وهذان الأمران هما:
الأول: أنه في حاجة إلى طاقة ليجدد حيويتها ونشاطها دومًا:
ونقصد بالطاقة القدرة على السمو بالنفس بما يرضي الله تعالى من الطاعات والعبادات الشرعية، التي تهيج خمول النفس وتردُّدها وسلبيتها، وترتقي بها، وتعلو بهمتها، وتشع وتؤثر في جوارح صاحبها بطاقة خلاَّقة إيجابية ومثمرة، فمن المعلوم أن الإيمانَ يَزيدُ وينقص؛ يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والآفات.
فكما أن حلاوة المعصية تهيج النفس إلى حين، وتجدد حيوتها ما ظلت لذتها، ثم يعقبها ندم وخزي وتأنيب ضمير، فكذلك الطاعة تزيد من تهيج النفس للسمو والرقي وعلو الهمة ولذة لا تدانيها لذة يقذفها الله في قلب المؤمن إلى أن تفتُرَ عزيمته، وتقل طاقته، ولكن يعقبها رضًا وسكينة وراحة، ومحاولات مستمرة للعلوِّ والسمو والقرب والأنس بالله تعالى.
وما نريد قوله مما ذكرناه آنفًا أن الطاعات التي أمَرنا الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بالعمل بها والإكثار منها، والمعاصي التي أمرنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بتجنُّبها والبُعد عنها حتى تصبح بفضل الله ونية صاحبها طاعةً وعبادة يثاب عليها العبد؛ لأنه تركها لله تعالى - هي المصدر الرئيسي للطاقة المتجددة دومًا، سلبًا وإيجابًا، بحسب استعداد النفس، وقدرة صاحبها، وعلو همته على ترويضها وتهذيبها والسمو بها.
والإسلام يدعو أتباعه إلى الطاعة والعبادة، ويبيِّنُ لهم أنها الغاية من الخَلق والوجود، ويعلن لهم هذه الحقيقة دومًا في كثيرٍ من آياتِ القُرآن والسنَّة النبوية.
قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما مختصره:
فالدِّين كلُّه داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح أن جبريلَ لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً))، قال: فما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبَعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيرِه وشره))، قال: فما الإحسان؟ قال: ((أن تعبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، ثم قال في آخر الحديث: ((هذا جبريل جاءكم يعلِّمُكم دينكم))[13]، فجعل هذا كله من الدين[14]؛ اهـ.
قلت: ولا يخفى على أولي الألباب أن الطاعات ثقيلة على النفس، والمعصية خفيفة، وسبب ذلك كما لا يخفى نقصان المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهما ينبوع كل طاقة خلاَّقة في قلوب المؤمنين, والدليل على ذلك من القرآن والسنَّة ما يلي:
• قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].
قال ابن كثير في تفسيرها ما مختصره: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبةَ الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرعَ المحمديَّ والدين النبويَّ في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيحِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ))؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾؛ أي: يحصُلْ لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظمُ من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسنُ البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبُّون اللهَ، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [15]؛ اهـ.
قلت: فهذا دليلٌ بيِّن أن محبة الله ورسوله سبب في اتباع الحق، وفي اتباع الحقِّ سموُّ النفس وفلاحها.
أما الدليل من السنَّة، فحديث عبدالله بن هشام رضي الله عنه، قال: كنا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو آخِذٌ بيدِ عمرَ بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسولَ الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحَبَّ إليك من نفسِك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر))[16].
قال ابن حجرٍ العسقلاني - رحمه الله - في شرح الحديث ما مختصره: أي: لا يكفي ذلك لبلوغ الرُّتبة العليا حتى يضاف إليه ما ذكر، وعن بعض الزُّهاد: تقديرُ الكلام: لا تصدُقُ في حبي حتى تُؤْثِرَ رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك، قوله: "فقال له عمر: فإنه الآن يا رسول الله لأنت أحبُّ إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر))":
قال الخطَّابيُّ: حب الإنسان نفسَه طَبْعٌ، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار؛ إذ لا سبيلَ إلى قلبِ الطِّباع وتغييرها عما جُبِلَت عليه، قلت: فعلى هذا فجواب عمر أولاً كان بحسَب الطبع، ثم تأمَّل فعرَف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليه من نفسه؛ لكونه السببَ في نجاتها من المهلِكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار؛ ولذلك حصل الجواب بقوله: ((الآن يا عمر))؛ أي: الآن عرفتَ فنطقتَ بما يجب؛ [17] اهـ.
