وماذا عسى أن يُعلِّمه للتلاميذ؟!
كتَب أحد المختصِّين بتطوير المناهج قائلاً: "إنَّ ما يدرس في هذه المناهج لا يُبْنَى أساسًا على ما يواجه المدرس في عمله الميداني؛ فمثلاً لا يدرس في الكليات المتخصِّصة الخط العربي ولا قواعد الإملاء، كما أنَّ هناك تركيزًا في كثير منها على فلسفة النحو والنقْد الأدبي، دون النحو ذاته أو الأدَب ذاته؛ لذلك يضطرب كثيرٌ من المدرِّسين في أساسيات اللُّغة والأدَب والقواعد، على حين أنه درس كثيرًا من النواحي البعيدة الصِّلة بالميدان"[2].
هذا كلام قاله متخصِّص في التربية اللغوية، وهو يؤكِّد ما أشرنا آسفين إليه منذُ قليل، وهو أنَّ أكثر مَن يعلِّمون العربية اليوم لا يعرفونها، فكيف يعلمونها؟![3].
هذا وواقعنا لا يَنْفِي هذا الكلام:
فقدْ شاهدتُ أكثر من 40 مدرسًا للغة العربية في مدرستي التي أعْمل بها - وهذه المدرسة بها أكثر مِن (70) معلِّمًا للغة العربية - رأيتُهم جميعًا لا يعرفون نُطق فِقرة واحدة بالشكل، ولا يستطيعون إخراجَ مخرجٍ واحدٍ مِن مكانه الصحيح، إنَّه أمر يدعو للخجل المِهني قبل أن يدعوَ إلى كارثة لُغوية حطَّت على واقع تعليم اللغة العربية.
إنَّ معلمي اللغة العربية الآن واقع نأسَف له جميعًا، ويأسفون هم لأنفسهم؛ لأنَّهم لم يعدُّوا ثقافتهم إعدادًا جيِّدًا.
المعلم والكتابة الإملائية:
نرى مِن سيِّئات معلِّمي اللغة - أقصد الذين لا يعبؤون بتثقيفِ أنفسهم وتزويد خِبراتهم - أنهم لا يَسيرون وَفق منهج محدَّد لتعليم الإملاء العربي تعليمًا جيدًا صحيحًا، ويكفيني في هذا الإطار التركيزُ على الأداء العَملي للإملاء العربي، "فالواقع يقول: إنَّ المعلم يعلِّم الإملاء - ومثله الخط - تعليمًا اختباريًّا، فهو يقوم باختبار التلاميذ ولا يقوم بتعلِيمهم"[4].
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ النطق والأداء الصوتي وسيلةٌ مهمة للأداء الكتابي، خصوصًا في الإملاء الاستماعي الذي يلعب فيه صوتُ المدرس ولُغته المنطوقة دورًا مهمًّا في إظهار الحروف والكلمات، فالمدرِّس وحده هو الذي يستطيع أن يُفرِّق للتلاميذ بصوته وحسِّه اللغوي ونبْره للأصوات بيْن المعاني والحروف اللُّغوية المتشابهة، وخاصَّة في مشكلة التشكيلِ وعلاماتِ الترقيم.
ومثال ذلك: أنَّ معلِّم اللغة العربية يستطيع بقراءته للتلاميذ أن يُفرِّق بين الواو والضمة، أو الياء والكسرة، أو الألف والفتحة في نهاية الكلمات، كما يستطيع أن يُفرِّق بصوته بين السِّين والصاد، والثاء وبين الذال والزاي، وبين القاف والكاف، كل هذه الأمور يُمكن أن يعلِّمها للتلاميذ مِن خلال قراءته الجديَّة للقِطعة الإملائية.
بَيْد أنَّ الأمر على عكس ذلك؛ فالمعلِّم ابتداءً لا يستطيع التفرقةَ بين هذه الأصوات، وفاقِد الشيء لا يُعطيه، ويكون جلُّ اهتمامه واعتماده على المعرفة النظريَّة للتلاميذ بالكلمات وما تحويه مِن حروف، فالتلميذ يعرِف أنَّ كلمة (كرة) تحتوي (ك ر ة) بخبرته النظرية، أما لو نطَق له المعلم كلمة جديدة تحمل كافًا ولم تكن للتلميذ بها خِبرة مسبَقة، فهيهات أن يكتبها إلا خطأ!
ثالثًا: واقع البيئة المحيطة وأثرها على واقع تعليم الكتابة العربية:
ليستِ البيئة المحيطة بمنأًى عن الفشل التعليمي للغة العربية لدَى التلاميذ نطقًا وكتابة، فالبيئة المحيطة بالتلاميذ لا تُشجِّعهم إطلاقًا على تأدية اللُّغة تأديةً صحيحة، في البيت أو في الشارع حتى، حيث إنَّ النُّطق السليم للغة متعلِّقة به الكتابةُ السليمة.
