الإسلام والسمو الروحي للإنسان (2)
سيد مبارك
الإسلام رسالة الله للعالمين (5)
المبحث الخامس: الإسلام والسمو الروحي للإنسان (2)
الحمد لله رب العالَمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فقد أوضحنا في مقالتنا السابقة من هذا المبحث بيانًا شافيًا لحقيقة السمو بالنفس روحيًّا وجسديًّا للإنسان في إطار الشريعة الخاتمة وتعاليمها السَّمحة، وذكرنا أن السموَّ له ثلاثة محاور على الأقل:
المحور الأول: بيان حقيقة ارتباط النفس البشرية وسموها بخالقها ورازقها في الإسلام.
المحور الثاني: بيان أن رسالة الإسلام وتعاليمه تسمو بالعلاقات بين البشر.
المحور الثالث: بيان أن تعاليم الإسلام تسمو بالإنسان مع نفسه التي بين جنبيه.
وقد بيَّنَّا باستفاضة المحور الأول وأدواته ووسائله وشروطه؛ ليكون سمو المخلوق وارتباطه بالخالق - جل في علاه - في إطار شرعي وتعاليم الإسلام؛ حتى لا يضلَّ ولا يشقى في السمو بالنفس باتباع معتقداتٍ شِركية، وتعاليم شيطانية، ما أنزل الله بها من سلطان، تخرجه من الإيمان إلى الكفر، والعياذ بالله.
وفي هذه المقالة نبيِّن المحور الثاني والثالث، وسبل ووسائل السمو والترقي بالنفس البشرية في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان المسلم بصفة خاصة، وغير المسلم بصفة عامة، ثم علاقته بنفسه التي بين جنبيه في إطار تعاليم الإسلام، والله المستعان، وعليه التُّكلان.
المحور الثاني: بيان أن رسالة الإسلام وتعاليمه تسمو بالعلاقات بين البشر:
لا يخفى أن العلاقات الإنسانية والاجتماعية في دنيا الناس قد تتخذ صورًا مثل التعاون والتسامح والمحبة والتكافل والتمسك بالفضائل... وغير ذلك من الأعمال الصالحة، ومكارم الأخلاق، ولا يختلف مفهومها بين البشر منذ فجر البشرية، بل هي صورٌ من صور الرُّقي والتحضُّر في كلِّ عصر ومصرٍ.
والاختلاف الوحيد الذي يجب التنبيه إليه أن الله تعالى يجزي من شاء كيفما شاء لعمله الصالح إن دخَل في هذا الدِّين بعد أن بعث الله رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم وشهِد شهادة الحق؛ لأنها رسالةُ الله للعالَمين، وليس لغير المنتمي لهذا الدين جزاءٌ من الله تعالى عن عمله الصالح إلا الخسران المبين، اللهم إلا من سبق ومات قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ممن لم يدرك دعوته ومات على الحنيفية السَّمحة.
• ودليل ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15].
قال أبو جعفر الطبري - رحمه الله - في تفسيرها:
وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجَّة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم[1]؛ اهـ.
قلت: والسمو بين الإنسان وأخيه الإنسان في رسالة وتعاليم الإسلام أمرٌ لم تصل إليه أكثر الأمم تحضرًا في عالمنا المعاصر، ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته وسنته في التطبيق العمَلي لكتاب الله تعالى: تعاليمُ من السماء، من إلهٍ حق واحد أحد لنبيٍّ حقٍّ ورسول خاتم جمع خِصالَ الأوَّلين والآخرين، وارتقى بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان رُوحيًّا وجسديًّا، ما يشهد به القاصي والداني، ولو تدبرها ووعاها البشر في العالم المتحضر كله على اختلاف عقيدتهم وثقافتهم ولغاتهم بكل حيادية وإنصاف، ما وسِعهم إلا أن يتبعوها وينهلوا من سموها وبهائها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وكيف لا؟ وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله - تبارَك وتعالى - بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، إلا أدخله الله الإسلام، بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلام، وذلاًّ يذلُّ اللهُ به الكفر))[2].
ولبيان هذا المحور نوجزه في أمرين:
الأول: بيان حقيقة ودلائل السمو الرُّوحي بين المسلم وأخيه المسلم.
الثاني: بيان حقيقة ودلائل السمو الرُّوحي بين المسلم وغير المسلم.
وعلى السطور التالية الأدلة الشرعية من القرآن والسنَّة في بيان هذين الأمرين، وما توفيقي إلا بالله العليم الخبير.
