عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-10-2020, 02:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,886
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الانتماء وحب الأوطان

وحتى عندما استوطن المدينة المنورة صلى الله عليه وسلم وصارت له وطناً وكانت فيها من كروب الأمراض ولوعة الفراق للوطن ما عبَّرَ به الأصحاب الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولأنها صارت للمؤمنين موطناً فقد فازت المدينة بدعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فكانت أرض هدايةٍ وبركة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهما قالت: (( لمَّا قدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينَةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ، فكانَ أبو بكرٍ إذا أَخَذَتْهُ الحمَّى يقولُ:
كلُّ امرئٍ مُصْبِحٌ في أهْلِهِ ♦♦♦ والموتُ أَدْنى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ

وكانَ بلالٌ إذا أقْلَعَ عنهُ الحمَّى يرْفَعُ عَقِيَرتَهُ يقولُ:
ألا ليتَ شِعْرِي هلْ أَبِيتَنَّ ليلةً
بوادٍ وحولِي إذْخِرٌ وجَلِيلُ

. وهلْ أَرِدَنَّ يومًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ
وهلْ يَبْدُوَنَّ لي شَامَةٌ وطَفِيلُ


وقالَ: اللهمَّ العَنْ شَيبَةَ بنَ رَبيعَةَ، وعُتْبَةَ بنَ ربِيعَةَ، وأميَّةَ بنَ خَلَفٍ، كمَا أخْرَجُونَا من أرْضِنَا إلى أرضِ الوَبَاءِ . ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: اللهمَّ حَبِبْ إلينَا المدينةَ كحُبِّنَا مكةَ أو أَشَدَّ، اللهمَّ بارِكْ لنَا في صَاعِنَا وفي مُدِّنَا، وصَحِّحْهَا لنَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا إلى الجُحْفَةِ . قالتْ: وقَدِمْنَا المدينةَ وهيَ أَوْبَأُ أرضِ اللهِ، قالتْ: فكانَ بُطْحَانُ يجرِي نَجْلًا، تعنِي ماءً آجِنًا )) (صحيح البخاري 1889)، وطلب من ربه سبحانه أن يحببها إلى القلوب فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ فجعلَها حرامًا، وإني حرّمتُ المدينةَ ما بين مأْزَمَيْها؛ أن لا يُراق فيها دمٌ، ولا يُحمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُخبَطُ فيها شجرةٌ إلا لعلفٍ . اللهم بارِك لنا في مدينتِنا . اللهم بارِكْ لنا في صاعِنا . اللهم بارِكْ لنا في مُدِّنا . اللهم اجعلْ مع البركة بركتَينِ، والذي نفسي بيده ما من المدينةِ شعبٌ ولا نَقْبٌ إلا عليه ملَكانِ يحرسانِها؛ حتى تقدُموا إليها )) (الألباني في صحيح الجامع 1271 بسندٍ صحيحٍ عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله تعالى عنه).

ومن معالم حب الأوطان الغامرة أن المشاعر المباركة تتفاعل بين قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبين جبلٍ يحوي حجارةً صماء من موطنه المبارك في المدينة الطاهرة فكيف ماتت قلوبُ كثيرٍ من البشر عن هذه الدرر من المعاني ؟! قال أبو حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: (( أقبلْنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من غزوةِ تبوكٍ حتى إذا أشرفْنا على المدينةِ قال: هذه طابةُ وهذا أُحدٌ جبلٌ يُحبنا ونحبُّه )) (صحيح البخاري 4422).

ولا غرو؛ أن يكون ترابُ الوطنِ دواءً للسقيم وعلاجاً للمريضِ والمحسودِ كان تراب الأوطان كالعلاج والدواء، فقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يبلُّ أصبعه بريقه ثم يضعُهُ في التراب كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (( أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ للمريضِ: بسمِ اللهِ، تُربَةُ أرضِنا، بِريقَةِ بعضِنا، يَشفَى سَقيمُنا، بإذنِ ربِّنا )) (صحيح البخاري 5745 عن عائشة رضي الله عنها).