ولي تجرِبةٌ عشتُها في هذه الفترة القليلة مع بيئة معيَّنة: أخذت أُعلِّم التلاميذ معاهدين بعضنا البعض في ذلك أن نكتُب ونتكلَّم بالفصحى وأنا أُصحِّح لهم بعضَ الذي يقولون ويكتبون، وفي الواقع رأيتُ أنَّ بعض التلاميذ تقبَّل الأمر في يُسر وسهولة، والبعض الآخر أخذوا يضحَكون من الحديث اللُّغوي الذي كان يدور بيني وبين زملائهم، وعندما وجهتُ لهم السؤال عن ذلك، كانت الإجابات محزِنةً ومخزية في الوقت ذاته، فمِنهم مَن قال: إنَّ معلم اللغة دائمًا يُستهزَأُ به في الأعمال الفنيَّة والتلفزيونيَّة، وبعضهم قال: لا أستطيع أن أتحدَّث إلى أحدٍ بهذا الأسلوب كي لا يضحكَ عليَّ.
وهذا إنْ عكس شيئًا فإنما يعكس طبيعةَ المجتمع الذي أضْحى يَسْخَر مِن قِيمه وهُويته! ولله الأمر مِن قبلُ ومِن بعدُ.
وأثر ذلك على تعليم الكتابة العربية أنَّ التلاميذ يُخفِقون في تأدية اللُّغة صوتيًّا ممَّا يدعو إلى الإخفاق الكتابي بما لا شكَّ فيه.
رابعًا: واقع التلاميذ وأثَره على واقِع تعليم الكتابة العربية:
إنَّ التلميذ المعاصِر يقضي في المراحل التعليميَّة أكثرَ مِن عشرة أعوام، وعلى امتدادِ هذه المرحلة يتعلَّم لُغته في دروس مختلفة وفروع كثيرة، فإذا أتَمَّ تعليمه الجامعي في معهد متخصِّص كدار العلوم - مثلاً - استمرَّتْ دراسته اللغوية أربعةَ أعوام أخرى لتصبح فترةُ الدِّراسة بضعة عشرة سَنَة، وتلك مدَّة طويلة تكفي لإتقان ثلاثِ لُغات، لا لغة واحدة هي لُغة الدين والوطن، والآباء والأجداد، والعشيرة والصِّحاب، فهل أتقن العربيةَ طلاَّبُها؟!
إنَّ واقع التلميذ الذي حُشِي عقله بهُوية غير هويته، وثقافة غير ثقافته، لا يبشِّر بالخير؛ لأنَّ التلميذَ أصبح ينظُر إلى لُغته على أنَّها لغة قوم متخلِّفين حضاريًّا واجتماعيًّا، فأصبح الجميعُ يُقبلون على تعلُّمِ اللغات الأخرى، بل وإتقانها، أمَّا لغة القرآن فلا؛ لأنَّها لغة لا تُفيدهم في عملهم، ولا تَنفعهم في اكتساب أرزاقهم.
إنَّ أمثال هؤلاء التلاميذ - وهم كثير - لا يُدرِكون أنَّ تعلم لغتهم الأم - خصوصًا لغة القرآن - يَزيدهم مروءةً، ويفتح لهم بابَ تعلم لُغات غيرها، هذا باعتراف اللغويِّين أنفسهم.
هذا هو واقعنا الذي نعيشه، ولله الأمر من قبلُ ومن بعد، نسأله - جلَّ شأنه - أن يُعيدَ مجدَنا إلينا. اللهمَّ آمين.
ثانيًا: من حيثُ الوسائلُ التعليميَّة:
ذكَر واضعو منهج اللغة العربية للصفِّ الخامس الابتدائي وسائلَ تعليميَّة متنوِّعة لتدريس الكتابة العربية، وهذه الوسائل هي:
1. الوسائل السمعية: (التسجيلات التي تُستخدَم في عرْض النصوص الشِّعْرية والقرآن الكريم ومواقِف القراءة النموذجيَّة....).
2. الوسائل المطبوعة: (الكُتُب المدرسية والأوراق والبطاقات....).
3. السبُّورات: مثل: (السبورات الطباشيريَّة والوبريَّة والمعدنيَّة....).
4. الصور الضوئية "الفوتوغرافية": وقيمتها أنها تربط المتعلِّمَ بالواقع الحسي الخارجي.
5. الكمبيوتر التعليمي: ويُمكن الاستفادة منه من خلال (cd) الأقراص المدمَجة.
وهذه الوسائل الموضوعة لتعلُّم فن الكتابة مفيدةٌ في حقيقة الأمر، ولا يمكن نقدَها، ولكن العيب كلَّ العيب في تطبيق هذه الوسائل فعليًّا في المدارس، وداخلَ الفصل التعليمي.
فهذه الوسائلُ لا غُبار عليها؛ حيثُ كلها يمكن استخدامها في تعلم الكتابة (التعبير والإملاء والخط العربي).
