إن أساس المفاضلة بين الناس قائم في الإسلام على التقوى لا على الادعاء، وإن المسلمين يتنافسون بها وبسواها من سبل الخير للوصول إلى الدرجات العلا في مدارج الإيمان، وإذا افتخر أيٌّ منهم بما خصَّه الله به فإنه يهتك بذلك سر الله - سبحانه - الذي أودعه فيه ويسير في طريق الرياء ورؤية فعل الذات، ولقد أشار النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - إلى أن من بين السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: (( رجلاً لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) ([17]). فتنكّب الإنسان عن الجادة التي رسمها الباري - عز وجل - له أو بينها نبيه الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - سيقوده ولا شك إلى أن يخطئ الطريق الممثلة للإسلام سلوكياً وإلى ابتعاد نتاجه المبني على هذه الحالة عن أن يكون إسلامياً. علاوة على أن الإعلان الاحتفالي عن فضيلة أو سجية معينة يسهم في تنمية روح الكِبْر في النفس والقلب مما له خطورته في حياة المسلم الدنيوية والأخروية على حد سواء، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذا الصدد إلى أنه " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر "([18])، وألْفتَ الباري - عز وجل - انتباه عباده إلى أن ما يتطبعون به من خصال كريمة ينبغي أن تكون خالصة لوجهه الكريم، فأنزل فيما يتعلق بالإنفاق، وهو من موضوعات الافتخار بالكرم عند الشعراء، قوله - سبحانه-: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ* وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ([19]).
كما أن إظهار المرء لما يتصف به تباهياً يصبّ في محذور آخر حذّرنا الله - سبحانه وتعالى - منه وهو تزكية النفس إذ قال جل جلاله: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى). ([20]) ويتمثل الإنسان المسلم أوامر ربه - سبحانه وتعالى - ونبيه الكريم - عليه الصلاة والسلام - تمثيلاً يتناسب مع درجة إيمانه، ويحيا الإنسان الأكمل إيمانا في حالة اتهام دائم للنفس، وينتابه الوجل مهما فعل خشية أن يُردّ عليه عملُه، وقد روت السيدة عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن قوله - سبحانه -: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهُم الذين يشربون الخمر ويزنون؟ قال: (( لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يُقبَل منهم)) (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)([21]).
فالمسلم الذي يُقلقُه هذا الوجل من رد العمل لا يجعل ذلك العمل مزكىً أو موضوعاً للمباهاة بل يرى أن كتمانه وليس إذاعته ناهيك عن الافتخار به أدعى إلى كماله وأقرب إلى تنقيته من شوائب الرياء وحب السمعة. ولنا أن نستأنس في هذا الصدد بما أُثِر عن بعض الصالحين من أعمال الخير والبر التي كانوا يجتهدون في إخفائها، من ذلك ما روي عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: " كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب - عز وجل -، وعن عمرو بن ثابت قال: لما مات على بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سود في ظهره فقالوا: ما هذا؟ فقالوا كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء المدينة. وعن ابن عائشة قال: قال أبي: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين "([22]) - رضي الله عنهما -.
وكما أن هذا السلوك إسلامي فكذلك ينبغي أن يكون القول والفعل فكلاهما " فعلٌ " مؤثرٌ في بنيان المجتمع الإسلامي ايجاباً وسلباً، وكلاهما " فعلٌ " واقعٌ في ميزان الإنسان خيراً أو شراً.