قلت: والحاصل مما سبق أن التطبيق العملي، والارتقاء بالنفس للوصول إلى أعلى درجات السمو الرُّوحي لها: علامتُه ألا يكون هناك شيء أحب إليها من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولن يتيسَّر لها ذلك إلا إذا أخلص صاحبُها نيتَه له جل وعلا، وبالصبر على المكاره واليقين والتوكل عليه - سبحانه وتعالى - سوف يرى العَجَب العُجاب.
قال ابن القيِّمِ - رحمه الله - ما مختصره:
وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال، استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة، والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة، فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب، وأيضًا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجِبٌ لفقرِها إلى الشهوات، فكلٌّ منهما موجِبٌ للآخر.
وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات، فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].
ثم قال - رحمه الله -: وإذا صارت النفس حرةً طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النُّور الذي وقع في القلب، ففاض منه إليها، استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط، وبرِئَتْ من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا كان الدِّينُ كله في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [هود: 112].
وقال سبحانه: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 13][18]؛ اهـ.
الأمر الثاني: أنه في حاجة لمعرفة طبيعتها، وطرق ترويضها؛ لتستقيم على طريق السمو والرقي، ولا تحيد عنه:
ولا يغيب عن أولي الألباب أن النفس البشرية عمومًا مطبوعةٌ على الفطرة، ومع اختلاطها بالناس - ومنهم الصالح والطالح - وتلذُّذِها بشهوات الدنيا وغير ذلك: تتغيرُ طبيعتها حسب درجة تأثرها، ومدى الخَلَل الذي أصابها طوال فترة تمرُّدها وبُعدها عن الله تعالى ومبارزته بالمعاصي، ومن أجل ترويضِها لتستقيم وتترقى؛ ينبغي معرفةُ سبل علاج الخلل الذي أصابها، وتلك هي الخطوة الأولى، وكل إنسان أدرى بحقيقة نفسه التي بين جنبيه بناءً على أقواله وأفعاله دِينًا ودنيا.
ثم يبدأ محاسبته لها عن الخطأ، وإصلاح الخلل الذي أصابها، وتهذيبها وتقويمها للأفضل، وتلك هي الخطوة الثانية، مع العلم أن إقرارَ الإنسان بالذنب والتقصير في حق الله تعالى ثم حق نفسه في إهمال اتخاذ العُدَّة، وسبل الفلاح والنجاة لنفسه التي بين جنبيه - هو البداية الصحيحة لقدرته على ترويضها، وكبح جماح نفسه، وتمردها وهياجها[19].
ثم يبدأ الخطوة الثالثة في علاج الخلل، إما بالتدرج في العلاج، أو بالعزيمة وقوة الإرادة من مرة واحدة حسب استعداد صاحبها وقوة إيمانه ويقينه وتوكله على خالقه - جل في علاه - ملتمسًا هدي القرآن والسنَّة، ثم يبدأ الخطوة الرابعة، ثم الخامسة وهكذا، حسبما يرى صاحبها؛ حتى تستقيم على أمر الله تعالى في النهاية.
ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، ومنعًا للإطالة اثنتين من القواعد الأساسية من القرآن والسنَّة الصحيحة، التي لا سبيل لإصلاح النفس إلا بالعمل بهما، وينبغي للمرء أن يحث نفسه التي بين جنبيه ويروِّضها على ذلك؛ ليصقل قدرته على كبح جماحها، وانطلاقها لإرضاء ملذاتها وشهواتها بلا حساب أو عقاب، حتى تعلو همته، ويمضي بها في طريق الاستقامة، وهو سبيله الوحيد للنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، وما التوفيق إلا من عند الله العليم الخبير.
القاعدة الأولى: الحذر من تزكيتها؛ حتى لا تغتر برحمة الله تعالى:
من الخطورة أن يغتر الإنسان بتزكية الناس له لأمر من الأمور الدينية أو الدنيوية، فضلاً عن تزكيته لنفسه أمام الناس وما فيه من رياء وتصنع ممقوت قد يؤدي إلى إحباط العمل، ويكفي علمه أن الله تعالى يعلم سريرته وعلانيته، ولا يغره بالله الغَرورُ، ولقد نهى اللهُ تعالى عن ذلك فقال: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم: 32].
