الإسلام والسمو الروحي للإنسان (1)
سيد مبارك
نبي الإسلام الأسوة الحسنة للسمو والرقي:
إن اتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل بهديه يصل بالإنسان لدرجةٍ عالية من السمو والسكينة، والله تعالى لا يأمر البشرية كافة باتباع النَّبي الخاتم المبعوث للناس كافة بالرسالة الخاتمة، التي ارتضاها دِينًا لهم، إلا لأنه إليه المنتهى في السمو الإنساني، وغاية الكمال في الخُلق والأدب الراقي، الذي دلَّت عليه شمائلُه، فاصطفاه من خَلْقه، وأنعم عليه بالقُرب منه بما لَم يستطِعْ ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل أن يدنو دنوه؛ كما جاء في حديث الإسراء والمعراج؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرْتُ لمُستوًى أسمَعُ صَرِيفَ الأقلامِ))[17].
لهذه الدرجة من السمو الروحي بين العبد وربِّه وصل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وما كان ذلك إلا لصفاء سريرتِه، وحبِّ الله له، الذي جعل محبَّتَه وطاعتَه شرطًا لمحبَّة الله ومحبته لمن اهتدى بهديِه وتأسى بسنَّته؛ فقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32].
ولهذا كلِّه؛ لا عجَب أن يأمر اللهُ - جل في علاه - أن نتأسى به، فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].
• قال السعدي: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]؛ حيث حضر الهيجاءَ بنفسه الكريمة، وباشَر موقفَ الحرب، وهو الشَّريف الكامل، والبطَلُ الباسل، فكيف تشحُّون بأنفسكم عن أمر جادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فيه؟
فتأسَّوْا به في هذا الأمر وغيره.
واستدلَّ الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الأصل أن أمتَه أسوتُه في الأحكام، إلا ما دلَّ الدليل الشرعي على الاختصاص به.
فالأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة.
فالأسوة الحسنة في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن المتأسِّي به سالك الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم.
وأما الأسوة بغيره، إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة؛ كقول الكفار حين دعَتْهم الرُّسل للتأسِّي بهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22].
وهذه الأسوة الحسنة، إنما يسلُكُها ويوفَّق لها من كان يرجو اللهَ واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه - يحثُّه على التأسِّي بالرَّسول صلى الله عليه وسلم[18]؛ اهـ.
وها هي أمثلة بالأدلة الشرعية عن السمو بالنفس، الذي وصل إليه رسولُ الله، وكيف نتأسى به لتسموَ أنفسنا إلى خالقها ومَليكها - جل في علاه -:
• كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكثِر من الصلاة لله تعالى؛ لأنها الصلةُ بين العبد وربِّه، ودليلٌ على صِدْق العبودية من العبد للمعبود جل في علاه، ويُطيل فيها حتى تتورَّم قدماه، فتقول له أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لِمَ تصنعُ هذا يا رسولَ الله وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكونَ عبدًا شكورًا))[19].
يقول ابن العثيمين: مغفرة الذنوب المتقدِّمة والمتأخِّرة ثابتة بالقرآن والسنَّة، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، لا أحدَ من الناس يُغفَر له ما تقدم وما تأخر إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، أما غيره، فيحتاج إلى توبة من الذنب، وقد يغفر الله له - سبحانه وتعالى - بدون توبةٍ ما دون الشرك، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام نجزم بأنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ ولهذا قال: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ [الشرح: 2، 3][20]؛ اهـ.
قلت: والإنسان الذي يتأسى بالنبيِّ، ويصلي لله تعالى في إخلاص وصدق، سوف يستشعر عظَمةَ الله أمامه، ويعمل ما يُرضيه عنه، وينتهي عما يغضبه منه، وسوف تسمو نفسُه وتترقى عن المنكَر والفحش بسبب الصلاة؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].
• قال السعدي: "والفحشاء: كل ما استُعظِم واستُفحِش من المعاصي التي تشتهيها النفوس.
والمنكر: كل معصية تنكِرها العقول والفِطَر.
ووجهُ كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكَر: أن العبد المُقِيم لها، المتمِّم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبُه، ويتطهَّرُ فؤاده، ويزدادُ إيمانه، وتقوَى رغبته في الخير، وتقلُّ أو تعدم رغبته في الشر؛ فبالضرورة مداومتُها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكَر؛ فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها.
وثَمَّ في الصلاة مقصودٌ أعظمُ من هذا وأكبر، وهو ما اشتملت عليه من ذكر الله، بالقلب واللسان والبدن؛ فإن الله تعالى إنما خلَق الخَلْق لعبادته، وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها ما ليس في غيرها"[21]؛ اهـ.