بلاءُ الغُرْبَةِ عن الوَطَنِ:
والغريب عن وطنهِ يشقى بالبُعْدِ عنه ويعيش في الغربة بجسمه ومع الناس بنشاطه غير أنه دائم السفر بفكره وقلبه إلى مراتع الصِّبا ونعيمِ القُرْبِ من الأهل والأحباب وروائع الذكريات على حدِّ قولِ من قال:
جِسْمي مَعَي غيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدكُمُ ♦♦♦ فَالجِسْمُ فِي غُرْبةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ


والغربةُ عن الوطن فاقرةُ الظهر ومُخَوِّفةٌ على الدوام وإن كان المغترب آمناً، في قلبه نداءٌ من وطنه يصبِّحُهُ ويُمسيه بأن سيعودُ إليه وبأنَّهُ لا يعيشُ على أرض وطنه ومن ثمَّ تتنازعهُ في كل يومٍ مشاعرٌ متضاربة وأوهامٌ تُذْهِبَ عنه طعمَ السعادة كما قال القائل:
إن الغريبَ له مخافةُ سارقٍ
وخضوعُ مديونٍ وذِلَّةُ موثَقِ

فإذا تذكَّرَ أَهْلَهُ وبِلادَهُ
ففؤادُهُ كجَناحِ طَيْرٍ خَافِقٍ


ومع الغربة يشتد الحنين إلى الوطن ويثيرُ التَّحزَّنَ في القلوب فينكسرُ قلبُ الغريب عن وطنه مع كلِّ طارقٍ يطرقه وربما يدركه اليأس من الأوْبَةِ إلى نعيم الأوطان فيقولُ مع القائل:
إذا شابَ الغرابُ أتيتُ أهلي ♦♦♦ وصارَ القارُ كاللّبَنِ الحليبِ
[ قيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال الكفايةُ مع لزومِ الأَوْطانِ، ومرَّ إياس بن معاوية بمكانٍ فقال: أسمعُ صوت كلبٍ غريبٍ، فقيل له: بم عرفت ذلك؟ فقال: بخضوع صوته وشدة نباح غيره ] ( الإبشيهي / المستطرف في كل فن مستظرف 464 ط1 2014م دار ابن الجوزي / القاهرة).

لهذا كله كان الانتماء إلى الوطن تكليفٌ يأتي بعد التشريف بالانتساب إليه وحفظ الذكريات الطيبة المحفورة في الذاكرة أيام المهد والحنين لها والانشراح بتذكارها، مع حفظ حقوق الوطن الصغير كالقرية أو الحي أو الرَّبْعِ وحفظ حقوق الوطن الكبير الذي ترفرف أعلامه فوق الرؤوس على الدوام، وحفظ حقوق الانتماء لأمة العرب والإسلام.
ومهما انتمى الإنسان لعائلةٍ أو مجموعةٍ ينتظم في سلكها فلا يجوز أن يُسْقِطَ بقية الانتماءات الهامَّةِ في حياته، فالعائلة انتماء والمهنة انتماء ولا يطغى مرغوبٌ على مرغوبٍ، والانتماء الأصغر يجعل الهدف صغيراً والانتماء للكبير يُجَلِّلُ الأهداف والأعمال بالفخار الحقيقي، ومن الحماقةِ أن ينتميَ الإنسان انتماءً جُزئياً يُفسدُ عليه انتماءه لوطنه أو أمته.

