلق وصف الكفر أو الشرك، أو الظلم أو الفسق، أو تنفي وصف الإيمان عمن ارتكب كبيرة من الكبائر، مثل ما ورد في سورة المائدة: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))، ومصل ما أخرجه البخاري ومسلم من قوله - صلى الله عليه وسلم - ((لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) .
وما أخرجاه أيضاً من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((سباب المسلم قسون وقتاله كفر)) .، وما أخرجه الترمذي وحسنه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) .، إلى غير ذلك من نصوص شرعية وقعت بعض الفرق بسببها في تكفير مرتكب الكبيرة دون انتباه إلى مثل هذه القاعدة ..
ويكن توضيح معنى هذه القاعدة فيما يأتي: إن كلاً من الكفر والظلم والفسق يكون على درجات، فكل ما ثبت بنص شرعي أنه كفر أو شرك، ودلّت الدلائل الشرعية الأخرى على أنه ليس كفراً أو شركاً خرجاً من الملة، فهو كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وكذلك كل ما ورد فيه الوعيد بأنه: ليس منا، أو تبرأ منه الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو نفى عنه وصف الإيمان، ودلت الدلائل الشرعية الأخرى أنه ليس مخرجاً من الملة فهو من الكبائر التي قد يقع فيها المؤمن، ولا تخرجه عن مطلق وصف الأيمان.
ومن هنا قال الإمام أحمد - رحمة الله -: (من أتى هذه الأربع: الزنا السرقة وشرب الخمر، والنُهبة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم، ولا أسميه مؤمناً، ومن أتي دون الكبائر نسميه مؤمناً ناقص الإيمان) .
ومن هذه القاعدة يظهر خطأ الذين كفروا المسلم بمجرد اقتراف الكبائر دون تفريق بين المستحل لها وبين غيره، مما وقع فيه بعض المتقدمين وكثير من المتأخرين اليوم، اعتماداً على مثل هذه النصوص المطلقة دون تقييد لها بما يجب تقييده بما تفيده النصوص الأخرى والقواعد الشرعية العامة.
ولعل من القواعد الفرعية التابعة لهذه القاعدة، قول جمهور علماء أهل السنة: (كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً)، ومما يؤكده قوله - تعالى -: ((قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبكم)) (الحجرات: 14).
3- قاعدة: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك).
4- قاعدة: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
5- قاعدة: (كدر الجماعة، ولا صفاء الفرقة).
وقد جمعت بين هذه القواعد الثلاث نظراً لقوة الترابط والتكامل بينها.
أما القاعدة الأولى فعد وردت عن الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -، ورويت مرفوعة، وهي صريحة ببيان حقيقة الجماعة التي أمر الشارع بالتزامها، وأنها لا تكون مع الكثرة دائماً، فلا يجوز يترك المسلم الحق ويأخذ بالباطل، لقلة الآخذين بالحق، وانصراف النسا عنه، كما لا يجوز أن يتمسك المسلم بالباطل وينحاز إليه بحجة أخذ الناس به وانصرافهم إليه.
فالحق ثابت، وواجب الأخذ به دائماً، ولا عبرة بالاجتماع على الباطل، قال - تعالى -: ((ولو اتبع الحق أهواهم لفسدت السماواتُ والأرض ومن فيهن)) (المؤمنون: 71)، وقال: ((وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله)) (الأنعام: 116).
والمراد بالحق هنا: الثابت قطعاً، الذي لا يشوب ثبوته احتمالٌ، وكان على وجه لا يقبل اجتهاداً ولا تأويلاً، وهو الذي ورد النهي عن التفرق فيه والاختلاف حوله، قال - تعالى -: ((ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)) (آل عمران: 105).
ولا يراد به الحق الاجتهادي أو ما يسمى صواباً عند المجتهد، لأنه مختلف في حقّيته، فقد يكون صواباً عند مجتهد وخطأً عند آخر. فإن مثل هذا الحق الاجتهادي لا تنبغي معاملته معاملة ذلك الحق البين، ولا يجوز الافتراق بسببه، كما لا تجوز المفاصلة فيه، لأنه وإن كان صواباً وحقاً عند من رآه، فهو يحتمل الخطأ في ذاته، وقد يراه غيره خطأً، ولهذا ورد عن الأئمة - رحمهم الله - فولهم: (مذهبي صواب ويحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ ويحتمل الصواب) .