الهجاء:
وأما الهجاء فأثره شديد، ذلك أنه يقوم أساساً على تقويض كيان المهجو الشخصي والجماعي بمثالب ومعايب حقيقية أو مختلقة يعرضها الشاعر عرضاً جارحاً وساخراً. و لا تكون المعايب ودلالاتها مستنبطة، كما هي الحال مع بعض الموضوعات الشعرية الأخرى، بل تكون سافرة ومباشرة. ومن الطبيعي ألا يقف المهجو من السهام التي توجَّه اليه موقف المُعرِض الذي لا يعنيه من الأمر شيء وأن يعمد إلى رد السهام ونقض معانيها وإلحاق النقائص بالشاعر الخصم. وقد تتوقف المنابزة عند هذا الحد، وقد ينبرى الشاعر ليرد على الرد، كما في النقائض، وهكذا. من ذلك مثلاً قول الجماز ابن أخت سلم الخاسر في عبد الصمد بن المعذل: ([23])
ابن المعذل من هُوْ *** ومن أبوه المعذّل
سألتُ وهبان عنه *** فقال: بَيضٌ محوّل
فرد عليه ابن المعذل بقوله:
نَسَبُ الجمّازِ مقص *** ورٌ إليه منتهاهُ
يتراءى نسَبُ النا *** س فما يَخفى سواهُ
يتحاجى في أبي الجم *** ماز مَن هو كاتباهُ
ليس يدري من أبو الجم *** ما ز إلا مَن يراهُ
أو كقول بشار بن برد في حماد عجرد([24]):
أُدعُ غيري إلى عبادة إثني *** نِ فإني بواحدٍ مشغولُ
فردّ حماد عجرد بأنْ أشاع البيت محرّفاً بحيث ينقلب الطعن فيصيب بشاراً وذلك بزعم أنه قال:
أدعُ غيري إلى عبادة إثني *** ن فإني عن واحدٍ مشغولُ
ومن أمثلة الإطالة بسبب القول والرد والرد على الرد الأبيات التي نظمها الفرزدق وهو في المدينة، ومنها:
هما دلّياني من ثمانين قامةً *** كما انقضَّ بازٌ أقتمُ الريش كاسرُهْ
فلما استوت رجلاي في الارض قالتا *** أحيّ فيرجى أم قتيل نحاذرُهْ
فقلت ارفعا الأمراس لا يشعروا بنا *** وأفلتُّ في أعجاز ليلٍ أبادرُهْ
أحاذرُ بوابَينِ قد وكِّلا بنا *** وأسْودَ من ساجٍ تصرّ مسامرُهْ
وقد قال جرير تعليقاً على هذه الأبيات:
لقد ولدَتْ أم الفرزدق فاجراً *** فجاءت بوزوازٍ قصيرِ القوادمِ
يوصّل حبليه إذا جُنّ ليله *** ليرقى إلى جاراته بالسلالمِ
تدلّيتَ تزني من ثمانين قامةً *** وقصَّرتَ عن باع العُلا والمكارمِ
هو الرِّجس يا أهل المدينة فاحذروا *** مُداخل رجسٍ بالخبيثاتِ عالمِ
لقد كان إخراجُ الفرزدقِ عنكمُ *** طَهوراً لِمَا بين المصلّى وواقمِ
وقد نقض الفرزدق هذه القصيدة بقوله:
وإنّ حراماً أن أسُبَّ مقاعساً *** بآبائيَ الشمِّ الكرام الخضارمِ
ولكن نَصفا لو سببتُ وسبّني *** بنوعبد شمس من مناف وهاشم
أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** وأعْند أن أهجو كليباً بدارم
"وغضب أهل المدينة لذلك وشكوه إلى مروان بن الحكم وهو يومئذٍ والي المدينة وطلبوا اليه أن يحدّه، فأمر بنفيه فغضب الفرزدق وهدد بالهجاء فخاف مروان واسترضاه بالجائزة"([25]).