الأمر الأول: وصايا القرآن والسنة للسمو في علاقة المسلم مع أخيه المسلم:
ولبيان هذا الأمر نقول: إن في القرآن والسنَّة وصايا جامعة كافية لوضع قواعد وبنود شرعية في تنظيم العلاقات بين المسلم وأخيه المسلم، لنشر مكارم الأخلاق للترقي والسمو فيما بينهما، وعقاب وإلزام الخارجين عنها إن استحقوا العقاب لجهرهم بالمعاصي، وإضرارهم بقِيَم المجتمع لسبب من الأسباب التي يبيح الشرع العقاب فيها، إما لنشر الفتن والإلحاد بين الناس، أو الدعوة للفاحشة، أو الإضرار بالآخرين بالغش والسرقة وشَهادة الزور، ونحو ذلك، أو بأي وسيلة من الوسائل الموجودة في دنيا الناس؛ فرسالة الإسلام تجمع بين الترهيب والترغيب، تارة بالنصح والإرشاد والتوجيه، وتارة أخرى بالزجر والوعيد والعقاب.
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:
1- الدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة والقول الحسن:
وهذه هي أسمى الأعمال وأوجبُها، بل هي مهمة المصطفَيْنَ من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والدعوة إلى الله تعالى وتوحيده وإخلاص العبودية له - جل في علاه -: من أجلِّ الحقوق التي ينبغي أن يقوم بها المسلم تجاه أخيه المسلم.
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].
قال السعدي: هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر؛ أي: لا أحد أحسن قولاً؛ أي: كلامًا وطريقة وحالة، ﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾ بتعليم الجاهلين، ووَعْظِ الغافلين والمُعرِضين، ومجادلة المبطِلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها، والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، ثم قال: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾؛ أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تُسخِطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم.. ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾؛ أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخَلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابِلْه بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصِلْهُ، وإن ظلمك فاعفُ عنه[3]؛ اهـ.
2 - حرمة السخرية والتنابز بالألقاب ونشر العداوة:
نهى القرآنُ عن السخرية بالآخرين والتنابز بالألقاب؛ لأنه يؤدي إلى نشر الحقد والكراهية بين أفراد المجتمع، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ [الحجرات: 11].
قال ابن كثير ما مختصره: ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيحِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكِبْر بطَرُ الحقِّ، وغَمْص الناس))، ويروى: ((وغمط الناس))، والمراد من ذلك: احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المحتقَرُ أعظمَ قدرًا عند الله، وأحب إليه من الساخر منه المحتقِر له؛ ولهذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾ [الحجرات: 11]، فنص على نهي الرِّجال، وعطف بنهي النساء.
وقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾؛ أي: لا تلمزوا الناس، والهمَّاز اللَّمَّاز من الرجال مذموم ملعون؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]؛ فالهمز بالفعل، واللمز بالقول، كما قال: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11]؛ أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة، وهي: اللَّمْزُ بالمقال؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾[الحجرات: 11]، كما قال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [النساء: 29]؛ أي: لا يقتُلْ بعضُكم بعضًا[4]؛ اهـ.
3 - التحذير من الظلم وسوء الظن بالمسلم دون بيِّنة:
نهى القرآنُ عن سوء الظن من غير قرينة؛ لأنه يؤدي إلى الظُّلم وضياع الحقوق، وما يتبع ذلك من الأقوال، والأفعال المحرَّمة، وربما إلى الاقتتال لمجرد ظنون تُهلِك الحرث والنسل، وتمحو الأمن والأمان في القلوب تجاه الآخرين؛ ولهذا قال تعالى مخاطبًا أهل الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12].
والآيات في ذلك كثيرة يضيق بها المقام هنا، ونكتفي بما ذكرنا، والله المستعان.
ومن السنَّة النبوية ما لا يحصى من الأحاديث والوصايا للتواصل والتراحم والسمو بالنفس في تعامل المسلم مع أخيه المسلم، تارة بالترغيب، وتارة أخرى بالترهيب، منها على سبيل المثال:
1- حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلامَ بينكم))[5].
2- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس تجبُ للمسلم على أخيه: ردُّ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز))[6].
3- وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ مالُه وعِرْضُه ودمُه، حسب امرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم))[7].
4- ومنها حديثُ ابن عمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجتِه، ومن فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج الله عنه بها كربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن ستَر مسلمًا ستره اللهُ يوم القيامة))[8].
• ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( سِبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحُرمة دمِه))[9].
• ومنها حديث أَنَسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه))[10].
