كفارة القتل في الإسلام
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
وفي المسألة مذاهب أخرى:
منها: قول الحسن البصري: إن ديته تجب على جميع من حضر، وهو أخص من الذي قبله، وتوجيهه: أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم.
ومنها: قول الشافعي ومن تبعه[88]: إنه يقال لوليه: ادع على من شئت واحلف، فإن حلفت استحقيت الدية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه: أن الدم لا يجب إلا بالطلب.
ومنها: قول مالك[89]: دمه هدر، وتوجيهه: أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد.
وقد تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب في باب العفو عن الخطأ"[90].
وقال الحافظ أيضاً في باب العفو في الخطأ بعد الموت:
"قوله: (فقال حذيفة: غفر الله لكم)، استدل به من قال: إن ديته وجبت على من حضر؛ لأن معنى قوله: (غفر الله لكم): عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق له أن يطالب به.
وقد أخرج أبو إسحاق الفزاري في "السنن"، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: أخطأ المسلمون بأبي حذيفة يوم أحد حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم، فزاده عنده خيراً، ووداه من عنده"[91].
وقال البخاري أيضاً: "(باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له).
حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فقال رجل منهم: أسمعنا يا عامر من هنيهاتك، فحدا بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من السائق؟) قالوا: عامر، فقال: (رحمه الله)، فقالوا: يا رسول الله، هلا أمتعتنا به، فأصيب صبيحة ليلته، فقال القوم: حبط عمله، قتل نفسه، فلما رجعت – وهم يتحدثون أن عامراً حبط عمله – فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامراً حبط عمله، فقال: (كذب من قالها، إن له لأجرين اثنين، إنه لجاهد مجاهد، وأي قتل يزيده عليه؟!)[92]".
قال الحافظ: "قوله: (باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له).
قال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمداً، يعني: أنه لا مفهوم لقوله: (خطأ).
قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاري إنما قيد بالخطأ؛ لأنه محل الخلاف.
قال ابن بطال[93]: قال الأوزاعي وأحمد[94] وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليهم، وإن مات فهي لورثته.
وقال الجمهور([95]): لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في هذه القصة له شيئاً، ولو وجب لبينها، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفاً من أطرافه عمداً أو خطأ لا يجب فيه شيء[96].
قال ابن بطال[97]: لم يذكر في هذه الطريق صفة قتل عامر نفسه، وقد تقدم بيانه في كتاب الأدب، ففيه: (وكان سيف عامر قصيراً، فتناول به يهودياً ليضربه، فرجع ذبابه فأصاب ركبته)" [98] انتهى ملخصاً، والله أعلم.
[1] الروض المربع ص485-486.
[2] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 98.
[3] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 106-107، وشرح منتهى الإرادات 6/ 153.
[4] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 105.
[5] المقنع 3/ 428-430.
[6] "من" كذا في الأصل، ولعل الصواب: "فيه"، ونقله من الحاشية بتصرف شديد.
[7] الشرح الصغير 2/ 407 و408، وحاشية الدسوقي 4/ 286 و287.
[8] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 385.
[9] فتح القدير 8/ 253، وحاشية ابن عابدين 6/ 565.
[10] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 106-107، وشرح منتهى الإرادات 6/ 153.
[11] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[12] تحفة المحتاج 9/ 46، ونهاية المحتاج 7/ 386.
[13] المبسوط 26/ 128.
[14] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 98.
[15] انظر: الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 287.
[16] تحفة المحتاج 9/ 46، ونهاية المحتاج 7/ 386.
[17] فتح القدير 8/ 329، وحاشية ابن عابدين 6/ 629.
[18] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 287.
[19] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[20] المبسوط 27/ 28.
[21] تحفة المحتاج 9/ 46، ونهاية المحتاج 7/ 386.
[22] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 287.
[23] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 459.
[24] انظر: الشرح الصغير 2/ 407-408، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[25] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384-385.
[26] فتح القدير 8/ 323، وحاشية ابن عابدين 6/ 625.
[27] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458 و459.
[28] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[29] الشرح الصغير 2/ 407، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[30] الإشراف 8/ 23 5134.
[31] فتح القدير 8/ 249، وحاشية ابن عابدين 6/ 562-563.
[32] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 105.
[33] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384-385.
[34] 3964.
[35] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[36] حاشية المقنع 3/ 428-430، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 97-107.
[37] نيل الأوطار 4/ 584-585.
[38] الإجماع 710. وفتح القدير 8/ 252، وحاشية ابن عابدين 6/ 565. والشرح الصغير 2/ 407-408، وحاشية الدسوقي 4/ 286. وتحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384-385. وشرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458-459.
[39] المبسوط 27/ 87.
[40] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 385.
[41] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 459.
[42] الشرح الصغير 2/ 407 و408، وحاشية الدسوقي 4/ 286-287.
[43] فتح القدير 8/ 249، وحاشية ابن عابدين 6/ 563.
[44] الشرح الصغير 2/ 407، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[45] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384 و385.
[46] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 105، وشرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[47] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384-385.
[48] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[49] فتح القدير 4/ 22-23، وحاشية ابن عابدين 3/ 765.
[50] الشرح الصغير 2/ 407، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[51] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 286. وتحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 384. وشرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 459.
[52] فتح القدير 8/ 323، وحاشية ابن عابدين 6/ 625.
[53] فتح القدير 8/ 301، وحاشية ابن عابدين 6/ 612. والشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 287. وتحفة المحتاج 9/ 46، ونهاية المحتاج 7/ 386، وشرح منتهى الإرادات 6/ 154، وكشاف القناع 13/ 459.
[54] فتح القدير 8/ 301، وحاشية ابن عابدين 6/ 612.