فلو ترك الناس جميعاً حقاً ثابتاً، ووقعوا جميعاً في إثم قاطع - كما لو استباحوا الخمر والزني والربا- فالواجب على المسلم أن يتمسك بالحق في ذلك ولو كان وحده، أما لو اختلف قولهم في مسألة اجتهادية، ورأى بعضهم أن الحق في كذا، وخالفهم فيه غيرهم، فلا يجوز أن تفترق صفوفهم بسبب هذا الخلاف، فلكل طرف أ، يتمسك بما يراه حقاً، إذا لم تترتب على هذا التمسك بالحق الاجتهادي مفسدة راجحة، وإلا فلا بد أن يتنازل بعضهم عن اجتهاده لاجتهاد الآخرين، لأن الاجتماع على خطأ اجتهادي في نظر البعض، أولى من التفرق على صواب اجتهادي عند الآخرين .
ومن الغفلة عن مثل هذا الفرق بين الحقين (القاطع والاجتهادي) وقع بعض الناس في التعصب لما يرونه حقاً باجتهادهم، وعاملوه معاملة الحق المطلق، وتمسكوا به وفاصلوا من خالفهم على أساسه، وإذا راجعهم أحد في موقفهم، وأنكر عليهم افتراقهم بسببه، احتجوا عليه بهذه القاعدة (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)!! ناسين أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، الذي رويت عنه هذه القاعدة، هو نفسه الذي قال وروى: (مارآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) ، مفرقاً بين ما رآه المسلمون باجتهادهم أنه حق، وبين ما قرره الشارع وأثبت حقّيته!!
ويمكن في نظري أن يعتبر القول الثاني لابن مسعود - رضي الله عنه -، قاعدة تابعة لقوله الأول، فتشكلان معاً ضابطاً شرعياً مهماً لموقف المسلم من القضايا الاجتهادية وغيرها، وتُكَونان معاً قاعدتين مكملتين لقاعدة: (يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار)، التي سبقت في أمثلة القواعد العقدية الواردة في الأحاديث النبوية.
كما يمكن أن يلحق بهذه القواعد ما روي عن علي - رضي الله عنه - من قوله: (كدر الجماعة ولا صفاء الفرقة) ، إذ تؤكد هذه القاعدة ما قررته قبل قليل من أن الاجتماع على خطأ اجتهادي في نظر البعض، أولى من التفرق على صواب اجتهادي عند آخرين.
وما أخرجه البخاري في صحيحه عن علي - رضي الله عنه - يؤيد ترجيحه التنازل عن الرأي الاجتهادي في سبيل الألفة والاجتماع، فعن عبيدة عن علي - رضي الله عنه - قال (اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي) ، وجاء في الفتح أن سبب قوله هذا: أن علياً كان لا يحبذ بيع أم الولد - كما كان يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ثم رجع عن ذلك وقال بالجواز، فقال له عبيدة: (رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة)، فقال علي ما قال. وفي رواية عن عبيدة: (بعث إلي عليٌ وإلى شريح فقال: إني أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون.. إلى آخر قوله السابق) .
ومما يزيد أهمية هذه القاعدة أنها صدرت عن علي - رضي الله عنه -، الذي عانى أكثر من غيره من وراء خلافه مع معاوية - رضي الله عنه - في شأن الخلافة.. ولعل مثل هذه النتيجة التي توصل إليها بع خلاف طويل، ترك بصماته وآثاره على حياة الأمة في عهده وعهد من بعده إلى اليوم، هي التي نبهت ولده الإمام الحسن - رضي الله عنه - إلى ضرورة التنازل عما يراه حقاً إلى الطرف الآخر، فحقن بذلك الدماء، وجمع الكلمة، مؤثراً الاجتماع - على الرغم من الكدر الذي فيه - على ذلك الصفاء النسبي المتوهم أو العارض في ذلك الافتراق، بعد أن عايش وذاق مع والده رضي الله عنه ويلات الافتراق والاقتتال بين المسلمين.
ولعل في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل في حق الحسن - رضي الله عنه -:
((إن ابني هذا سيدٌ ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) ، تأييداً صريحاً لهذا الموقف، وتأكيداً لصحة معنى هذه القاعدة .
