
21-10-2020, 01:54 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,170
الدولة :
|
|
رد: اللغة العربية وتحديات الازدواجية اللغوية ( الواقع والحلول )
وهذا المخطط يوضح ما حدث:

فكيف نريد من الأجنبي أن يحترم لغتنا ونحن نحتقرها هذا الاحتقار؟ بل كيف نتصور نظرته إلى العرب واحترامهم كقوم يدَّعون أنهم يكوِّنون وحدة ثقافية متجانسة، وهو مضطر إلى إتقان أكثرَ من عشرين لهجة عربية، كي يفهم العرب أو يتفاهم معهم؟!
2. هيمنة اللغات الأجنبية على المؤسَّسات العِلمية الرسمية، والجامعات العربية.
نحن نعلمُ بأن الاستدمار (الاستعمار) الأوروبي الغاشم كان له اليد الطولى في تردِّي أحوال اللغة العربية في موطنها، ولكننا لا نريد التركيز عليها، رغم خطورتها؛ لهذا سنذكُرُ أن هذا الوضع الشاذَّ الذي توجد عليه اللغةُ العربية في جامعات الدول المنتسبة إليها، والذي له انعكاسات خطيرة على استعمالِها في مجالات الحياة كما قلنا - يعود ولا شك في تاريخه إلى الحملةِ الاستعمارية الصليبية التي شنَّها الغربُ على البلدان العربية، بدءًا بغزو فرنسا للجزائر سنة 1830، ثم أقطار المغرب العربي بعد ذلك، ثم غزو الإنجليز لمصر والبلدان الشرقية الأخرى تبعًا لذلك، وكذا الاستعمار الإسباني والإيطالي في كلٍّ من المغرب وليبيا...، و"الذي يُهمنا ذِكره في هذا الخصوص هو أن لغة التدريس لكل العلوم العصرية - بما فيها الطب والهندسة - في ذلك الوقت كانت هي اللغة العربية وحدها...، ولكن بعد أن أمسك المحتلُّ قبضتَه على أرض الكنانة والأزهر الشريف، أصدَر قراره بجعل لغة تدريس الطب وجميع الفروع العلمية في الجامعات المصرية باللغة الإنجليزية (بما فيها جامعة الأزهر الشريف)، وما يزال الوَضْع منذ ذلك التاريخ محنَّطًا على ما كان عليه حتى هذه اللحظة، بل ازداد تدهورًا وخطورةً بتوسيعِه إلى بعض المواد الاجتماعية والإنسانية الأخرى التي كانت تدرس باللغة العربية في عهد الاحتلال؛ لتعجم اليوم تحت شعار الانفتاح والتخلُّص من عقدة الاحتلال في (الاستقلال)"[12].
وهذا الانسياق وراء الأجنبي، والانبهار به انبهارًا أدَّى إلى أن ننسلِخَ من عروبتنا في شتى مظاهر الحياة - ناتجٌ، لامحالة، عن "سياسة الانفتاح المنفلت التي أنتجتها الدولُ العربية بدرجات متفاوتة؛ حيث أدت إلى ما نشهده من هجوم واسع النطاق للسلع الأجنبية، متوازيًا مع هجوم للثقافة الأجنبية...، حتى أصبَح الذين يجيدون اللغات الأجنبية هم المتميزين اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وصارت المدارس الأجنبية تحظَى بإقبالٍ غير عادي، بل وجَدْنا بعض الجامعات الوطنية تفتح فروعَها للتدريس باللغات الأجنبية، الأمر الذي لا يخلو من مفارقة...، فبعد أن حقَّق العملُ الوطني إنجازه بتعريب التعليم الجامعي، خصوصًا في كليات الدراسات الإنسانية، وبينما الأصوات تتعالى لمواصلةِ الشوط بتعريب مناهج الكليات العِلمية من طب وصيدلة وهندسة وما إلى ذلك - إذا بنا نجد الكليات التي تم تعريبُها تعود للتدريس باللغات الأجنبية، على الأقل هذا ما حدث في جامعة القاهرة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية)"[13]، وما وقع لمصر قديمًا وحاضرًا وقَع في كلية طب بيروت التي كانت تدرس بالعربية، وقد أصبحت منذ الاحتلال - وما تزال إلى الآن - تدرس باللغة الإنجليزية.
