
04-11-2020, 10:51 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,648
الدولة :
|
|
رد: القسامة في الفقه
القسامة في الفقه
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
واختلفوا في القسامة في العبد:
فبعض أثبتها، وبه قال أبو حنيفة[91] تشبيهاً بالحر.
وبعض نفاها تشبيهاً بالبهيمة، وبه قال مالك[92].
والدية عندهم فيها في مال القاتل، ولا يحلف فيها أقل من خمسين رجلاً خمسين يميناً عند مالك[93]، ولا يحلف عنده أقل من اثنين في الدم[94].
ويحلف الواحد في الخطأ[95]، وإن نكل عنده أحد من ولاة الدم بطل القود وصحت الدية في حق من لم ينكل، أعني: حظه منها[96].
وقال الزهري: إن نكل منهم أحد بطلت الدية في حق الجميع، وفروع هذا الباب كثيرة.
قال القاضي: والقول في القسامة هو داخل فيما تثبت به الدماء وهو في الحقيقة جزء من كتاب الأقضية، ولكن ذكرناه هنا على عادتهم؛ وذلك أنه إذا ورد قضاء خاص بجنس من أجناس الأمور الشرعية رأوا أن الأولى أن يذكر في ذلك الجنس.
وأما القضاء الذي يعم أكثر من جنس واحدٍ من أجناس الأشياء التي يقع فيها القضاء فيذكر في كتاب الأقضية وقد تجدهم يفعلون الأمرين جميعاً كما فعل مالك في "الموطأ" فإنه ساق فيه الأقضية من كل كتاب"[97].
وقال في "الاختيارات": "باب القسامة، نقل الميموني عن الإمام أحمد[98] أنه قال: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل هذا فذكر الإمام أحمد أربعة أمور:
اللطخ، وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة، والسبب البين: كالتفرق[99] عن قتيل، والعداوة، وكون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب، واختاره ابن الجوزي.
فإذا كان لوث يغلب على الظن أنه قتل من أتهم بقتله جاز لأولياء القتيل أن يحلفوا خمسين يميناً ويستحقوا دمه، وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلا مع القرائن التي تدل على أن قتله فإن بعض العلماء جوز تقريره بالضرب في مثل هذا الحال، وبعضهم منع من ذلك مطلقاً"[100].
وقال البخاري: "(باب القسامة).
وقال الأشعث بن قيس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه) [101].
وقال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة - في قتيل وجد عند بيت من بيوت السَّمَّانين: إن وجد أصحابه بيّنة، وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة).
حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، زعم أن رجلاً من الأنصار - يقال له: سهل بن أبي حثمة - أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا! قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: (الكبر الكبر)، فقال لهم: (تأتون بالبينة على من قتله)، قالوا: ما لنا بينة، قال: (فيحلفون)، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه مئة من إبل الصدقة[102].
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر - إسماعيل بن إبراهيم الأسدي - حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثني أبو رجاء - من آل أبي قلابة - حدثني أبو قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس، ثم أذن لهم فدخلوا فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء.
قال لي: ما تقوم يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا.
قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا.
قلت: فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً قط، إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام، فقال القوم: أوليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في السرق وسمر الأعين ثم نبذهم في الشمس؟ فقلت: أنا أحدثكم حديث أنس، إن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض فسقمت أحسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟) قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَطْردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهم، فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا.
قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟! ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا.
فقال عنبسة بن سعيد: والله إن سمعت كاليوم قط، فقلت: أترد علي حديثي يا عنبسة؟! قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم.
قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان تحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن بهي تشحط في الدم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (بمن تظنون - أو ترون - قتله؟!)، قالوا: نرى أن اليهود قتلته، فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: (آنتم قتلتم هذا؟!)، قالوا: لا، قال: (أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟)، فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: (أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟)، قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده.
قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول فقُرِنت يده بيده، قالوا: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة، أخذتهم السماء فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعاً، وأفلت القرينان واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولاً ثم مات.
قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلاً بالقسامة، ثم ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا فمحوا من الديوان وسيرهم إلى الشام[103]".
قال الحافظ: "قوله: (باب القسامة) هي مصدر أقسم قسماً وقسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم وخص القسم على الدم بلفظ القسامة.
وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان.
وقال في "المحكم": القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها.
قوله: (شاهداك أو يمينه) أشار المصنف بذكره هنا إلى أن الذي يبدأ في أيمان القسامة المدعى عليهم كما سيأتي البحث فيه...
إلى أن قال: وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة، كما اختلف على معاوية، ويجمع بأنه كان يرى بذلك لما كان أميراً على المدينة، ثم رجع لما ولي الخلافة.
وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة[104]...
إلى أن قال: ومحصل الاختلاف في القسامة هل يعمل بها أو لا؟
وعلى الأول: فهل توجب القود أو الدية؟ وهل يبدأ بالمدعين أو المدعى عليهم؟ واختلفوا أيضاً في شرطه.
قوله: (تأتون بالبينة على من قتله؟) قالوا: (ما لنا بينة)، كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا في رواية أبي قلابة الآتية في الحديث للبينة ذكر، وإنما قال يحيى في رواية: (أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين؟)[105].
وفي رواية عند مسلم: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته) [106].
وفي رواية أبي ليلى: فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟) فقالوا: لا[107].
قوله: (قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود).
وفي رواية: (فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟)[108]؛ أي: يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوا هم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء وخلصتم من الأيمان، قالوا: كيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار...
إلى أن قال: وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر فيحمل على أن طلب البينة أولاً فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا.
وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النسائي من طريق عبيد الله[109] بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته)، قال: يا رسول الله، أنى أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: (فتحلف خمسين قسامة)، قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا أعلم؟ فقال: (فنستحلف خمسين منهم)، قال: كيف وهم يهود[110].
وهذا السند صحيح حسن، وهو نص في الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير إليه.
قوله: (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه مئة من إبل الصدقة)، زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: (من عنده).
وجمع بعضهم بين الروايتين: باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمالٍ دفعه من عنده، أو المراد بقوله: (من عنده)، أي: بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجاناً؛ لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين.
وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض[111] عن بعض العلماء: جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، وعلى هذا: فالمراد بالعندية: كونها تحت أمره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم.
قال القرطبي في "المفهم"[112]: فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه، وحسن سياسته، وجلباً للمصلحة، ودرءاً للمفسدة على سبيل التأليف، ولاسيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق.
قال الحافظ: وفي حديث الباب من الفوائد مشروعية القسامة.
قال القاضي عياض[113]: هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة[114] والسلف من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة، وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صورة الأخذ به.
وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يروا القسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حكماً....
إلى أن قال: وقال أبو الزناد: قلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان.
قال الحافظ: إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت.
قال القرطبي[115]: الأصل في الدعاوي أن اليمين على المدعى عليه، وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالباً، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصد الغفلة.
وتأيدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصل، ثم ليس ذلك خروجاً عن الأصل بالكلية، بل لأن المدعى عليه إنما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما أدعي عليه، وهو موجود في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث الذي يقوي دعواه.
قال عياض[116]: وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم في اليمين إلا الشافعي[117] وأحمد[118] فقالا بقول الجمهور[119]: يبدأ بأيمان المدعيين، واتفقوا كلهم على أنه لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها[120].
واختلفوا في تصوير الشبهة على سبعة أوجه:
الأول: أن يقول المريض: دمي عند فلان، أو ما أشبه ذلك، ولو لم يكن به أثر أو جرح فإن ذلك يوجب القسامة (930أ) عند مالك[121] والليث.
واشترط بعض المالكية[122] الأثر أو الجرح...