وغالباً ما يلجأ الشاعر إلى إيلام مهجوّه بالطعن خاصة في حسبه ونسبه أو بالتقليل من شأنه وهدم جاهه دون وجه حق، ولعله يرغب في الطعن من أجل الطعن والتشفي، كقول ابن مفرغ الحميري في زياد ابن ابيه: ([26])
ألا أبلغْ معاوية بن حرب *** مغلغلةً عن الرجل اليماني
أتغضبُ أن يُقال أبوك عفٌّ *** وترضى أن يقال أبوك زانِ
وأشهدُ أن إلّك من زيادٍ *** كإلّ الفيلِ من ولد الأتانِ
وأشهدُ أنها حملتْ زياداً *** وصخرٌ من سميةَ غيرُ دانِ
وكقول أحد الشعراء في العالم النحوي المشهور محمد بن يزيد المبرد: ([27])
سألنا عن ثمالة كلَّ حيٍّ *** فقال القائلون ومن ثمالةْ؟
فقلت محمدُ بنُ يزيدَ منهم *** فقالوا: زدتَنا بهمُ جهالةْ!
ولئن وضع الشاعر نفسه موضع مهجوّه، أو أحبّ للآخرين ما يحب لنفسه كما يعلمنا الإسلام لما انغمس في الخوض في أعراض الآخرين وأحسابهم دون رادعٍ أو وازع. ولهذا فقد ورد عن كريمة المزنية أنها قالت: " سمعت أبا هريرة وهو في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( ثلاثة من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب)) ([28]).
ويتجاوز أوار الضغينة الشاعرين المتهاجيين إلى من يحيط بهما ويذكي بينهم الصراع والنزاع بغية مآرب آنية وعاجلة، وعلى هذا وبدلاً من أن يكون الانتماء إلى الإسلام جامعاً بين هذين الفريقين من الناس يتولّى الهجاء تفريقهم وتمزيقهم وخلخلة صفوفهم علاوة على الأذى النفسي الذي يلحقُه بأفرادهم، ومن هنا كان سعي البعض إلى أن يجنب نفسه مغبة الإساءة التي يلحقها شاعرٌ ما به بأن يسترضيه بعطاء أو تقدير أو يحقق له مطلباً من غير أن يكون له حق فيه وغير ذلك من الوسائل التي تقرب من أن تكون رشوة تلجم اللسان. وقد لجأت الكيانات السياسية التي تعاقبت على الدولة الإسلامية إلى استغلال أثر الهجاء في تأجيج الصراعات القبلية والفردية لتتيسر لها السيطرة على الوضع العام، فأصبح هذا " الموضوع الشعري" أداة سياسية تديرها السلطات المختلفة، ولم يعد تبعاً لذلك بعيداً عن السمت الإسلامي وحسب بل أصبح بعيداً عن أداء دور اجتماعي إيجابي أيضاً. وصار طبيعياً لتلك الكيانات السياسية التي تلت عصر الخلافة الراشدة أن تترك محاسبة المتهاجين أو الهجائين على ما يقولون طالما رأت أن أقوالهم تصب في خدمة أهدافها ومخططاتها.
ويعكس الهجاء بُعْد قائله عن السماحة التي تميز الشخصية الإسلامية الصحيحة ونضوب قلبه من المحبة وروح الإخاء فضلاً عن دلالته على أن انفعالات الشاعر ليست إلا ثورة لنفسه لا لربه. ومن الغريب حقاً أن يسمح المجتمع المسلم للشاعر الهجاء أن يقول ما يقول من غير أن يأخذ على يديه أو أن يكون الشاعر "مسلماً " ثم يفيض قلبه بالحقد والضغينة والافتراء. ويكمن وجه الغرابة في أن الشاعر يكون بهجائه منفصلاً انفصالاً تاماً عن المثل الدينية التي نراها منبثة في القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة ومع ذلك يمكن أن يعده " بعضهم " شاعراً إسلامياً. لقد أثنى الباري - عز وجل - على عباده بقوله - سبحانه -: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)([29])، وبقوله: ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) ([30])، فالمسامحة ترفع الإنسان إلى درجة الإحسان، ولهذا فإن النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - حث الناس على عدم الغضب حيث قال: (( ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) ([31]) وعند ما استنصحه - عليه السلام - أحدُهم أجابه بقوله: (( لا تغضب))([32]). والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الصفوة من بني البشر الذين لقوا من أقوامهم أذىً كان من شأنه أن يثير موجدتهم، كانوا يتوجهون إلى الله - سبحانه وتعالى- بأن يغفر لأممهم ويردّون الإساءة بالإحسان، وقد أورد القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)([33])، ومن ذات المشكاة صدر قول نبينا - عليه الصلاة والسلام - وهو يحكي نبياً من الأنبياء - عليهم السلام -: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) ([34]). ولم يكن دعاء الأنبياء - عليهم السلام -، على أعداء الله ثأراً لأنفسهم بل كان أمراً لم يجدوا منه بداً للرد على كيد الكافرين الذين أصبحوا عقبة في طريق نشر الدعوة ولم يكن إسلامهم مرجواً ولم يؤمَّل زوالهم إلا بتدخل رباني لتحقيق سنة الله في خلقه وفي نصر عباده المؤمنين وإقامة شريعته على الأرض.