المسئوليةُ نحْوَ الأوْطان:
والمسئوليةُ قائمةٌ بقاء الروح في البدن نحو الأوطان على الدوام حتى آخر الأعمار، وكلٌّ على قدره وطاقته فمن كان في المقدمة فمسئوليته جسيمة وثقيلة ومن كان في الساقة فهو على قدر مسئوليته مهما جَلَّتْ، والناسُ في تحمِّلِ هذه المسئولية متفاوتون، ولا شك أن مسئولية الأميرِ ليست مثل مسئولية حمَّال الحطب ولا مسئولية العالم مثل مسئولية الجاهل والخامل والغافل. والخَلْقُ حيال بيانات حبِّ الأوطان نوعان؛ منهم النابهون الصادقون الذين يقدِّمون كل يومٍ جديداً ويُجَمِّلُونَ الحياة في عيون الناس بالقول والعمل ويرتادون آفاق المجد بالعطاء الدائم والسعي الدؤوب في المصلحة العامة والعمل الخيري لإشباع الجائع وكسوة العاري وإغاثة الملهوف وصنائع المعروف أو بالإصلاح بين الناس وبناء المدارس والمشافي، إضافةً إلى قيامهم بأعمالهم على خير وجهٍ فهذه أجلى وأصدق صورةٍ للتعبير عن حب الوطن وهؤلاء هم أوتاد الخير على هذه الأرض ويقطرون وُدّاً بذكراهم وثناء الناس الدائم عليهم.

والنوع الثاني والزائف في ادعاء حب الأوطان هم المُشَغِّبُون والثرثارون الذين يتفنَّنون في الكلام ولا يقدمون شيئاً، ويبقي أحدهم راحة عمره كلِّهِ لا يستريحُ إلى أحدٍ ولا يستريح إليه أحدٌ ولا يعجبه بروز أي أحد يلعنُ ويفضحُ ويذيعُ ويشيعُ وهو يدعي حبَّ الأوطان وأن عمله كله فداءً لوطنه واختصر جهاده الوطني في مجرد الكلام.

ومن الناس من يحب وطنه حُبًّا سلبياً قد اختصره أيضاً في تذكر الوطنية في أعيادها بسماع الأناشيد والأغاني التي تملأ بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، وكفى بها جهداً في بيان حب الوطن.

إن أهل الغرب ليس لديهم من أغنيات حب الأوطان إلا النشيد الوطني ومع هذا فإنهم يسمعونه بعيونٍ دامعةٍ أما أهل العروبة فيسمعون طربهم الوطني بنشوةٍ تكشف عن مجرد التفاعل اللحني مع الأسماع!.
وكمْ من مدعٍ وصلاً بليلى ♦♦♦ وليلى لا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا


وهناك الذين يسرقون أحلام التقدم في أوطانهم بالكسل وعدم العمل أو بقبول الرشوة أو الترشح للوظائف الهامَّة والأمانات العظمى ليُتْخِمَ جيوبه ويُعَمِّمَ نُفوذَهُ فهؤلاء مثل الحيَّةِ التي لا تحفر حجرها أبداً لكنها تسرقه من غيرها!.
هناك أوطانٌ تعاني وتحتاج إلى من يحمل همَّها وينصرها في معارك إتقان العمل وعودة الضمير وتنظيم السلوك والعودة بالمواطن إلى الأخلاق الكريمة والسلوك القويم وحفظ الممتلكات العامة وتنمية هذه الثقافة في نفوس النشئ والعامة.
لا بد وأن تكون الكلمة ممن يفهمها ويرجو نفعها لوطنه لا من يتاجر بها ويستغل بها الخلق، ويجب أن نزيح ستائر النسيان على كل متطفل مدَّعٍ في حب الأوطان.

وشعورنا في حب الوطن يمتدُّ ليشملَ كلَّ أوطان الإسلام فالمسلمون جميعاً إخوةٌ، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (( المسلمُ أخو المسلمِ، لا يخونُه، و لا يكذِّبُه، و لا يخذُلْه ... )) (الألباني في صحيح الجامع 6706 وقال: حديثٌ صحيحٌ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، فمطلق الإيمان والإسلام يجمع أشتات المسلمين في العالم كأنهم أبناءُ وطنٍ واحد:
يؤلفُ ايلامُ الحَوادِثِ بينَنَا ♦♦♦ وَيَجْمَعُنَا في اللهِ دينٌ ومذهبُ