وإذا انتقلنا إلى بلاد المغرب العربي فإن الأمر أكثر استفحالاً في هذا المجال، وكان من نتائج ذلك أنْ عمِل الاستدمار (الاستعمار) على تشويهِ صورة استعمال اللغة القومية في مختلف المجالات، وعلى الخصوص في مجال الإعلام والصحافة بصفتها الواجهةَ المرئية التي تعكس أوضاعَ الأمَّة للناظر إليها من الخارج، وخاصة في عهد الفضائيات التي تطوي المسافاتِ، وتعبُرُ القارات في لحظات.
وليس الأمر وليد الحاضر فقط، بل إننا وجدنا في الجزائر - مثلاً - إبان الاستدمار الفرنسي، محاربة شرِسة للغة العربية، وقد سجَّلت جمعية العلماء الجزائريين على لسان رئيسها الشيخ عبدالحميد بن باديس في إحدى خطبه حيث قال: "فقد كنت أود أن اجتماعَنا قد كان لإطلاعكم على ما تم من أعمال العاملين في خدمة الدِّين ولغة الدِّين...، وددتُ لو كان اجتماعنا كذلك، ولكن أنَّى يكون كذلك؟ وقد استحوذت الأنانية على نفوسٍ فأنسَتْنا حق غيرها، واستولى عليها الغرور فحقَّر في نظرها كل ما سواها، فصُمَّت آذان عن سماع كلمة الحق، وقد اخترق الآفاق دويُّها...، وعمِيت أبصار عن رؤية شمس الحقيقة، وقد غمرت الكون أضواؤها...، وكان أعظم البلاء على من كان من الأمم في مثل حالنا، نشقى ليسعَدَ غيرنا، ونموت ليحيا سوانا، وإذا حيِينا فبدون حقوقِ الحياة، وإذا مِتْنا فبدون ثمرات الموت، ثم لا ينتهي بلاؤُنا عند هذا حتى يتناول أعزَّ عزيز علينا، هو دِيننا، ولغة ديننا، هو القرآن ولغة القرآن.
أيها الإخوان، ها هو هذا العزيز المفدَّى قد كُشِف في محاربته القناع، وأحيط به من كل جانب، وأديرت فيه الآراء، ودُبِّرت له المكائد، ثم رُمِي عن قوس واحدة بالسهم المسموم: بقانون الثامن مارس المشؤوم، ذلكم القانون الذي شاهدتم أثَرَه في المدارس والمكاتب المغلقة، وأفواج الصبيان والصبيات المشردة، وفي وقفات المحاكم التي وقفتموها، والمغارم التي دفعتموها، والسجون التي دخلتموها، وما لقيتم وتلقَوْن من جهد وعنَتٍ، أشهد أنه لم تُرمَ الجزائرُ المسلمة بمثل هذا السهم، على كثرة الرمي وتفنُّن الرماة؛ فقد كان كلُّ ما أصابها هو في بدنها، وفي غير معقِدِ البقاء منها، أما هذا السهم فهو في رُوحها، في صميم فؤادها، في مصدرِ حياتها"[14].
ولتوضيح الصورة أقرب، وتبيانها جلية واضحة المعالم، سنجمل أهمَّ مظاهر تردِّي اللغة العربية في الوطن العربي برمته في النقاط التالية:
أ) فقد جُعلت اللغة العربية بعيدةً عن مسايرة العصر التكنولوجي الراهن باستيعاب المفاهيم والمصطلحات العلمية الحديثة، وظهور الدوريات والمصادر العلمية المختلفة بهذه اللغة العربية التي باتت أحيانًا أجنبيةً في عقر دارها! نتيجة إبعادها عن مجالِ التفاعل مع العلوم الحديثة المختلفة في التدريس والبحث والتأليف والترجمة.
