اللغة العربية وتحديات الازدواجية اللغوية ( الواقع والحلول )
د. بن يحيى الطاهر ناعوس
(الواقع والحلول)
واقع اللغة العربية وتحديات الازدواجية (إفريقيا):
وإذا عدنا - بعد ما ذكرناه من أسباب وعوامل انحدار اللغة العربية في عقر دارها، إلى الحديث عن حال اللغةِ العربية في إفريقيا - فإننا نجدها رغم ما تعرَّضت له من تحديات ما زالت هي والثقافة الإسلامية، تتمتعانِ بحضور قوي في بلدان شرق إفريقيا، وخاصة في الصومال وجيبوتي وجزر القمر وإريتريا وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا، وفي دول غرب إفريقيا، وخاصة في السنغال ومالي والنيجر وجامبيا وغينيا ونيجيريا، أما في وسط إفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون لا نكاد نجدُ لِلُغة القرآن الكريم أثرًا كبيرًا في بقية بلدان وسط إفريقيا، أما في دول جنوبي إفريقيا فيصل حضورُ اللغة العربية لأقلِّ معدَّلاته في دول القارة الإفريقية تقريبًا[19]، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثِّل دِين الأقلية في هذه البلدان، ونحن نعلم أن خريطةَ الإسلام تطابق في الغالب خريطةَ الثقافة الإسلامية واللغة العربية.
وهناك بعضُ التقديرات لأعداد المسلمين في قارة إفريقيا تتوافَقُ مع هذا الرأي وتعضده؛ حيث تشير إلى أن المسلمين يتركَّزون في شمال القارة؛ حيث تبلغ نسبتهم حوالي 82.3% من عدد السكان، أما في غرب القارة فتبلغ النسبة 62.7%، وفي شرقها تصل النسبة لحوالي 52.7%، وتنخفض نسبة المسلمين في كل من وسط إفريقيا؛ حيث تبلغ 15.4%، وجنوبي إفريقيا؛ حيث تبلغ 10.2%[20].
لذلك سنبيِّن فيما يلي أهمَّ الأدوار التي تقوم بها اللغةُ العربية في إفريقية، مع التركيز على دورِها الديني وواقعها وحضورها في التعليم والإعلام، مع الإشارة إلى وَضْعها كلغاتٍ رسمية أو وطنية، وبيان أهم لهجاتها وتنوعاتها في السياق الإفريقي جنوب الصحراء.
واستنباطًا من الواقع، فإن الدورَ الدِّيني للغة العربية يُعَد من أهمِّ الأدوار التي تقوم بها اللغة العربية على الإطلاق في دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تعتبر العربية اللغةَ الدينية للمسلمين هناك؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الشعائر الدينية، وبها تقام الصلاة، وتلقى خُطَب الجمعة والعيدين، وفي بعض الأحيان تلقى بها دروس العلم في المساجد؛ ولذا فإنها تتمتع بمكانةٍ كبيرة في نفوسهم، وهم ينظرون إليها نظرةَ احترام وتقديس، وهي في نظرِ كثير منهم لغةُ الفكر والحضارة والتاريخ، ولغة الرسالة التي يحمِلونها في الحياة، وهي لغة علمائهم وفقهائهم وأئمتهم، وهي بالنسبة إليهم ليست لغةَ قبيلة معينة، أو شعب معين، ولكنها لغة الأمَّة والإسلام، مهما اختلفت لغاتُهم وألوانهم، وأوطانهم وأزمانهم[21].
ولذا نجد أن الكثيرين منهم يحرِصون على تعلُّم العربية؛ وذلك لأن معرفة اللغة العربية لا تزال ملازمةً لحفظ القرآن الكريم وفهمه، وضرورة لفهمِ واستيعاب تعاليم الإسلام من مصادره الأساسية، وأيُّ مسلمٍ - بصرف النظرِ عن لغته الأمِّ - لا بدَّ له من الإلمام ببعض العبارات العربية، مثل الشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، أو عبارة التحية: "السلام عليكم"، أو البسملة، أو غيرها، كما يجبُ عليه حِفظُ الفاتحة، وبعض الآيات القرآنية باللغة العربية، حتى يستطيعَ أن يؤدي صلاته، ومَن أراد أن يزداد تفقهًا في شؤون دِينه، فعليه أن يزدادَ عِلمًا باللغة العربية؛ ليطَّلع على المؤلَّفات الدِّينية المختلفة من كتب الفقه والشروح والتفاسير وكتب الحديث... إلخ.
وقد أدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الإسلام واللغة العربية إلى أنه جعَل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضمُّ جماعاتٍ مسلمة؛ ولذا يمكن القول: إن درجةَ حضور اللغة العربية في مكان ما غالبًا ما ترتبط بعدد المسلمين؛ لأنه يضمن - إلى حد كبير - إلمامَهم بطرَف ولو يسير منها، وكلما زاد عدد المسلمين كانت فرصة إقامة حلقات العلم والمدارس الإسلامية أكبر، الأمر الذي يستتبع إيجادَ تعليم إسلامي، ومن ثم انتشار للغة للعربية.