وحتى يتضح المقصود بتزكية النفس؛ نذكر قول العلامة ابن العثيمين - رحمه الله - في تفسيرها، قال ما مختصره: أي: لا تزكوها، وتقول: عملت كذا وكذا، وصلَّيت، وزكَّيت، وصُمت، وجاهدت، وحججت، لا تقل هكذا، تُدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]؟
فالجواب: بلى، لكن معنى ﴿ مَنْ زَكَّاهَا ﴾؛ أي: من عمِل عملاً تزكو به نفسه، وليس المعنى ﴿ مَنْ زَكَّاهَا ﴾: مَن أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملاً تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين؛ ولهذا نقول: من زكى نفسه بذِكر ما عمل من الصالحات، فإنه لم يُزَكِّ نفسه، فمن زكى نفسه بمدحها فإنه لم يزكِّ نفسه، وفرق بينهما؛ فالتزكية التي يحمد عليها الإنسان أن يعمل الإنسان عملاً صالحًا تزكو به نفسه، والتزكية التي يُذَمُّ عليها أن يُدلَّ بعمله على ربه ويمدح، وكأنه يمنُّ على الله، يقول: صليت، وتصدَّقتُ، وصمت، وحججت، وجاهدت، وبررتُ والدي وما أشبه ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يزكيَ نفسَه.
ثم قال - رحمه الله -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم: 32] يعني: إن كنتَ متقيًا لله، فالله أعلمُ بك، ولا حاجة أن تقول لله: إني فعلت وفعلت[20]؛ اهـ.
وفي السنَّة الترهيب من ذلك:
ففي حديث يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميتُ ابنتي بَرَّة، فقالت لي زينبُ بنت أبي سلمة: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسُميت بَرَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزكِّوا أنفسكم، الله أعلمُ بأهل البِرِّ منكم))، فقالوا: بمَ نسميها؟ قال: ((سموها زينب))[21].
قلت: وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ينهى عن التزكية في مجرد اسم قد يؤدي إلى ضرر، فلا ريب أن تزكيةَ الإنسان لنفسه أو لغيره لطاعة أو لمال أو علم أو حسب ونسب.. وما أشبه ذلك فيها ضرر أكيد وهلكة للنفس، وسببٌ لتمردها وضعفها من باب أولى، لماذا؟
لأنه قد يؤدي إلى الغرور والعُجْب والزَّهو بالنفس، وقد يوسوس له الشيطان بأنه لا حاجة لطاعة أخرى؛ فقد صار من الأولياء والنُّجَباء، وقد يقذف في قلبه الكِبْر، فيظن أنه أعلمُ أهل الأرض، ولا حاجة له للتعلُّم؛ فقد صار من الفقهاء، وهكذا، حتى تهلكه التزكية، ويهمل ما تحتاجه نفسه من طاقة ليجدد ضعفها وفتورها.
القاعدة الثانية: مجاهدتها لرد كيد الشيطان وتلبيسه لها:
ينبغي مجاهدة الشيطان وتلبيسه للنفس بكافة الطرق الشرعية؛ لأن عداوته لا تزول أبدًا، بل هو - لعنه الله - يبرِّر طاعةَ ضعاف الإيمان له في الدنيا ومعصيتهم لله تعالى إلى نفوسهم؛ كما قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 22].
• وفي السنَّة بيَّن النبي خطورة تلبيسه للإنسان بقوله: ((إنَّ الشَّيطانَ يجري من الإنسان مجرى الدَّمِ، وإني خشِيتُ أن يلقيَ في أنفسِكما شيئًا))[22].
قال ابن الجوزي في كتابه النفيس "تلبيس إبليس" (1/50) ما مختصره: وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه، ويزيد تمكُّنُه منهم ويقلُّ على مقدار يقظتهم وغفلتهم، وجهلهم وعِلمهم، واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسُّور أبواب، وفيه ثُلَم[23]، وساكنه العقل، والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض فيه الهوى، والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانعٍ، والحرب قائم بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثُّلَم، فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه، وجميع الثلم، وألا يفتُرَ عن الحراسة لحظة، فإن العدوَّ ما يفتُرُ، قال رجل للحسَنِ البصري: أينامُ إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة.