ب) وأما المظهر الثاني فقد برَز في استبقاء اللغاتِ الأجنبية المختلفة للتدريس في مختلف الفروع العِلْمية في مُعظَم الجامعات العربية.
ج) مما جعَل خِرِّيجي تلك الجامعات العربية ببلدان الشرق والغرب في تبعية يخجل منها الاستقلال السياسي الذي حققه الوطنيون الأحرار في تلك الديار؛ حيث أضحَوْا يُثرُون بمؤلفاتهم وأبحاثهم العلمية في شتى مجالات المعرفة - حضاراتِ تلك اللغات الأجنبية التي زاوَلوا بها تخصصاتهم العِلمية في الجامعات العربية والأجنبية (...) بمعزِلٍ عن المساهمة في عملية الإبداع العِلمي العربي الأصيل، على غرار ما تفعله كل الأمم الصغيرة أو الكبيرة في العالم؛ كالصين، واليابان، وتركيا، وإيران، وبلغاريا، واليونان، وبولونيا، والمجر، ورومانيا، وفنلندا، وفرنسا، وإسبانيا، وأمريكا، وبريطانيا، والبرتغال، وهولندا، وألمانيا، دون أن نجدَ في بقية الجامعات العربية حتى الساعة، باستثناء بعض الجامعات التي تُعَد على الأصابع.
د) إظهار اللغة العربية في "موقف العاجز عن مسايرة التطور العلمي والحضاري، مما يشجع الأقطارَ العربية الأخرى ويضطرُّها إلى تبنِّي لغة علمية (جاهزة، لديها من موروثات الاحتلال السابق) لبناء التقدم الموهوم...، وطالما أن العرب لا يعتمدون لغة علم واحدة (على غرار النموذج السوري) في جامعاتهم؛ حيث ما يزالون يدرسون العلوم في كل بلد بلغة المستعمر الإنجليزي أو الإيطالي أو الإسباني أو الفرنسي، فتكون النتيجة الحتمية ألا تتحقق حضارة عربية، وإعلام وصحافة موحدة على الإطلاق؛ لأن هذه المظاهر الحضارية لكي تكون عربيةً يجب أن تكونَ على مستوى كل الأقطار العربية، ولكي تكون ذات هذا الطابع العربي العام يجب أن تكون بلغة واحدة وموحدة الاستعمال على مستوى الرقعة الجغرافية، للمحسوبين على العربية، والحاملين لأسمائها، ولا يمكن أن تكون كذلك إلا باللغةِ العربية التي تجمع كل العرب، وتمثِّل أحد الأركان الأساسية لوَحدتهم المعهودة والمنشودة..."[15].
هـ) حيث أصبح الشباب العربي يرى المستقبل المضمون في الهندسة والطب والإلكترون، أكثرَ مما هو في الآداب والعلوم الاجتماعية، نتيجة عزوفِهم عن اللغة العربية إلى لغة الحياة والمناصب، وما سيتبعُ ذلك من تعلُّم لغة الإدارة والإعلام والصحافة...، وهي مُفارَقة محزِنة ومخزية في التاريخ العربي المعاصر؛ حيث يتواصل الشباب العربي فيما بينهم "بالإنترنت" باللغات الأجنبية، تمامًا مثلما يتواصَلون مع الشباب الفرنسي أو الإنجليزي في أي بلد في العالم!