وهذه الحقوقُ التي بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم تهدف إلى بناء مجتمع قائم على الفضيلة، وإنكار الذات، حريصٍ على نشر المحبة والتواضع والسماحة، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق؛ للسمو بالمسلم في علاقته مع أخيه المسلم بأسلوب عملي، متخذًا منه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ لأن الله تعالى جعله بفضله وكرمه ورعايته منذ مولده إلى أن مات فيه الكمال الإنساني في السمو والرقي، ومن ثم ليست سنته القولية والفعلية مجرد أقوال تقال، ونصائح مجردة، أو أعمال لا طاقة للمسلم بالقيام بها، بحجة أنه نبي ورسول، بل كل مسلم قادر على أن يتأسى به في أقواله وأعماله، إلا ما جاء الدليل على أنها من خصائصه التي لا تحل لغيره، وهي معروفة وليست في حاجة لبيان.
الأمر الثاني: وصايا القرآن والسنَّة للسمو في علاقة المسلم بغير المسلم:
يتبع المسلم في علاقته بغير المسلم تعاليم ووصايا من رب الأرض والسماء، الإله الواحد الحق الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له شريك في الملك، وفيها لكل البشرية في أرجاء المعمورة بيان شافٍ لطريق الحق والرشاد في كيفية التعامل الراقي بين الإنسان مع أخيه الإنسان دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو العقيدة.
وما على المسلم إلا أن يمضي قدمًا متبعًا لا مبتدعًا بخطوات واثقة رصينة في العمل بهذه الوصايا من نصوص الوحيين في علاقته بغير المسلم، رغم أشواك وعقبات الطريق وعوائق الدعوة لله تعالى من فئة من شرار الخلق وأولياء الشيطان من أحفاد أبي جهل، وهم في كل عصر ومصرٍ، وذلك بلا تردد أو خوف، وبتوكُّلٍ على من بيده الأسباب والمسببات - جل في علاه - ويقين بنصره تعالى وتمكينه للمسلمين في القريب العاجل، إن لم يكن اليوم فغدًا، وإن غدًا لقريب، وذلك بلا كلل أو ملل؛ لأنه طريق واضح جلي، حتى يقضي اللهُ أمرًا كان مفعولاً.
ومن أمثلة الوصايا القرآنية في التعامل الراقي مع غير المسلمين:
• قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].
قال السعدي: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصِلوهم، فإن صلتَهم في هذه الحالة لا محذورَ فيها ولا مفسدة، كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلمًا: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]؛[11] اهـ.
• قلت: وفي السنَّة الصحيحة الكثير من الوصايا النبوية في كيفية تعامل المسلم مع أهل الذمة من اليهود والنصارى.
ولقد شدَّد النبي صلى الله عليه وسلم الوعيد على من يهتك حرمة دمائهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن قتل مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها توجد من مسيرةِ أربعين عامًا)) [12].
وقد ذكرنا بعضًا من هذه الوصايا القرآنية والنبوية في المبحث الثالث من هذه الدراسة "الإسلام والمجتمع المثالي" في معرِضِ حديثنا عن حقوق أهل الكتاب في ديار الإسلامِ من منظور الشريعة، ما يغنينا عن إعادته هنا، منعًا للتَّكرار، فليرجع إليه.
ومن ثم لنا الحق أن نفخر بإسلامنا وقرآننا ونبينا المبعوث للناس كافة، ونعظم حرصه الشديد صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه ووصاياه على حقوق أهل الكتاب ومن جرى مجراهم، وسمو التعامل معهم من منظور وسطية الإسلام وحرية العقيدة، كما بينا حقيقتها وشروطها سلفًا.
وكلُّها وصايا نبويَّة لا تصدُرُ إلا من قلب اصطفاه الله ليكون للعالَمين بشيرًا ونذيرًا، ويكون لمن عمل بقوله نبراسًا ومنهاجًا؛ ليطهِّر نفسه من كل صفة ذميمة، وكل حقد وغل يصيب قلوب البشر على اختلافِ عقيدتهم ولُغاتهم وعادتهم.
المحور الثالث: بيان أن تعاليم الإسلام تسمو بالإنسان مع نفسه التي بين جنبيه:
من المعلوم أن النفس البشرية في اتزانها وعقلانيتها وإيمانها تارة، وفي هياجها وكفرها وإلحادها تارة أخرى، لا تخرج عن أمرين، والإنسان مخيَّر بينهما، ومسؤول عنها وعن اختيارِها؛ لأنها نفسه التي بين جنبيه؛ فلو ترك العِنان لها وحاد بها عن الطريق، فقد أهلكها وخسِر وخاب، وإن روَّضها وزجرها، فقد أفلح وفاز، وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7 - 10].
يتبع