المبحث الثاني: نماذج من القواعد وتطبيقاتها في الجانب العبادي
إن شأن القواعد الشرعية المتعلقة بجانب العبادات، شأن القواعد الشرعية المتعلقة بجانب العقائد، يجدها الباحث في كلام الله - عز وجل - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما يقف على كثير منها في كلام العلماء والأئمة من السلف والخلف، وفي ثنايا الكتب الفقهية عامة وفي كتب التدليل والتعليل خاصة، وذلك على مختلف المدارس الفقهية، ولا سيما في أبواب العبادات..
فمنها ما اتخذ شكل القاعدة الكلية العامة المتفق عليها غالباً، ومنعا ما اتخذ شكل الضابط الفقهي الذي كثيراً ما يختلف من مذهب فقهي إلى آخر..
أولاً: سرد نماذج للقواعد العبادية:
1- قوله - سبحانه وتعالى-: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) (الذاريات: 56).
2- وقوله: ((ليس البر أن تولوا وجهوكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من أمنا بالله واليوم الأخر وملائكة ولكتاب والنبيين)) (البقرة: 177).
3- وقوله: ((وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) (الحجر: 99).
4- قوله - تعالى -: ((ما يعبدون إلا كما يعبد أباؤهم من قبل)) (هود: 109).
5- قوله - تعالى - في الحديث القدسي: ((وما تقرب إلى عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه.. )) .
6- وقوله: ((وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه..)) .
7- قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لا يمل الله حتى تملوا)) .
8- وقوله - صلى الله عليه وسلم - ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن)) .
9- وقوله: ((وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)) .
10- وقوله: ((إن في الصلاة شغلاً)) .
11- قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) .
12- قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) .
13- قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لتأخذوا مناسككم)) .
14- قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((ليس من البر الصوم في السفر)) .
15- قول ابن عباس: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها) .
16- قول الإمام ابن تيمية - رحمه الله -: (جماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع) .
17- وقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: (فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه) .
18- وقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله -: (الأصل في العبادات الحظر، والأصل في العادات الإباحة) .
19- وقوله أيضاً: (الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فـلا واجب مع العجز، ولا محرم مع ضرورة) .
20- وقوله: (الأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بوجود الشروط، وانتفاء الموانع) .
إلى غير ذلك من قواعد وضوابط كثيرة تتعلق بالعبادات بوجه عام، أو بعبادة منها على وجه الخصوص، تزخر بها معظم كتب الفقه.
ثانياً: إجراء تطبيقات على خمس من القواعد السابقة:
1- قاعدة: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه.. ).
يؤكد هذا الحديث القدسي الشريف: أن أفضل ما يتقرب به إلى الله - عز وجل - هو العمل بما افترضه على عباده.
إذ ليس من العقل والحكمة أن يتقرب العبد إلى خالقه بما أباحه له، أو ندبه إلى فعله، في الوقت الذي يهمل قيه الواجب الذي فرضه الله عليه وألزمه به! فلا تتحقق طاعة العبد لله - عز وجل - إلا بتنفيذ الأوامر واجتناب الواهي التي تعد الفيصل الأساس بين العبد المطيع العبد العاصي. وما شرعت النوافل بعد ذلك إلا تكميلاً لمعنى الطاعة، ومبالغة في معنى التقرب من الله والتحبب إليه - سبحانه -.
ومن العجب أن ترى أناساً يحرصون على كثير من النوافل في بعض العبادات، في الوقت الذي يهملون فيه فروضاً أخرى!!
فقد يتوسع المرء الجاهل في عبادة مندوبة تنسجم مع طبيعته وتوافق هواه، أو تسهل عليه، ويقصر في عبادة واجبة تشق عليه، أو لا تستريح إليها نفسه، مما يقدح في حقيقة عبوديته، وصدق طاعته لربه!!
فتأتي هذه القاعدة الشرعية لتوضح المنهج، وترتب الأولويات في طريق التقرب إلى الله - عز وجل -، فالأولوية المطلقة في هذا الأداء الفروض الشرعية، وتأتي النوافل والمندوبات في الدرجة الثانية تابعة ومكملة، كما تصرح بذلك القاعدة الثانية الواردة في الحديث نفسه: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه... الحديث).
ومما يؤكد دلالة هذه القاعدة ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه -: (قال رجل يا رسول الله: إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، قال: يا رسول الله إن فلانة تذكر من قلة صيامها وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي بلسانها جيرانها، قال: هي في الجنة).