ومن هذا المخطط نرى أنه كما ساهم الإسلامُ في نشر اللغة العربية في إفريقيا، ساهم عددُ المسلمين الكبيرُ في الحفاظ على استقرار وثَبَات اللغة العربية هناك، بصرف النظر عن مستوى إتقانِهم لها؛ فعدد المسلمين الكبير لا يزال من أهم عوامل استقرار وثَبَات اللغة العربية في البلدان الإفريقية خارج نطاق العربية.
وأما فيما يخص وَضْع اللغة العربية في مؤسَّسات التعليم بإفريقيا، فقد وجدنا لها حضورًا في التعليم الحكومي في دول شرق إفريقيا، ولكنه لا يسيرُ على نمط واحد؛ حيث يختلف شكلُ هذا الحضور من دولة لأخرى؛ ففي إثيوبيا لم يكن للعربية حضورٌ في التعليم الحكومي حتى صدور دستور 1994 الذي بُنِيَت على أساسه السياسة التعليمية للدولة، والتي منحت كلَّ إقليم في الاتحاد الفيدرالي الحقَّ في تحديد لغات التعليم الخاصة به في مرحلة التعليم الأوَّلي، فاختار إقليم بني شنقول - جوموز اللغةَ العربية كلُغةِ تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي، أما على مستوى التعليم الجامعي فقد تم تأسيسُ شُعبة للغة العربية في جامعة أديس أبابا منذ عدة سنوات، ولكن هذه الشُّعبة لم تبدأ عمَلَها بشكل كامل حتى الآن.
وفي إريتريا نجد أن اللغةَ العربية يتم تدريسُها كمادة دراسية في المرحلة الأوَّلية، وفي المرحلة الثانوية، وطبقًا للسياسة التعليمية للحكومة الإرترية، فإن لكل قوميةٍ الحقَّ في استخدام لغتِها كلُغةِ تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي، بينما تُستَخدَم الإنجليزية كلغةِ تعليم في مراحل التعليم التالية، في حين تدرس اللغات الأخرى كمواد دراسية.
وهؤلا الطلاب الذين درسوا بالتيجرينية في المرحلة الأوَّلية سيدرُسون العربية كمادة دراسية، وفي مقابل ذلك فإن الطلابَ الذين درسوا بالعربية في المرحلة الأولية سيدرسون التيجرينية كمادة دراسية[22].
وإذا انتقلنا إلى جيبوتي، فإن اللغةَ العربية تُدرس في المدارس الحكومية مع الإنجليزية ابتداءً من الصف السابع، هذا بالإضافة إلى إنشاء قسم عربي في جامعة بول Paul التي تأسست عام 2002[23]، وقد ذكَر مستشار وزارة العدل الجيبوتية القاضي عبدالرحمن بشير في حديث له مع قناة الجزيرة أن الرئيسَ الجيبوتي قد أصدَر قراره لوزارة التعليم بأن تقرِّر مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية ضِمن المنهج التعليمي ابتداءً من المرحلة الابتدائية، كما أدمجت المدارس التي تدرس باللغة العربية كاملة ضمن نطاق المؤسَّسة التعليمية الرسمية.
أما في أوغندا فيتم تدريسُ اللغة العربية في جامعة ماكيريري الحكومية، وقد بدأ تدريسُ العربية في هذه الجامعة في سبعينيات القرن الماضي، ولكنها لم تكُنْ تدرس كمادة منهجية للطلاب، إنما كان يدرسها الراغِبون كمادةٍ إضافية، ولكن تدريسها توقَّف عام 1979 مع تغيُّر النظام السياسي بسقوط حكومة عيدي أمين.
وفي عام 2003 - 2004م تمت الموافقةُ على عودة تدريس العربية بالجامعة رسميًّا؛ وذلك بعد توفُّر جهة تموِّل برنامج تعليم العربية في الجامعة، وهي جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تدريسُ العربية بقسمِ اللغة العربية في كلية الآداب، وقد توسَّع القسم فيما بعدُ ليشملَ كلية التربية أيضًا.
وفي عام 2006 افتتح القسم مرحلةَ الدبلوم العالي في التربية باللغة العربية، كذلك افتُتِح نادٍ ثقافي عربي في الجامعة، يجمع كلَّ الطلاب الدارسين بالقسم، وتُلقَى فيه المحاضرات والدروس بالعربية، وتُناقَش فيه مسائل ثقافية واجتماعية تخص الطلبة المسلمين بالجامعة خاصة، والمجتمع الأوغندي بصورة عامَّة، وقد وصَل عدد الطلبة الذين يدرسون اللغة العربية في عام 2006 إلى 71 طالبًا وطالبة من منتسبي كليتي التربية والآداب بالجامعة[24].
وفي الصومال ورغم اعتماد العربية لغةً رسمية إلى جانب الصومالية، فإن اللغةَ الصومالية هي المسيطرةُ على التعليم الحكومي بشكل كبير، ويتم التدريس بالعربية فقط في المدارس الأهلية[25].
وفي زنجبار بتنزانيا يتم تدريسُ اللغة العربية كمادة دراسية في التعليم الحكومي؛ وذلك في المرحلة الابتدائية، بداية من الصف الرابع، وفي المرحلة المتوسطة، والمرحلة الثانوية[26].
يتبع