ولم يُعنَ الشعراء بالتأسي بهذه التربية أو التخلق بهذه الصفات بل إنهم كانوا على النقيض منها تماماً فصاروا بتماديهم في هذا الغرض وما شاكله أسارى أنفسهم وسهلي الانقياد إلى حد ما لأهواء أنفسٍ أخرى تتمثل في السلطات المتعاقبة سواء كانت سلطاتٍ قابضةً على أعنّة الحكم أم كانت سلطاتٍ غيرَ حاكمة رآها شعراء معينون أجدر من الحاكمين بالحكم وأحق به، ولعل تلك السلطات كانت تُوْقِع الشعراءَ بعضهم في بعض وتهلل لما تراه يجري بينهم، ولربما، أيضاً، كان إسناد السلطة المباشر وغير المباشر لهذا الضرب من الموضوعات الشعرية سبباً يقف وراء المقولة التي ذاعت في الكتب النقدية القديمة ورددتها الألسنة وهي أن: " أشعر الشعراء أربعة: زهير إذا رغب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وعنترة إذا غضب" ([35]). ومع أن الشعراء المذكورين في هذه المقولة جاهليون إلا أن مطلقي المقولة ومردديها كانوا مسلمين، وإن دلالتها في فهم الشعرية هي ما يهمنا هنا، ومن الواضح أنها تجعل الغضب في الغرض الذي نحن بصدده الآن والذي لا يكون لله بأي حال لاقترانه بعنترة الباعث الأساسي على شعر متميز ومتفوق، وإذا تأملنا المقولة جيداً لرأينا أنها تربط " الشعرية " في منطلقاتها بما يجافي المنهج الإلهي في تربية الإنسان، ولعل النقاد المسلمين الأوائل لم يدركوا هذا المعنى، وكرروا المقولة بغير أن يقصدوا ذلك، ومع ما فيها من عمومية فإنها تجعل المفاضلة بين الشعراء مبنية على أسس هدامة لشخصية الإنسان " الشاعر" ما دامت متمحورة حول شخصيات إنسانية أخرى تحكم علاقاتهما أي علاقات شخصية الشاعر بالشخصية الأخرى- الرغبة أو الرهبة وما ينجم عنهما من حرص النفس وارتعاش القلب بدلاً من روابط الإيمان والإخاء والمساواة.
لقد أصبحت هذه المقولة ومثيلاتها من قبيل قول الأصمعي المشهور: " الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسان بن ثابت فحل من فحول الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط شعره "([36]) وغيرها كفيلة بزرع معنى للشعرية في النفوس يتمثل في فصل هذا النشاط عن الدين وفي إضفاء الإعجاب على الناقد أو تقدير جهده النقدي لتعامله مع الشعر بعيداً عن الدين وقيمه. ومن الغريب حقاً أن يُعلى من شأن الداعين إلى عزل الدين عن الحياة مع أن الدين في واقعه وحقيقة أمره يرسم السياسة المجملة والتفصيلية للحياة بجميع أنشطتها بما فيها الأدب وأن يهوَّن من شأن من يربط بينهما في الوقت الذي يكون التقدير العالي من نصيب الذين يربطون الأدب بالمعتقدات الوضعية والذين يجعلون نتاجاتهم وعاءً لتلك المعتقدات.