و) ومما نتَج عن ذلك أيضًا، رسوخُ عُقدة النقص في نفوس الأجيال المتعاقبة؛ وذلك إثر رسم صورة سيئة للُّغة العربية في أذهانهم، بجعل مميزاتِها تنحصرُ في كونها لغة عاطفة، وليست لغة عقل وتحليل، ولغةَ شعر وقصص وخيال وأقوال، وليست لغة طب وعلم وهندسة وأعمال وإعلام وصحافة عالمية، وهذه الذهنيةُ السائدة لدى بعض الناشئة العربية هي معذورة فيها للأسباب المذكورة، نتيجة لهذا الوضع الشاذِّ والأعرجِ الذي توجد عليه اللغة العربية في أقطارهم كما هو مبيَّن، وهو ما يمثِّل عائقًا بعيدَ الأثر في سبيل الاستعمال المنشود للغة القومية في أدنى درجاته المقبولة؛ حيث يشتَّتُ القوى الناشئة من أبناء الأمَّة بين العقل والعاطفة، وبين الرُّوح القومية والمصلحة الشخصية، فيتذبذبونَ بين الاستجابة إلى نداء الضمير والواجب الوطني والقومي بإتقان اللُّغة العربية، وبين إلحاح الغريزة "البطنية" بإتقان اللغات الأجنبية المرهون مستقبلهم الوظيفي بإجادتها على حساب اللغة القومية!
وهذا الانفصام القاتل الذي يعيش به أبناء الأمَّة، جعل كثيرًا من المنظَّمات والاتحادات العربية تدعو إلى معالجة هذه القضية التي تمس الأمَّة في أقدس شيء تملِكه، ألا هو اللُّغة العربية؛ فقد عمَدت الدولةُ الجزائرية - مثلاً - بعد الاستقلال إلى تبنِّي سياسة التعريب؛ فقد صرَّح الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة في هذا الشأن قائلاً: "إننا إذا كنا لا نملِك بشكل كامل اللغةَ العربية، فإن هذا لا يُبعِدُنا في أن نحس أننا عرب في عمق قلوبنا...، إن التعريب لا يمكنه أن يكون إلا نمطَ حياة وتفكير، وليس هناك مستقبلٌ لهذه البلاد إلا في التعريب"[16].
لذا فإن الملاحِظ لمسار التعريب في الجزائر يجد بأن التعريب لقي عنتًا كبيرًا، حتى إن الطبقة المثقَّفة في الجزائر ظهر فيها توجُّهان: "أحدهما يؤمن بالتعريب، والآخر يرفض ذلك ويطالب بالازدواجية، وهذا ما فتَح المجال للمفاضَلة بين اللغتين، وطرحت مسألة أيهما أصلح للتعليم"[17].
وتدعيمًا للرأي السابق، وجدنا محمد غوري (عضو اتحاد الأطباء العرب) في مقال له بعنوان: "تعريب الطب واقع اللغات وطموحات" يقول: "لا يرتاب أحدٌ من الباحثين اللغويين، قدامى ومحدَثين، شرقيين وغربيين، في أن العربيةَ من أقدم اللغات وأقواها أصالة وأوسعها تعريفًا؛ فهي مَرِنة مِطواعة، تلبِّي أدقَّ مطالب العلوم، وخاصةً منها العلوم الطبية بألوان اشتقاقاتها، وأنواع صيغها، أسماءً وأفعالاً وصفات، وباستعدادها الأصيل للاقتباس والتعريب لكل لفظ دخيل من ألفاظ الحضارة والفنون والعلوم...
إن اتحادَنا قد حمل فكرة تعريب الطب منذ إنشائه سنة 1982م؛ فمؤتمراتنا الطِّبِّية التي تقام في وسط أوروبا تَرفَع شعار: "العربية لغتنا"، جمعيتنا الطبية هي الأولى من نوعها بمقالاتها العلمية والطبية والتخصصية ناطقة بالعربية، ورفع الاتحاد مذكرات عديدة إلى وزراء الصحة العرب، وإلى نقابات الدول العربية، وكذلك إلى منظِّمي المؤتمرات الطبية في الأقطار العربية، مذكرًا إياهم بأن الطبَّ في العالم كله يدرَّس بلغة بلده الأصلية؛ فاليونان والألبان والبولونيون وحتى أرمينيا وفي دولة طاجكستان... كل يدرس بلغته القومية؛ فلِمَ إذًا ندرس العلوم الطبية في بلادنا باللغة الفرنسية أو الإنجليزية؟ وطالب الاتحاد كافة المنظمات المعنية بوضع حدٍّ لهذا الانهزام الحضاري[18].
وللموضوع تتمة

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|