والجنَّةُ الطيبةُ هي دار المتقين والوطن الحقيقي للمؤمنين بعد جهدٍ حثيثٍ من أشواط المسير في مراحلَ مضنيةٍ وصولاً إلى رضوان الله رب العالمين
فحيَّ على جَناتِ عدنٍ فإنها
منازلكَ الأولى وفيها المخيمُ

وحيَّ على روضاتها وخيامها
وحي على عيش بها ليس يُسأمُ

ولكننا سبْيُ العدوِّ فهل ترى
نعودُ إلى أوطاننا ونسلمُ


وأخيراً:
فإن أوطاننا بميزان الإيمان مثل نور العيون أو هي نبضات الأفئدة وحياة الأرواح، ونحن نخطئ حينما نَزِنُ حبَّ الأوطان على مبدأ الوطنية فقط لأن ديننا العظيم يشملُ أعمق معاني الوطنية.
وعلى مرتزقة البلبلة في معنى الوطنية المبثوثين في جنبات أمتنا والذين يحاولون السيطرة على عقول الناس بالهراء والخواء والإدعاء تحت واجهاتٍ دخيلة على العروبة والإسلام أن يكفُّوا عن هذا الإرتزاق المُهْدِرِ لكرامة الأوطان ومقدراتها.
وعلى الذين يتوهمون أنهم ورثوا الإسلام وحجبوا غيرهم وأنهم أوصياءُ على أوطانهم بما فيها أنْ يتقوا الله ويحاولوا جادِّين لوجه الله رب العالمين أن يُصْلِحُوا فسادَ عقولهم وأن يعالجوا أخطاء تربيتهم .. فإنما الأوطان لأهلها أجمعين، والانتماء بعد الإسلام للأوطان مباشرة في عقول الراشدين.
ونحن أمةٌ يجمعها كتابُ ربها وسنةُ هاديها ونبيها الكريم صلى الله عليه وسلم من شتات الفِكْرِ وأَثَرَةِ الأمرِ وضلالِ الجَادَّةِ ونَزَغَاتِ الهَوى الفاتِكَةِ بجمال الحياة.
أوطاننا وديعةُ الله رب الأرض والسماء وخالقِ الكون في أيدينا أماناتٌ فيها أشدُّ الحِسَابِ وأقسى العِقَابِ لمنْ يَخُونُ أمانة الأوطان بين مستغربٍ خئونٍ أو فاقدٍ لعقله وفكره ومشاعره توهماً باسم هذا الدين ليمنحهُ لغيره من البشر باسم الإسلام.
وإن لم نسابق الزمن ونجود بالفكر والنشاط وتقديم أهل الكفاءة في المناصب العامَّة لخدمة أوطانها فلن تقوم لنا في العالمين قائمةٌ تذكر.
إن أوطاننا تعاني وتُصُابِرُ وقد أرهقها وضناها ما لاقت من عنتِ أبنائها، ولو خلق الله لساناً ينطق لصاحتْ بأعلى صوتها: أنقذوني من سُرَّاقِ المَجْدِ ومن مُدَّعِي الوطنية ومن المتسلقين والجشعين ومصاصي دماء الشعوب.
إن أمتنا أغنى الأمم وأوطاننا ثريةٌ في رزقها ورغدها ولكن شعوبها تعاني بلاءً مستطيراً وهمّاً لا تحدوه الإشارة ولا تنطق به العبارة.
فليحمل كل ذي همٍّ همَّهُ ومسئوليته وليفرغ إليها قبل أن يلاقىَ ربه ويسأله عن جميع أماناته.
نسأل الله تعالى أن يحفظ للأمة أوطانها وأن يفئَ عليها من الخيرات والبركات والمَسَرَّاتِ ما يغيرُ أحوالَ ماضيها.
والحمد لله في بدءٍ وفي ختمٍ.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.05 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.19%)]