قلت: ومن قُرب وسمو النبي من الله تعالى كثرةُ ذِكره له - جل جلاله - في كل أحيانه، كما هو معروف ومأثور عنه صلى الله عليه وسلم، كان يذكرَ الله في دخول المسجد، والخروج منه، وعند الطعام والشراب، وعند سماع الأذان، ودخول البيت، والخروج منه، وعند النوم والاستيقاظ، وغير ذلك كثير.
ومن ثَم علينا أن نتأسى به في الذِّكر والاستغفار، وكذلك في الصيام، والصَّدقات، وحُسن الجوار، وحُسن الخُلق مع الناس، وكل عبادة يراد بها وجهُ الله تعالى، والتقرب إليه؛ لتسمو أنفسنا روحيًّا وجسديًّا، وتترقى وتصعد وتنهلُ من رحمة الله وكرمه وفضله وإحسانه لأوليائه وأحبَّائه من خَلْقه، حتى يذكره - جل في علاه - كلما ذكَره، وعمِل ما يُرضيه؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152].
والحاصل مما سبق أن العبدَ إن أراد السمو روحيًّا وجسديًّا في علاقته بالخالق، فينبغي أن ننبه لأمرين؛ ليكون سموُّ النفس في علاقتها مع الله تعالى على أساس من تعاليم الشرع؛ أي: الكتاب والسنَّة النبوية، وليس الشائع بين الناس من بدعٍ وعادات وشركيات ما أنزَل الله بها من سلطان...، وها هما الأمران بشيء من التبسيط والبيان، والله المستعان.
الأمر الأول: التزام المنهج الشرعي في طريق العبد للارتقاء والسمو:
والمقصود بالمنهج الشرعيِّ الطريقُ أو السبيل الذي يبين للعباد أحكامَ وشريعة الله تعالى: دينًا ودنيا، ولا يكونُ ذلك إلا بطاعةِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم الميل عن الطريق القويم، وسبيل الرشاد، واتِّباع سنن الذين من قبلنا من المغضوب عليهم والضالين، لمن أراد الفلاح والرقي والسمو بالنفس، ويدل على ذلك آيات بينات من القرآن، منها:
♦ قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].
♦ وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].
والآيات في ذلك كثيرةٌ، ومن السنَّة النبوية الصحيحة:
• قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تركتُ فيكم أمرينِ لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتابَ الله وسنَّتي، ولن يتفرَّقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ))[22].
• وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن أُمِّر عليكم عبدٌ حبَشي؛ فإنه من يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور؛ فإن كل مُحدَثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة))[23].
فالنَّفسُ البشرية أحوجُ إلى معرفةِ طريق السموِّ الذي لا يخالطه رياء، ولا يشُوبه تصنُّع، ولا يُفتِّر حماسها وسموها خمولٌ وضعف، أو بلاء يصيب الجسد، أو هوى متبع، أو ما أشبه ذلك، بل النفس مجبولةٌ ومفطورة على الحقِّ، وهو أحقُّ أن يتَّبع؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [يونس: 35].
ومن طُرق أو سبل الوصول للسمو الروحي والجسدي على سبيل المثال فيما يخص التوحيد ما نوضحه في السطور التالية:
لا يكون سموٌّ ربانيٌّ في قلب العبد تجاه معبوده بمخالفةِ ما كان عليه النبيُّ وأصحابه والرَّعيل الأول من توحيد الله في أسمائه وصفاته، بلا تمثيل، أو تكييف، أو تعطيل، كما يفعل بعض الصوفيين في عصرنا هذا من تصوُّف لا علاقة له بالتوحيد، بل كله شِركيات، وضلال ما بعده ضلال؛ فمن منكراتهم وشركهم شَدُّ الرِّحال إلى المقبورين وسؤالهم، والذبح لهم، والتمسح بقبورهم، والاستعانة بهم من دون الله تعالى، وغير ذلك مما أحدَثوه من بِدَع في الدِّين بالصلوات المستحدَثة، والأذكار والأدعية المبتدَعة التي تكثُرُ فيها الشركيات، وهم يزعمون أنها توصلهم للنشوة والارتقاء والسمو في رحاب الله، وهو ظن فاسد؛ لأنه ليس في اتِّباع الشيطان والهوى أيُّ سمو أو رفعة للنفس، بل هو جهل وضلال، وإنهاك النفس بتنطع مذموم، وشعائر شيطانية لا دليل لها من كتاب أو سنة، ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا السبيل فقال: ((هلك المتنطِّعون)) قالها ثلاثًا[24].