إن الموضوعات الشعرية التي أشرتُ إليها سابقاً عيّنةٌ لما ينحرف بمنطلقاته المضمونية وأهدافه ونتائجه عن الخط الإسلامي السليم، وانحراف الشعر في عمومه عن القصد الإسلامي وما يترتب عليه من هدم البنية الاجتماعية المتماسكة هو الذي دفع النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى القول: (( لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً )) ([37]). كما أن هذا لا يعني، في الوقت عينه، أن تلك الموضوعات تتجنب هذا الخط كلية أو أننا لا نجد فيها ما يخدم الإسلام ومثله، وأعتقد أن تمييزها من هذه الناحية ينبغي أن يخضع لمن يوجَّه إليه الكلام، كما ألمحتُ إلى ذلك منذ البداية، فالهجاء، مثلاً، الذي يوجِّهه الشاعر العقائدي المسلم إلى أعداء دينه يكون في صميم الجهاد بالكلمة لأن نتائجه السلبية ستنعكس على العدو بانكسارهم معنوياً ولأنه يشفي صدور المؤمنين فتعلو عزيمتهم وتقوى شوكتهم. بينما يؤدي الهجاء الموجَّه من مسلم إلى مسلم إلى ضعضعة وحدة المجتمع ويسهم في إضعافه وتصير نتائجه ثمة مجانبة لما ترمي إليه العقيدة الإسلامية. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأغراض الأخرى، وإن معيار إسلاميتها من عدمها ينبغي أن يقوم على المنطلقات والنتائج التي ستلقي في النفس ترسيخ العقيدة أو إضعافها.
وإذ اقتصرت على هذه العينة فإني لم أعن أن الموضوعات الأخرى التي سكتُّ عنها تتماشى مع خط الإسلام، وهي موضوعات تتراوح قرباً من هذا الخط وبعداً عنه من خلال قصائد تتفق مع المنهج الإسلامي وأخرى تباينه، ونظرة في دواوين الشعراء وكتب الأدب القديمة تكفي لإيقافنا على هذه الحقيقة، ولعل أقرب الموضوعات إلى دائرة الإسلام يتمثل بالنصوص التي تتحدث عن هواجس الإنسان وعواطفه وآماله أو عن خلاصة تجاربه في الحياة من فهم إسلامي واضح وصائب عن الكون والحياة.
الالتزام الديني في الفن:
لقد عانى عدد من الأدباء القدماء من ألم انشطار النفس بين دوافع قلبية دينية ورغبات دنيوية مسرفة، ولهذا فإن ما أنتجوه كان يتوزع بين هذا الميل أو ذاك، ولاحظ الأقدمون، أو قسم منهم، تفاوتاً في الرصيد الانفعالي بين القصائد الصادرة عن إحساس ديني والقصائد الصادرة عن حاجة دنيوية. وقد أدركوا سبب التفاوت ولكنهم آثروا تجاوزه ورغبوا في تجنب الحرج الذي يمكن أن يقعوا فيه إذا ما خاضوا في درجة القيم الأخلاقية أو الاعتبارات العقائدية التي تسمح للشاعر أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه. ويبدو أن أولئك الأقدمين وجدوا في فصل الأدب عن الدين مخرجاً مناسباً من هذا الحرج وذلك التفاوت الذي لم تكن الإمكانية الفنية سبباً فيه، وإذ فصلوا الدين عن الأدب فإنهم قد وضعوا وبصورة ضمنية قاعدة لدراسة الشعر الصادر عن الحس الديني أو عن الدوافع الأخرى تتمثل ب" وحدة" المؤلف، وأما المعاصرون الذين آزروا هذا الفصل فإنهم لم يصدروا عن الرغبة في تجاوز المساس بشخصيات الشعراء العقائدية بل صدروا عن دوافع أخرى كان من بينها اعتقادهم أن الدين يقتل الإبداع الفني ويجعله مجالاً للوعظ والإرشاد لا غير، وأنهما أي الشعر والدين بسبب ذلك لا يلتقيان.