ثم قال -رحمه الله -: وهذا الحصن مستنيرٌ بالذِّكر، مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة، يتراءى فيها صور كل ما يمر به، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان، فتسودُّ حيطانُ الحصن، وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يرد الدخان، وصَقْلُ الذِّكر يجلو المرآة، وللعدو حملات، فتارة يحمل فيدخل الحصن فيكرُّ عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث، وربما أقام لغفلة الحارس، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسودُّ حيطان الحصن، وتصدأ المرآة، فيمر الشيطان ولا يدري به، وربما جرح الحارس لغفلته وأُسِر واستُخدم وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته، وربما صار كالفقيه في الشر؛ اهـ.
قلت: ولا يخفى أن في القرآن والسنَّة الكثير من القواعد والمبادئ التي تطلق عِنان النفس في رحاب السمو والترقي، وما يشيعه ذلك في النفس من سكينة وراحة، وتوكل ويقين، وبصيرة يميز بها صاحبها طريقَ الحق والرشاد من طريق الكفر والضلال، فيتبعه بثقة وإيمان، ولا يُلقِي بنفسه إلى التهلُكة، ولكن فيما ذكرناه الكفايةُ لبيان مقصودنا في هذا المبحث.
وبعد لقد طرحنا في هذه الدراسة جوانب عديدة تبين عظمة الإسلام وأثبتنا أن تشريعاته وتعاليمه السمحة فيها البلسم الشافي للبشرية من كل داء وأنه مصدر سعادتها وتقدمها وفلاحها دينا ودنيا وكنت أريد أن أبين جوانب أخرى عديدة عن عظمة رسالة الإسلام ولكن ستطول بنا مادة هذه الدراسة في هذه العجالة وما في هذا من تشتيت للقارئ الكريم وكما ذكرنا في المقدمة نريدها مختصرة ووجيزة ولكن إن شاء الله تعالى عندما ييسر لنا الأمر سنزيد فيها ما يفتح الله به علينا وننشرها في كتاب لأهميتها لبيان عظمة الإسلام من جوانب أخرى، ونبرهن بالأدلة الشرعية من نصوص الوحيين أنه حقاً رسالة الله للعالمين لذا نكتفي بما ذكرنا والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وآله وصحبه أجمعين.
[1] جامع البيان في تأويل القرآن؛ لأبي جعفر الطبري، تحقيق محمود محمد شاكر - الناشر: مؤسسة الرسالة (17 / 402 /283).
[2] سبق تخريجه.
[3] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 749).
[4] تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (7/ 376).
[5] أخرجه مسلم برقم/ 81 - باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
[6] أخرجه البخاري برقم/ 1164 - باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم، باب الأمر باتباع الجنائز - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام.
[7] انظر صحيح الترمذي برقم/ 2010, وأبو داود برقم/ 4882 للألباني.
[8] أخرجه البخاري برقم/ 2262 - باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه.
[9] انظر حديث رقم: 3596 في صحيح الجامع.
[10] أخرجه البخاري برقم/ 12 - باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه.
[11] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 856).
[12] أخرجه البخاري من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما برقم/ 2930 - باب إثم من قتل معاهَدًا بغير جُرم.
[13] أخرجه مسلم برقم/ 10 - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، والبخاري نحوه برقم/48 - باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم.
[14] انظر كتاب العبودية؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/48) - باب مراتب الحب - نشر المكتب الإسلامي - بيروت.
[15] انظر: تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (2/ 32).
[16] أخرجه البخاري برقم/ 6142 - باب كيف كانت يمين النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
[17] انظر: شرح ابن حجر للحديث في كتابه "فتح الباري، شرح صحيح البخاري".
[18] انظر كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص/41) - فصل: في تفسير غنى النفس.
[19] للمزيد من البيان انظر كتابي: "من أنت وماذا تريد؟"، وهو منشور في مواقع كثيرة؛ كصيد الفوائد والمشكاة، وغيرهما، وراجع مقالتي: "سبل علاج النفس وتهذيبها" على شبكة الألوكة، وفيهما ما يكفي ويشفي، والله المستعان.
[20] تفسير العلامة محمد العثيمين - مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (11/ 25).
[21] أخرجه مسلم برقم / 3992 - باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسَن.
[22] أخرجه البخاري من حديث علي بن الحسين برقم/ 1897 - باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه.
[23] الثُّلَم: جمع ثُلْمة، كغُرْفة وغُرَف، وهي في الأصل: موضع الكسر من القدح.