فلم تنقذ المرأة من النار كثر صلاتها وصيامها وصدقتها، في الوقت الذي قصرت فيه بحق جيرانها وكف الأذى عنهم، وما كان الله ليحب من يقصر في واجب، ويكثر من نفل.. وما أكثر ما تختل هذه الموازنة عند كثير من المسلمين اليوم!!
2- قاعدة: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته).
فإن من رحمة الله بعباده أن جعل أحكامه التكليفية كثيراً ما تدور بين الرخصة والعزيمة، مراعاة لطباعهم، وتخفيفاً عنهم، ودفعاً للحرج.
وإن من شكر الله - عز وجل - على هذه النعمة أن يتعامل العبد مع رخص الله، كما يتعامل مع عزائمه، ومن هنا ورد عن بعض السلف التشديد على من رغب عن الرخصة ولم يقبلها، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه، قوله: (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة).
وعلى هذا المعنى يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - الذي أوردته كقاعدة سابقاً: (ليس من البر الصوم في السفر) ، حيث جاء في سبب وروده: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحن في حر شديد، فإذا برجل من القوم قد دخل تحت شجرة، وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما لصاحبكم أي وجع به؟، فقالوا: ليس به وجع، ولكنه صائم، وقد اشتد عليه الحر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ: ((ليس من البر الصوم في السفر، عليكم برخصة الله الذي رخص لكم)) .
وذكر الحافظ ابن حجر: أن الشافعي - رحمه الله - حمل نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة .
والفرق واضح بين من أبى قبول الرخصة، ورفض العمل بها متمسكاً بالعزيمة وحدها، وعدم وقوعه في الحرج بسببها، مع اعترافه بحكم الرخصة، وعدم إنكاره على الأخذ بها.. وعلى هذا ينزل اختلاف العلماء في تفضيل الصيام أو الفطر للمسافر .
كما أن الفرق واضح أيضاً بين العمل بالرخصة عند الحاجة إليها، وبين تتبع الرخص الذي نهي عنه، حتى قال بعض السلف فيه: (من تتبع الرخص فقد تزندق)، وقولهم: (لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله).، فإن العمل الأول يكون بدافع التوسع بالمباح عند الحاجة، ودفع الحرج القائم، أما تتبع الرخص فإنما يقوم على التهرب من الأحكام الشرعية والتخلص منها، طلباً للراحة، واتباعاً للهوى..
3- قاعدة: (جماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع) (97).
تؤكد هذه القاعدة أن العبادة لا تكون إلا لله، ولا تكون إلا بما شرع الله لعبادته، فلا تكون فيما يبتدعه الناس من عبادات، ولا بما لم يأذن الله به، قال - تعالى -: ((أمر ألا تعبدوا إلا إياه)) (يوسف: 40)، وقال - سبحانه -: ((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب)) (الشورى: 13)، وقال أيضاً: ((أم لهم شركوا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم)) (الشورى: 21).
وترجع هذه القاعدة العبادية الكبرى إلى الخصيصة التوقيفية التي تتميز بها العبادات عن غيرها من الأحكام، فلا اجتهاد في شرع عبادة من العبادات، لأن حق التشريع مقصور على الله وحده، فهو المتعبد الذي خلق العباد لعبادته، وهو أعلم بما يتعبدهم به، وأخبر بما يصلح لهم منها، وما يرضيه من عبادات: ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)) (الملك: 14).. ولو ترك الناس وشأنهم في اختيار أنواع العبادات، لخبطوا فيها خبط عشواء.. وما أكثر ما ورد عن السلف الصالح من الأمر بالاتباع، وذم الابتداع.
وأصل ذلك كله قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة.
ومن القواعد الفرعية المندرجة تحت هذه القاعدة، ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهو: (أن الأصل في العبادات الحظر، والأصل في العادات الإباحة) ، ثم قال: (واعلم أن البدع من العبادات على قسمين: إما أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلاً، وإما يبتدعها على وجه يغير به ما شرعها الله ورسوله.. ) .
4- قاعدة: (الأفضل في كل وقت وحال، إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه) .
وهذه قاعدة في بيان التفاضل بين العبادات، وهي مسألة اختلفت فيها أقوال العلماء ومسالكهم: فمنهم من سلك مسلك تفضيل الأشد والأشق على النفوس، ومنهم من سلك مسلك تفضيل الواجب على المندوب، ومنهم من سلك مسلك تفضيل الأنفع للآخرين، فقدم العبادات الجماعية على الفردية، وهكذا..