إن اعتبار الفن والدين نشاطين مختلفين يعكس عدم فهم لمعنى الدين في حياة الإنسان أو سعياً لإفراغ الدين من دلالته الأساسية والوظيفة الجوهرية التي ينيطها بالإنسان والتي تتمثل بالخلافة على الأرض وعمارتها إيمانياً ومادياً، ومهما تشعبت هذه الوظيفة وتنوعت مجالاتها فهي عبادة وممارسة دينية طالما كان تنفيذها نابعاً من قلبٍ شاعر أنه ينفّذ أمر ربه أو أنه يريد بما يفعل وجه الله - سبحانه وتعالى -. وقد أوضح القرآن الكريم بجلاء تام الغاية من خلق الإنسان بقوله جل جلاله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ([38]).
فالعبادة هي الغاية، ولا بد أن تكون جميع الأنشطة التي يمارسها الإنسان دائرة في فلكها ومؤدية إلى تحقيقها وإبقائها متوهجة في الحياة وحية في النفس، ومفهوم العبادة، كما هو معلوم، واسع في الإسلام وغير مقتصر على أداء الفرائض والأركان، ويشمل كل حركة وقول ونشاط يصدر عن الإنسان من أجل ربه - سبحانه وتعالى-، بل أنه ينصرف إلى أدق الخصوصيات الإنسانية، وما دمنا بصدد الحديث عن الفن فلا ريب في أنه عبادة إن توفرت فيه شروط الأداء الإسلامي كالنية الإسلامية الخيرية الدافعة إلى الإنتاج الفني واستشراف الغاية الإسلامية منه والنظر إلى أن يقع موقع الرضى من الباري - عز وجل - أولاً لا أن يقع موقع الرضى من الناس وموقع السخط من الباري - عز وجل -، وغيرها، وليس هذا مفهوماً نظرياً مجرداً بل هو واقع طبّقه المسلمون على امتداد التاريخ، ولئن كانت العبادة في رأيهم مقتصرة على الشعائر المعروفة لما كان لديهم جهاد بالكلمة أو بناء أو تأليف ولما كان في مقدورهم أن ينتجوا ما أنتجوه في العلوم الطبية والكيميائية والرياضية إلى جانب العلوم الفقهية والشرعية بأبوابها المختلفة، ولما كانت هناك، بعبارة موجزة، حياة زاخرة مفعمة بالحركة.