إلى أن قال: السابعة: أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة، فهذا يوجب القسامة عند الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة[123] وأتباعهم، ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة...
إلى أن قال: وحجة الجمهور: القياس على هذه الواقعة، والجامع: أن يقترن بالدعوى شيء يدل على صدق المدعي فيقسم معه ويستحق.
قال الحافظ: واستدل به على القود في القسامة؛ لقوله: (فتستحقون قاتلكم)، وفي الرواية الأخرى: (دم صاحبكم) [124].
قال ابن دقيق العبد[125]: الاستدلال بالرواية التي فيها (فيدفع برمته) أقوى من الاستدلال بقوله: (دم صاحبكم).
قال الحافظ: وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوري في "جامعه" وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسندٍ صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال عمر، قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يميناً وأغرموهم الدية[126]...
إلى أن قال: وفيه: أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة وإخبار من يوثق به مع القرينة الدالة على ذلك، وفيه: أن من توجهت عليه اليمين فنكل عنها لا يقضى عليه حتى يرد اليمين على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور[127] وعند أحمد[128] والحنفية[129]: يقضى عليه دون رد اليمين.
واختلف في عدد الحالفين:
فقال الشافعي[130]: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يميناً، سواء قلوا أم كثروا، فلو كانوا بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يميناً، وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يميناً واستحق.
وقال مالك[131]: إن كان ولي الدم واحداً ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون.
وقال الليث: لم أسمع أحداً يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس.
واستدل على تقديم الأسن في الأمر المهم (930ب) إذا كانت فيه أهلية ذلك، وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة، وفيه: أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها.
واستدل به على أن الدعوى في القسامة لا بد فيها من عداوة أو لوث.
واستدل به على أن من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلاً ولا بالغاً؛ لإطلاق قوله: (خمسين منكم)، وبه قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد[132].
وقال مالك[133]: لا مدخل للنساء في القسامة؛ لأن المطلوب في القسامة القتل، ولا يسمع من النساء.
وقال الشافعي[134]: لا يحلف في القسامة غلا الوارث البالغ؛ لأنه يمين في دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. انتهى ملخصاً.
قوله: (إن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره)، أي: أظهره، وكان ذلك في زمن خلافته وهو بالشام، والمراد: أنه أخرجه إلى ظاهر الدار لا إلى الشارع؛ ولذلك قال: ثم أذن للناس[135].
قوله: (وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية)، في رواية الكشميهني: (حليفاً).
والخليع: فعيل، بمعنى: مفعول، يقال: تخالع القوم إذا نقضوا الحلف، فإذا فعلوا ذلك لم يطالبوا بجنايته، فكأنهم خلعوا اليمين التي كانوا لبسوها معه، ومنه سمي الأمير إذا عزل خليعاً ومخلوعاً.
وقال أبو موسى في المعين: خلعه قومه: أي: حكموا بأنه مفسد فتبرؤوا منه، ولم يكن ذلك في الجاهلية يختص بالحليف، بل كانوا ربما خلعوا الواحد من القبيلة ولو كان من صميمها إذا صدرت منه جناية تقتضي ذلك، وهذا مما أبطله الإسلام من حكم الجاهلية، ومن ثم قيده بقوله: (في الجاهلية).
قوله: (فطرق أهل بيتٍ)، أي: هجم عليهم ليلاً في خفية ليسرق منهم، وحاصل القصة أن القاتل ادعى أن المقتول لص، وأن قومه خلعوه فأنكروا هم ذلك وحلفوا كاذبين (931أ)، فأهلكهم الله بحنث القسامة، وخلص المظلوم وحده.
قوله: (وافلت)، أي: تخلص، والقرينان هما: أخو المقتول والذي أكمل الخمسين. انتهى ملخصاً.
قال المهلب فيما حكاه ابن بطال[136]: الذي اعترض به أبو قلابة من قصة العرنيين لا يفيد مراده من ترك القسامة؛ لجواز قيام البينة والدلائل التي لا تدفع على تحقيق الجناية في حق العرنيين، فليس قصتهم من طريق القسامة في شيء؛ لأنها إنما تكون في الاختفاء بالقتل حيث لا بينة ولا دليل.
