عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 14-10-2020, 06:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,934
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة العربية






المبحث الثالث











مشكلة درس الإملاء وواقعه الحالي






مصطفى بن أحمد بن إسماعيل




توطئة:



عملتُ في التربية والتعليم معلِّمًا فترةً لا تتجاوز الأعوام الثلاثة، فُوجئت وفجعت أيَّما فجعة من مستقبل اللُّغة العربية على يدِ أبنائها المستعجمين، كنت أظنُّ أنَّ النحو والعلوم اللغوية التي تَعَبَّأنا بها في دُور العِلم بالجامعة العريقة ستسعفني في تدريس المناهِج الدِّراسيَّة، بَيْد أنها كانتْ سببَ إعاقتي! إنَّها إعاقة أداء وليستْ إعاقة فِكر!







ووجدت واقعًا (لا يسرُّ الناظرين).







لقد عملتُ في هذه الفترة في ثلاثِ مدارسَ مختلفة - مختلفة المجتمع، ومختلفة الكثافة - ووجدت أنَّ هذين العاملين مِن أهمِّ ما يؤثِّر على عملية التعلُّم، إنهما عامِلاَ (البيئة والكثافة)، ففي حين كنتُ أدرس بمدرسة معقولة الكثافة العدديَّة داخلَ الفصل الواحد إذَا بالبيئة تؤثِّر على التعلم والأداء، وبينما أعلم في مدرسة بِيئتها معقولة إلى حدٍّ بعيد، فُوجئت بأنَّ الكثافة العددية تؤثِّر على الأداء التعليمي.







ولكن عندما كنتُ معلِّمًا في المدرسة التجريبيَّة وجدتُ كثافةً وبيئةً مناسبتين للقيام بمهمَّتي على الوجه المرجوِّ.







شعرتُ بالفشل حينًا وبالضعف العِلمي حينًا آخر عندما عجزتُ عن القيام بمهامي في المدرستين الأوليين، ووجدتُ نفسي معلمًا مؤديًا لعلومي اللغوية نطقًا وكتابةً في الثالثة، هذه التجرِبة التي مررتُ بها جعلتني أحزن حزنَ مالك عندما رأيتُ الواقع الذي لا نرجوه مُحَقَّقًا في أمَّة ترجو النهوض لأبنائها، وندمتُ ندمَ الكُسَعي عندما سلكتُ مسلكَ التعليم كمهنة شريفة أُؤَدِّي بها ما تعلمته من جانب، وأقتات بها من جانب آخر، وليتَ من الجانبين جانبًا أنصفني!!







وجدتُ في هذه الفترة تلاميذَ أذكياء لا تسعفهم بيئتهم، ووجدتُ تلاميذ أذكياء لا يستطيع المعلِّم انتشالهم من هوَّة الزحام داخلَ الحُجرة الدراسية، (حيث نرى في فصولنا اليوم السبعين والثمانين تلميذًا)، فأَنَّى لهم أن يتعلَّموا؟!







هذا الواقع البئيس الذي نجده في مدارسنا لا يساوي شيئًا إطلاقًا أمامَ واقع المعلِّم المصري الذي رأيت.







شاهدتُ مَن هم أقدم مني عهدًا بالتعليم للمرحلة الابتدائية - وهي من أهمِّ مراحل التأسيس اللُّغوي - لا يستطيعون نُطقَ اللفظ العربي نطقًا صحيحًا مِن مخرجه السليم، فأنَّى لهم إخراجُ جيل يعرِف لغته ويُقدِّر همَّها؟! رأيتُهم لا يألون جهدًا في تعليم التلاميذ، ولكنَّهم يُعلِّمونهم اللا لُغة أو لغةً غير لغتنا التي تعلمْناها نطقا على أيدي مشايخنا قبلَ أن نتعلمها نصوصًا وقواعدَ على أيدي أساتذتنا في الجامعة، إنه حال لا يسرُّ الناظرين!







أتساءَل: كيف يمكن لنا أن نُعَلِّمَ جيلاً ونحن جيل لم يُتقِن عِلمه؟! كيف لنا أن نُخرِج جيلاً منهم أئمة في العِلم، ونحن نُكَدِّسُهم أكوامًا في حجرة واحدة؟! كيف لنا أن نعدَّ جيلاً للتقدُّم وبيئاتهم لا تعرِف معنى التقدُّم؟!