ثالثًا: مِن حيثُ طرائق التدريس:
وُضِعَت عدَّة طرائق لتدريس فنِّ الكتابة العربيَّة، وهي طُرُق جيِّدة وتطبيقها مثمِر ونافع جدًّا مع التلاميذ، بَيد أنَّ بعضها لا يليق وفنَّ الكتابة، خاصَّة في فرع الإملاء: وهذه الطرق هي: (التعلم التعاوني، الاكتشاف، حل المشكلات، تعلُّم الأقران، لعب الأدوار، العصف الذهني).
وطريقة لعب الأدوار قد يَصلُح توظيفها في التعبير أو الإملاء، ولكنَّه يصعب توظيفها مباشرةً في تعلُّم الخط العربي.
وفي الواقع هذه الطُّرق لا تَنفع مع الأعداد الكبيرة في الفصْل، فالفصل الذي يصل عددُه إلى 70 تلميذًا لا تنفع معه طرُق؛ كالتعلم التعاوني، وتعلم الأقران، ولعب الأدوار، وتبقَى معضلة المعلِّم الذي يختار بيْن هذه الطرق في الظروف المناسِبة.
رابعًا: من حيثُ الأنشطة التعليميَّة:
تعدُّ الأنشطة اللُّغوية مِن العناصر الأساسية في خطَّة التدريس، حيث ترتبط بكلٍّ مِن محتوى الدرس وطرق التدريس، كما أنَّ الأنشطة تجعل التلاميذ يمارسون اللُّغةَ في دائرتها الوظيفيَّة، وتهيِّئ لهم فرصًا عديدةً لإشباع ميولهم، وتنمية مواهبهم الفرديَّة، فكلُّ نشاط يمارسه التلميذ يتطلَّب منه القيام بوظيفة عقلية أو أكثر؛ ولذلك فهي تساعِد التلاميذَ على توليد الأفكار بدلاً من استرجاع المعلومات مِن خلال الملاحظة والمقارَنة والنقْد والتقويم.
والأنشطة تختلِف من درْس لآخَر تبعًا لنوع الأهداف ومستوياتها الخاصَّة بكلِّ درْس، ويجب على كلِّ معلِّم اختيارُ النشاط المناسب للدرْس الذي يقوم بشَرْحه.
والأنشطة نوعان: صفيَّة: يقوم التلميذ بتأديتها داخلَ الفصل & ولا صفية: يقوم بتأديتها خارجَ الفصل.
والأنشطة اللُّغوية في حقيقةِ الأمر يمكن أن تُؤدَّى بشكل شفوي أو تحريري أو بشكل فرْدي أو جماعي، والأنشطة اللُّغوية في تعليمِ الإملاء والخط والتعبير صالحة جدًّا؛ حيث يمكن مناقشةُ الفِقرة الإملائية أو الجُملة الخطيَّة، أو الموضوع التعبيري شفويًّا، ونطلب مِن التلاميذ كتابته تحريريًّا بخطٍّ جميل، وهذه الأنشطة تُتاح للأعداد الكبيرة والقليلة التي تتناسَب مع الواقِع الحالي للتلاميذ في فصولنا المكتظَّة بهم.
خامسًا: من حيث التقويم:
تقويم درْس الكتابة العربية يَنبغي أن يكونَ أمام التلميذ في الفصل الدِّراسي، وإلا فلن تُؤتَى ثمارُه كما ينبغي، فمثلاً درس الإملاء، لا بدَّ أن يُصحِّح المعلم الكشكول أمامَ التلميذ ليُعْلِمَه خطأه، وهذه أفضل الطرق لتقويمِ الإملاء، وكذا التعبير والخط.
أمَّا التقويم التراكُمي للفصل الدِّراسي والشهر، فوضعتْ وزارة التربية والتعليم تقويمًا شاملاً جديدًا، يرتبط به ملَّفُ إنجازات الطالب خلالَ فترة الدراسة المعينة، وهذه الطريقة تشمل اللُّغة ككلٍّ، ولا تختص بفرْع دون فرْع، وعلى معلِّم اللغة العربية أن يسخِّرها ويوظِّفها في تقويمه للإملاء والتعبير والخط.
وعلى كلِّ حال، فطريقةُ التقويم الشامِل تحتاج في مدارسنا إلى تعديلٍ وتهذيب؛ لأنَّ تطبيقها ما زال في مرحلة السعي وراءَ الوصول للطريقة المثلَى.
والله المستعان.
[1] ذكَرَ الأستاذ الدكتور فتحي جمعة في مقدِّمة الطبعة الخامسة لكتابة "اللغة الباسلة" مقالاً بعنوان لغة بلا أمة، هذه المقالة طالما راجعتُها قراءةً وتذكرًا، فهي في قلْبي قبل أن تكون في ذاكِرتي.
[2] انظر: د فتحي جمعة، اللغة الباسلة (ص: 199).
[3] السابق نفسه.
[4] د: هدى محمد إمام، "تعليم اللغة العربية في التعليم العام وتطبيقاتها الإجرائية"، 2007، جامعة عين شمس.