• قال النووي - رحمه الله -: أي المتعمِّقون الغالُون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم؛[25] اهـ.
قلت: فكلُّ مَن يتشدد في عبادة أو يزيد عليها ما لم يشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو واهمٌ إن ظن أن نفسه سوف تتطهر وتسمو، حتى لو شعَر بذلك، فهذا الشعور لا يدوم، وبعده ندم وحسرات لو كانوا يعلمون.
• وقال ابن القيم: كان الصحابةُ أقل الأمَّة تكلفًا؛ اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: 86].
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: مَن كان منكم مستنًّا، فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمد، كانوا أفضلَ هذه الأمة؛ أبرها قلوبًا، وأعمقها عِلمًا، وأقلها تكلُّفًا، اختارهم الله تعالى لصُحبة نبيِّه، ولإقامة دِينه، فاعرِفوا لهم فضلهم، واتَّبِعوهم على أثرهم وسيرتهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم[26] اهـ.
قلت: وكفى بقوله تعالى مبينًا حالهم ومسعاهم، هم ومن على شاكلتهم: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 103 - 105].
• قال السعديُّ مبينًا تفسيرها ما نصه: "أي: قل يا محمد، للناس - على وجه التحذير والإنذار -: هل أُخبركم بأخسرِ الناس أعمالاً على الإطلاق؟ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 104]؛ أي: بطَل واضمحلَّ كلُّ ما عملوه من عمل، يحسبون أنهم محسنون في صُنعه، فكيف بأعمالهم التي يعلَمون أنها باطلة، وأنها محادَّة لله ورسله ومعاداة؟
فمن هم هؤلاء الذين خسِرت أعمالهم؛ فـ ﴿ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15]؟
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ﴾ [الكهف: 105]؛ أي: جحَدوا الآيات القرآنية، والآيات العيانية، الدَّالة على وجوب الإيمان به، وملائكته، ورُسله، وكتبه، واليوم الآخِر.
﴿ فَحَبِطَتْ ﴾ بسبب ذلك ﴿ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾؛ لأن الوزن فائدته مقابلة الحسنات بالسيئات، والنظر في الراجح منها والمرجوح، وهؤلاء لا حسنات لهم؛ لعدم شرطها، وهو الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴾ [طه: 112]، لكن تُعدُّ أعمالُهم وتحصى، ويقرَّرون بها، ويُخزَون بها على رؤوس الأشهاد، ثم يُعذَّبون عليها؛ ولهذا قال: ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾ [الكهف: 106]؛ أي: حُبُوط أعمالهم، وأنه لا يقام لهم يوم القيامة ﴿ وَزْنًا ﴾؛ لحقارتِهم وخِسَّتهم، بكفرهم بآيات الله، واتِّخاذهم آياتِه ورسلَه هُزوًا يستهزئون بها، ويسخَرون منها، مع أن الواجبَ في آيات الله ورسله، الإيمانُ التام بها، والتعظيم لها، والقيام بها أتم القيام، وهؤلاء عكسوا القضية، فانعكس أمرُهم، وتعِسوا، وانتكسوا في العذاب"[27] اهـ.
الأمر الثاني: تطهير القلب والجوارح من الآفات:
لا يخفى أن القلبَ هو أخطرُ جوارح الإنسان، كما هو معلوم للعامة والخاصة، ولا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبُه، والقرآن الكريم يخاطب القلوبَ في كثيرٍ من آياته؛ كقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46].
والسنَّة بيَّنت خطورة هذه الجارحة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعِرضه ودِينه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشِكُ أن يواقعَه، ألا وإن لكل ملِكٍ حِمًى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمُه، ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلَح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب))[28].
قلت: ومن الأهمية التنبيه هنا إلى أن القلب لو زاغ وتكبَّر وطغى عن أمر الله، لن يستقيم على الطريق، وسوف يضل السبيل، ويطبَعُ الله عليه، فلا يهتدي لطريق السمو والارتقاء بالنفس إلا إذا تاب وأناب إلى الله تعالى، وهو القائل: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 155].
وقال ابن القيم ما مختصره:
"كمالُ صلاح النفس غِناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغُها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب، وصلاح النفس متقدِّم على إصلاحها، هكذا قيل، وفيه ما فيه؛ لأن صلاحَ كل واحد منهما مقارِن لصلاح الآخر، ولكن لما كان القلبُ هو الملِكَ، وكان صلاحُه صلاحَ جميع رعيَّته - كان أَوْلى بالتقديم"[29] اهـ.