وأما العرنيون فإنهم كشفوا وجوههم لقطع السبيل، والخروج على المسلمين، فكان أمرهم غير أمر من ادعى القتل حيث لا بينة هناك.
قال: وما ذكره هنا من انهدام الغار عليهم يعارضه ما تقدم من السنة.
قال: وليس رأي أبي قلابة حجة، ولا ترد به السنن، وكذا محو عبد الملك أسماء الذين أقسموا من الديوان.
قال الحافظ: والذي يظهر: أن مراد أبي قلابة بقصة العرنيين خلاف ما فهمه عند المهلب أن قصتهم كان يمكن القسامة فلم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد الاستدلال بها لما ادعاه من الحصر الذي ذكره في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحداً غلا في إحدى ثلاث، فعورض بقصة العرنيين، وحاول المعترض إثبات قسمٍ رابع فرد عليه أبو قلابة بما حاصله أنهم إنما استوجبوا القتل بقتلهم الراعي، وبارتدادهم عن الدين، وهذا بين لا خفاء فيه، وإنما استدل على ترك القود بالقسامة بقصة القتل عند اليهود فليس فيها للقود بالقسامة ذكر، بل ولا في أصل القصة التي هي عمدة الباب تصريح بالقود كما سأبينه.
ثم رأيت في آخر الحاشية لابن المنير نحو ما أجبت به، وحاصله: توهم المهلب أن أبا قلابة عارض حديث القسامة بحديث العرنيين فأنكر عليه فوهم، وإنما اعترض أبو قلابة على القسامة بالحديث الدال على حصر القتل في ثلاثة أشياء، فإن الذي عارضه ظن أن في قصة العرنيين حجة في جواز قتل من لم يذكر في الحديث المذكور كأن[137] يتمسك الحجاج في قتل من لم يثبت عليه واحدة من الثلاثة (931ب)، وكأن عنبسة تلقف ذلك عنه، فإنه كان صديقه، فبين أبو قلابة أنه ثبت عليهم قتل الراعي بغير حق، والارتداد عن الإسلام، وهو جواب ظاهر فلم يورد أبو قلابة قصة العرنيين مستدلاً بها في ترك القسامة، بل رد على من تمسك بها للقود بالقسامة.
وأما قصة الغار: فأشار بها إلى أن العادة جرت بهلاك من حلف من القسامة عن غير علم كما وقع في حديث ابن عباس في قصة القتيل الذي وقعت القسامة بسببه قبل البعثة[138]، وقد مضى في كتاب المبعث.
وفيه: (فما حال الحول ومن الثمانية والأربعين الذين حلفوا عين تطرف).
وجاء عن ابن عباس حديث آخر في ذلك أخرجه الطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله عنه قال: (كانت القسامة في الجاهلية حجازاً بين الناس، فكان من حلف على إثمٍ أري عقوبة من الله ينكل بها عن الجراءة على الحرام، فكانوا يتورعون عن أيمان الصبر ويهابونها، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كان المسلمون لها أهيب) [139].
ثم إنه ليس في سياق قصة الهذليين تصريح بما صنع عمر، هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية؟
فقول المهلب: (ما تقدم من السنة) إن كان أشار به إلى صنيع عمر فليس بواضح.
وأما قوله: إن رأي أبي قلابة ومحو عبد الملك من الديوان لا ترد به السنن، فمقبول، لكن ما هي السنة التي وردت بذلك؟
نعم لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاثة لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفسٍ، وهو أحد الثلاثة، وإنما وقع النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك"[140] (932أ).
•••
انتهى المجلد الثامن من كتاب "المرتع المشبع" ويليه إن شاء الله تعالى المجلد التاسع، وأوله "كتاب الحدود"، وبالله التوفيق
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصبحه أجمعين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|