" هيهات هيهات لما توعدون، حقا إنها أضحت لُغة بلا أمَّة[1]!











واقع فن الكتابة العربية




في منهج الصف الخامس الابتدائي








أولاً: من حيث الأهداف:



وضَع واضِعو المنهج للصف الخامس معاييرَ ستَّة للكتابة، وهي:



1. كتابة الحروف والكلمات والجُمل العربية كتابةً صحيحةً واضحة.



2. كتابة الكلمات والجُمل كتابةً صحيحةً إملائية.



3. اختيار الأفكار وترتيبها بصورةٍ صحيحة.



4. استخدام القواعد اللُّغوية وتوظيفها في الكتابة.



5. تنظيم وتنسيق الكتابة.



6. الكتابة في موضوعات إبداعيَّة ووظيفيَّة تعبيرًا عن النفس والمجتمع.







هذه المعايير ينبغي أن يُحقِّقها الطالب بعدَ دراسته لهذا المنهج، وينبغي أن يتحقَّق ذلك في نهاية العام الدراسي.







فالسؤال الآن: هل استطاع التلاميذُ - ونحن على مشارفِ الانتهاء من الفصل الدراسي الثاني - أن يُحقِّقوا - أو تُحَقَّق لهم - هذه المعايير؟







الإجابة عن هذا التساؤل سأؤخِّرها إلى أمدٍ قريب، بعد أن أرصد واقعَ أمور أربعة:



(المنهج - المعلم - البيئة - التلميذ)







فهذه الأمور هي عمادُ هذه المعايير، إذا كانتْ ناجحةً تحقَّقت المعايير، وإلا فلا.







أولاً: واقع المنهج العلمي المقرَّر على تلاميذ الصف الخامس الابتدائي:



بعد إعادة تغيير المنهج لهذا الصفِّ أمَّل المعلِّمون أن يَخْرُجَ لهم منهجٌ يفي بأغراض التلاميذ المعرفية، بَيْد أنه خرج كسابقه، اللهمَّ إلا في بعض التنسيقات، مراعيًا طرق التعليم (وإستراتيجيات) التعلُّم الجديدة، هذا الأمر هام إلى حدٍّ بعيد، ولكن الأهم منه هو وضْع الدروس والموضوعات التي تفِي بالمعايير الموضوعة لهذه المرحلة.







كل الدروس الموضوعة في المنهج الجديد تدور حولَ أمرين لا ثالثَ لهما:



الأول: المعلومات المعرفيَّة في موضوعات القِراءة، وهذا لا يُقلِّل من شأنها.



الثاني: القواعد النحويَّة، وهي في ثوبها الجديد في ظلِّ طرائق التدريس الجديدة.







وهذان أمران لا يعقل وجود منهج لُغوي بغيرهما.







أما الجانب الخاص بتعليم قواعدِ الكتابة والخطِّ والإملاء، فليس له وجودٌ يُذكَر في المقرَّر الذي يحمله الطالب على عاتقه ذهابًا وإيابًا مِن وإلى المدرسة كلَّ يوم، اللهم إلا في خُطَّة العمل الخاصَّة بالمدرِّس.







وهذا أمر جِدُّ خطير؛ إذ إنَّ فنًّا من فنون اللغة ليس له حظٌّ في منهج للغة، أمر يُثير السخرية!







ليس عن جهْل مني أنَّ فنون اللغة متَّصلة العلاقة بقوَّة؛ لذا جعلوا تعليم الكتابة والإملاء من واقِع الدروس والموضوعات المقرَّرة، ولكن ينبغي أن يجعلوا - كما جعلوا للقواعد النحوية - للكتابة مساحةً خلف كلِّ موضوع يوضِّحون فيها للتلاميذ قواعدَها وأصولها.







وللهِ الأمرُ من قبلُ ومِن بعدُ.