إن التزام الإنسان بمنهج الله - سبحانه وتعالى - يقود إلى أن يفتح هذا الإنسان عينيه على أسرار الكون وأن يرى فيه بعينه وقلبه وإحساسه ما لا يراه الآخرون، وإن هذا الالتزام يضعه موضع الاتساق التام والانسجام الكامل مع حركة الكون ويشعره أنه جزء منظم من الحركة المنتظمة داخل الوجود وأنه، من ثم، ذرة مسبحة مع ذرات الكون الفسيح، فهو ليس كائناً عاقلاً إزاء جمادات بل هو عبد لله إزاء عبيد لله ويبني تعامله مع الدواب والشجر والجبال والحجر على أساس أنه وهؤلاء جميعاً عابدون لله، ويكفل هذا الإحساس تعاطفاً من نوع خاص بين الإنسان وما يحيط به محققاً له الطمأنينة في القلب والرضى في النفس والمصالحة مع الوجود، وهو إذ يرى عظمة الباري - عز وجل - ويتأملها في تفصيلات الوجود يكون في حالة ِذكْر وهي حالة استشعار العبادة بكل ما يفعله الإنسان ويقوله، وحينئذ يرى نفسه في مسايرة منتظمة مع الناموس الكوني العام، فهو وهذا الكون بكل ما فيه خاضعان لقانون واحد يسيران وفقاً له ولا يمكن أن تكون حركته معاكسة لذلك القانون. ويشكل هذا الاطمئنان أساساً مهماً للإبداع الفني الإسلامي، أي أن الفن الإسلامي ينبع من الاطمئنان واستقرار الوجدان اللذين لا يفارقان المسلم وهو يؤدي واجبه الشرعي - بالمفهوم الواسع لهذا الواجب بغض النظر عن نتائج ما يؤديه. على حين أن " الآخر" يتعامل مع ما يحيط به من زاوية مغايرة وخاضعة لمصالح وتوقعات محكومة بحسابات ذاتية من جهة، وقائمة على شعور بالسخط على هذا ال" ما حول " وعدم الرضى بل وحتى العداء أحياناً من جهة أخرى. ومن ثم فإن هذا الصنف من الناس يحيا حالة دائمة من التوتر والقلق والاضطراب ومن التمزق الروحي والانكسار النفسي. وإذ تؤول حسابات هذا الصنف إلى الفشل فإنه ينفجر حقداً وغضباً ويتحول إلى وحش كاسر ولا يطال ضرره ما يحيط به وحسب بل يطاله هو أيضاً ([39])
الاطمئنان منبع الفن:
إن الفرق بين المسلم الملتزم بمنهج ربه ومن يحلّ نفسه من ذلك الالتزام مسلماً كان من حيث الظاهر والانتماء أم لم يكن كامنٌ في أن المسلم لا يرى أمامه شيئاً أسمه " أسوأ احتمال "؛ ذلك أن الاحتمالات التي يواجهها تكون خيرة كلها، وقد دلّنا النبي - عليه الصلاة والسلام - على هذه الخيرية بقوله: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"([40]). ولئن أصابه ما يكره فإنه يعلم أن في ذلك خيراً آجلاً له في الأقل، كما أنه يدرك في الوقت ذاته أن معياره هو غير دقيق في تمييز ما هو خير وما هو شر في نتائجه وعلى هذا فإنه يستقبلهما بشعور واحد، وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى عدم الأخذ بظواهر الأشياء ومن خلال مشاعرنا القريبة منها، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى -: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ([41]). ومن هنا فإن المسلم لا يخرجه الخير " الظاهر " عن طوره ولا يضجره الشر " الظاهر"، فكلاهما من رسل ربه إليه وهو يرحب بهما ترحيبه بأمر ربه ويأنس بهما أنسه بخالقه - سبحانه وتعالى-، ولهذا فإن أخطر تجربة، وهي تجربة الحياة والموت في الجهاد بالنفس، يقدم عليها الإنسان المسلم برباطة جأش وثبات جنان لا تختلج فيه اختلاجة سلبية لأن العاقبة عنده متساوية: النصر أو الشهادة، إن لم تكن الشهادة أقرب إلى مناه وإن لم يكن هو أحرص عليها مما عداها. وأما الآخرون فهم بين نصر أو اندحار، نجاح أو فشل، وحدودهما هي ما يدركونه بأعينهم أو يلمسونه بأيديهم من سماتها القريبة الظاهرة، فيطغيهم النصر ويحرق أفئدتهم الانكسار، وفي الحالتين يكون انفعالهم معاكساً للناموس الإلهي فيؤذون أنفسهم والآخرين برؤية الذات والتيه والغطرسة في حال النجاح وبالمعاناة الداخلية في حالة الفشل. وإذا كان النتاج الأدبي ثمرة لهذه الحالة المضطربة غير السوية فإن تغذيته لنفوس متلقّيه ستكون تغذية مرَضيّة غير صالحة وذات نتائج غير سليمة.
يتبع