وهذا الاختلاف في التفضيل بين العبادات والأعمال يعود إلى العديد من النصوص الشرعية التي ورد في بعضها تفضيل عمل على آخر، أو التصريح بأن أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، وذلك مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - ((الإيمان بضع وسبعون-أو بضع وستون - شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)).
ومثل حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: (سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، إلى غير ذلك من أحاديث ترتب فضائل بعض الأعمال والعبادات..
وجاءت قاعدة الإمام ابن القيم - رحمة الله - مرجحة بين تلك الأقوال، وجامعة بين تلك النصوص، فكان مما قال - رحمة الله -: (فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام الفرض كما في حالة الأمن.. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.
والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار.. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به، والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن) .، وهكذا ..
5- قاعدة: (الأحكام الأصولية والفروعية، لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع) .
هذه قاعدة مطردة في العبادات وغيرها ن فإن الحكم الشرعي أياً كان نوعه لا يصح إلا بتحقق شروطه، وانتفاء موانعه. فالصلاة مثلاً: لا تصح حتى توجد شروطها وأركانها وواجباتها، وتنتفي موانعها وهي مبطلاتها التي ترجع إلى الإخلال بشيء مما يلزم فيها، أو فعل منهي عنه فيها بخصوصها، وكذلك الصيام لا بد في صحته من وجود كل ما يلزم فيه، ومن انتقاء المفطرات، وكذلك الحج والعمرة .
ومن الغفلة عن مثل هذه القاعدة التي تصرح بالترابط والتلازم بين تحقيق الشروط وانتفاء الموانع، تجد بعض الناس يحرص على تحقيق شروط عبادة من العبادات، ويتوسع في أداء سننها وآدابها، في الوقت الذي يغفل عن المبطلات لها، أو المؤثرة في صحتها..
إلى غير ذلك من قواعد عبادية كثيرة...
المبحث الثالث: نماذج من القواعد، وتطبيقاتها في الجانب التعاملي
لا تقل القواعد الشرعية المتعلقة بجانب التعامل عن القواعد الشرعية المتعلقة بجانب العقائد والعبادات، إن لم تزد عليها، نظراً لسعة باب التعامل مع الآخرين، وحاجته الكبيرة إلى ضوابط وقواعد، تحقق العدالة، وتنظم الصلات بين الناس.
ومن هنا نجد في كلام الله - عز وجل -، وكلام رسوله صلى الله عيه وسلم أمثلة كثيرة لتلك العبارات الدقيقة الجامعة التي تجري مجرى القواعد والضوابط، كما نجد لكثير من علماء السلف والخلف قواعد وضوابط لمختلف جوانب المعاملات والعلاقات بين الناس.
أولاً: سرد نماذج للقواعد الشرعية في جانب التعامل:
1- قوله - تعالى -: ((يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود)) (المائدة: 1).
2- وقوله: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد)) (البقرة: 282).
3- وقوله: ((والصلح خير)) (النساء: 128).
4- وقوله: ((والله يعلم المفسد من المصلح)) (البقرة: 220)
5- وقوله: ((ممن ترضون من الشهدآء)) (البقرة: 282)
6- وقوله - تعالى -: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)) (البقرة: 173).
7- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ضرر ولا ضرار)) (109).
8- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأعط كل ذي حق حقه)) .
9- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) .
10- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الخراج بالضمان)) .
11- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العجماء جرحها جبار)) .
12- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات..)) .
13- وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (مقاطع الحقوق عند الشروط) .
14- قول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: (كل شيء في القرآن أو أو فهو مخير، وكل شيء فإن لم تجدوا، فهو الأول فالأول) .
15- قول القاضي شريح - رحمه الله -: (من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه) .
16- قول الإمام أحمد - رحمه الله -: (كل ما جاز فيه البيع، تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن) .
17- قاعدة (المعروف عرفاً، كالمشروط شرطا ً) .
18- قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله) .
19- قاعدة (الاضطرار لا يبطل حق الغير) .
20- قاعدة (الجواز الشرعي ينافي الضمان).
إلى غير ذلك من قواعد كثيرة تتعلق بأبواب المعاملات المتنوعة، تجدها في مجلة الأحكام العدلية، وغيرها من كتب القواعد وكتب الفقه.