[55] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 287.
[56] شرح منتهى الإرادات 6/ 154، وكشاف القناع 12/ 485.
[57] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 26/ 108.
[58] المهذب 2/ 279، وتحفة المحتاج 9/ 46، ونهاية المحتاج 7/ 386.
[59] الشرح الصغير 2/ 408، وحاشية الدسوقي 4/ 286.
[60] تحفة المحتاج 9/ 45، ونهاية المحتاج 7/ 285.
[61] شرح منتهى الإرادات 6/ 153، وكشاف القناع 13/ 458.
[62] فتح القدير 8/ 253، وحاشية ابن عابدين 6/ 565.
[63] فتح القدير 8/ 253، وحاشية ابن عابدين 6/ 565. والشرح الصغير 2/ 384، وحاشية الدسوقي 4/ 243-244. وتحفة المحتاج 8/ 381-382، ونهاية المحتاج 7/ 253. وشرح منتهى الإرادات 6/ 77، وكشاف القناع 13/ 330 و331.
[64] الإفصاح 4/ 171-173.
[65] البخاري 6912.
[66] الترمذي بعد الحديث 1377.
[67] أبو داود بعد الحديث 4593.
[68] شرح صحيح البخاري 8/ 559.
[69] فتح القدير 8/ 253، وحاشية ابن عابدين 6/ 565.
[70] عارضة الأحوذي 3/ 138.
[71] أبو داود 9594، وابن ماجه 2676، والبيهقي 8/ 344، والدارقطني 3/ 152، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ثم روى الدارقطني عن أحمد بن حنبل أنه قال في حديث أبي هريرة: والنار جبار ليس بشيء، لم يكن في الكتب، باطل، ليس هو بصحيح.
[72] فتح الباري 12/ 255-256.
[73] البخاري 6913.
[74] مختصر الإيصال الملحق بالمحلى 11/ 5.
[75] تحفة المحتاج 9/ 202، ونهاية المحتاج 8/ 38.
[76] الشرح الصغير 2/ 441، وحاشية الدسوقي 4/ 357 و358.
[77] الاستذكار 5/ 7، والتمهيد 4/ 203.
[78] فتح القدير 8/ 350 و351، وحاشية ابن عابدين 6/ 648. وتحفة المحتاج 9/ 203، ونهاية المحتاج 8/ 39. وشرح منتهى الإرادات، وكشاف القناع 9/ 328.
[79] أحمد 3/ 335، والبزار 1/ 432 894؛ كشف الأستار. وأخرجه أيضاً أبو يعلى 4/ 101 2134، والطحاوي 3/ 203، من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر رضي الله عنهما، به.
قال الهيثمي في المجمع 3/ 78: رجاله موثقون.
قلت: مجالد هو ابن سعيد، قال ابن حجر في التقريب 6520: ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره.
[80] فتح القدير 8/ 351، وحاشية ابن عابدين 6/ 648.
[81] مختصر الإيصال الملحق بالمحلى 11/ 199.
[82] الشرح الصغير 2/ 441، وحاشية الدسوقي 4/ 357-358. وتحفة المحتاج 9/ 206-207، ونهاية المحتاج 8/ 42. وشرح منتهى الإرادات 4/ 184، وكشاف القناع 9/ 325، 9/ 328.
[83] في الأصل: "انفلتت"، والمثبت من: "الفتح".
[84] أبو داود 3570، والنسائي في "الكبرى" 3/ 411 5785، وابن ماجه 2332، وأحمد 4/ 295، والشافعي في مسنده 1/ 195.
قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق 4/ 573: رواه أبو داود عن محمود بن خالد عن الفريابي عن الأوزاعي. ورواه النسائي عن عمرو بن عثمان عن الوليد عن الأوزاعي وقد رواه معمر وغيره عن الزهري، وفي إسناده اختلاف. وقد أخرجه ابن حبان من حديث معمر. وقال الطحاوي في هذا الحديث: وإن كان منقطعاً لا تقوم بمثله عند المحتج به علينا حجة، لأنه وإن كان الأوزاعي قد وصله، فإن مالكاً والأثبات من أصحاب الزهري قد قطعوه. وقال ابن عبد البر: وإن كان هذا مرسلاً، فهو مشهور، حدث به الأئمة الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 86 1818: قال الشافعي: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله، قلت: ومداره على الزهري واختلف عليه.
[85] فتح الباري 12/ 257-258.
[86] البخاري 6890.
[87] شرح صحيح البخاري 8/ 518.
[88] تحفة المحتاج 9/ 51، ونهاية المحتاج 7/ 390.
[89] المنتقى شرح الموطأ 7/ 114.
[90] فتح الباري 12/ 217-218.
[91] فتح الباري 12/ 212.
[92] البخاري 6891.
[93] شرح صحيح البخاري 8/ 520.
[94] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 25/ 338.
[95] فتح القدير 8/ 400، وحاشية ابن عابدين 6/ 681، وحاشية الدسوقي 4/ 287، وشرح منح الجليل 4/ 432. وتحفة المحتاج 9/ 25، ونهاية المحتاج 7/ 386. وشرح منتهى الإرادات 6/ 86، وكشاف القناع 13/ 342.
[96] فتح القدير 8/ 400، وحاشية ابن عابدين 6/ 681. وحاشية الدسوقي 4/ 287، وشرح منح الجليل 4/ 432. وتحفة المحتاج 9/ 25، ونهاية المحتاج 7/ 386. وشرح منتهى الإرادات 6/ 86، وكشاف القناع 13/ 342.
[97] شرح صحيح البخاري 8/ 519.
[98] فتح الباري 12/ 218-219.