ولا يغيب عن فطنة القارئ الكريم أن الإنسان تختلف طبيعةُ نفسه باختلاف الظروف والأحوال؛ فقد يجد نفسه في بعض الأحوال مقبلاً على الله، يخشع في صلاته، يبكي في دعائه وقنوته، يُكثِر من قراءة القرآن وتدبُّره، يحافظ على أذكار الصباح والمساء، يحبُّ كل خير.
وفي أحوال أخرى يجد نفسه ساهيًا لاهيًا، لا يخشع في صلاته، وربما يتكاسل عن أدائها في أوقاتها، وربما يصليها منفردًا تاركًا فضل الجماعة دون عذر، هاجرًا لكتاب الله لا يقرأ فيه إلا بين الفينة والفينة، قليل الدعاء والذِّكر، وغير ذلك.
ومن ثَمَّ ينبغي تطهيرُ القلب من آفاته؛ من حقد، وحسد، وحرص على دنيا، وما أشبه ذلك؛ فهي تُعيق سموَّ النفس، وتطبع على القلب غشاوةً لا تزولُ إلا بتطهيره من آفاته المهلكة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بالإخلاص والصبر على المكارهِ واليقين بالله تعالى، سوف نرى العجب العُجاب، وسنعرف أنفسنا جيدًا، وندرك سُبل تحقيق غايتنا وأمانينا، ونصل بأنفسنا إلى أعلى درجات غنى النفس، والسمو بها، التي بها تحيا القلوب وتستقيم على أمر الله تعالى.
• هذا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنَى غِنَى النفس))[30].
وهذا حقٌّ لا مِرية فيه، فمتى استغنت النفسُ، استغنى القلب عن اللجوء لغير الله تعالى، واستقام على الطَّريق القويم.
ونكتفي هنا بما ذكرناه عن المحور الأول، وللحديث بقية إن شاء الله، لبيان المحور الثاني والثالث، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبيِّ الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
[1] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 466).
[2] جاء في اللسان لابن منظور مادة: روح (2/455): والجمع: أرواح، والرُّوح: النَّفْس، يذكَّر ويؤنَّث .. قال أبو بكر بن الأنباري: الروح والنَّفس واحد، غير أن الروح مذكَّر، والنفس مؤنثة عند العرب، وفي التنزيل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]، وتأويل الروح أنه ما به حياة النَّفس؛ اهـ.
[3] أخرجه البخاري برقم/ 1296 - باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم برقم / 4803 - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.
[4] تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (8/411).
[5] انظر صحيح أبي داود للألباني برقم/ 466 - باب من نام عن الصلاة أو نسيها.
[6] انظر صحيح أبي داود للألباني (461 - 463)، وهو في الإرواء برقم/236.
[7] أحرجه البخاري برقم/5845 - باب التعوذ والقراءة عند المنام، ومسلم برقم/4889 - باب ما يقول عند النوم.
[8] أخرجه مسلم برقم/1523 - باب في إغماض الميت والدعاء له.
[9] انظر مجموع الفتاوى (9/289) - فصل الرُّوح المدبرة.
[10] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 924).
[11] تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (6 /249).
[12] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 308).
[13] انظر مجموع الفتاوى؛ لابن تيمية (8/205) - باب أنعم الله على بني آدم بأمرين.
[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1 /214).
[15] انظر طريق الهجرتين؛ لابن القيم (1/319).
[16] أخرجه البخاري برقم/6021 - باب التواضع.
[17] جزء من حديث أخرجه البخاري برقم/3094 - باب ذِكْر إدريس عليه السلام.
[18] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1 /660).
[19] أخرجه البخاري برقم/4460 - باب: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك.
[20] انظر تفسير القرآن؛ لابن العثيمين - تفسير سورة الشرح (32/4).
[21] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/632).
[22] انظر حديث رقم/2937 في صحيح الجامع للألباني.
[23] انظر حديث رقم/ 2549 في صحيح الجامع للألباني، وهو في الصحيحة برقم/2735.
[24] أخرجه مسلم برقم/4823 - باب هلك المتنطعون.
[25] انظر: المنهاج في شرح صحيح مسلم؛ للنووي - (9/26).
[26] انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان؛ لابن القيم (1/159).
[27] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - الناشر: مؤسسة الرسالة (1/478).
[28] أخرجه مسلم برقم/3996 - باب أخذ الحلال وترك الشبهات، والبخاري برقم/50 - باب فضل من استبرأ لدِينه.
[29] انظر طريق الهجرتين وباب السعادتين؛ لابن القيم (1/34).
[30] أخرجه البخاري برقم/5965 - باب الغنى غنى النفس، ومسلم برقم/1741 - باب ليس الغنى عن كثرة العرض.