إنَّ قيمة أيِّ نظام تعليمي تحدِّدها النتائج العملية التي يَنتهي هذا النظام إليها في خاتمة مطافه ونهاية مراحله، ومِن البديهيات المعلومة أنَّ نظام التعليم اللغوي لا هدفَ له إلا أن يُخرِج الطلاب عارفين باللُّغة التييتعلَّمونها معرفةً طيبة شاملةً، أو شبه شاملة، فإذا لم يحقِّق النظامُ التعليمي هذه الغايةَ، فهو نظام فاشل، أو ينبغي أن يُراجَع فيقوَّم بالتصحيح أو التغيير.







إنَّ الأهداف المحدَّدة والغايات المرسومة لهذا النِّظام تجعل منه نظامًا مثاليًّا فريدًا لتعليم اللغة، ولكن يبدو أنَّ واضعي المنهج ومحدِّدي أصوله، قد اقتصروا على الغايات النظريَّة فقط، ولم يعبأ بالوسائل العمليَّة التي تحقِّق هذه الأهداف.







تبيَّن لنا مما سبق أنَّ مناهج اللغة العربية تسعى - نظريًّا - إلى غايات كبيرة وأهداف جميلة حقًّا، ولكن هذا وحْده لا يكفي؛ أي: إنَّ النظَر إلى الأهداف أو الغايات دون عمل على تهيئةِ الأسباب الموصلة إلى الهدَف - مثل هذا يكون حرثًا في بحر، لا يُنبت زرعًا، ولا يؤتي ثمارًا.







وسبب ذلك وأساسه - فيما نرَى - أنَّ الوسائل نفسها قاصرةٌ عاجزة عن تربية الثقافة اللُّغوية الشاملة عندَ أبناء العربية على اختلافِ مذاهبهم وتنوُّع مجالاتهم.







ثانيًا: واقع معلِّم اللغة العربية:



يحتلُّ معلِّمُ اللغة - خاصَّة - من بين المعلِّمين المقامَ الأسمى والدرجة العليا، فإذا كانتْ وظائف المعلمين هي أكرمَ أعمال المجتمع، فإنَّ تعليم اللغة هو بحقٍّ أكرمُ وظائف المعلمين، فمعلم اللغة - لا ريبَ - صفوة الصفوة وقائِد القادة، وفاضِل الفضلاء بين العاملين.







إنَّ المعلم اللُّغوي لا يُعلِّم مادةً كسائر المواد، وإنَّما يعلم اللغة، وهي - كما اتَّفق عليه المربُّون وروَّاد التعليم - وعاء يصبُّ فيه جميع المواد ويستوعب الحقائق والخِبرات الإنسانية تفكيرًا وتعبيرًا.







إنَّ مكانة مُعلِّم اللغة مِن مكانة العمل الجليل الذي يُؤدِّيه، وهو تدريس لغة قومه للناشِئة ونقلها إلى الأجيال، وهو عملٌ له شأن خاص متميِّز "في أيِّ برنامج تربوي في نِظام التعليم القومي، وإنَّه لأمرٌ لا يحتاج إلى توضيح أنَّ الطفل ما لم يتأتَّ له إلمام معقول بلغته القومية، وسيطرة على استخدامها في التفكير والتعبير، فمِن المستحيل أن يُصيبَ أيَّ تقدم في أيِّ مادة دراسية أخرى".







ولقدْ كشفتِ التجرِبة عن الارتباط الوثيق بين التخلُّف الدِّراسي في المرحلة الابتدائية والعجْزِ في اللُّغة العربية، وحين يُعالَج التخلُّف في اللغة، فإنَّ الطفل يخطو خطواتٍ سريعةً موفقةً نحو التحسين في المواد التي كان متخلِّفًا فيها، إذا تيسرت له أدواتُ الفَهم والتعبير.







ومِن الحقائق الثابتة التي انتهتْ إليها تجارِب التربويِّين - أيضًا - أنَّ الطفل إذا لم تُتح له فرصةُ تعلم اللغة العربية السليمة الدقيقة، فإنَّه عُرضة لتعلم العربية الرديئة الركيكة، بل إنَّه عُرضة لاكتساب عادات رَديئة في التفكير؛ نظرًا لما بين اللغة والفِكر من ارتباط وثيق، ومعنى هذا: أنَّنا حينما نعدُّ معلم اللغة العربية القومية، فإنَّنا لا نعدُّ مجرَّدَ مُعلم لمادة دراسيَّة، وإنما نعدُّ المعلم الأساسي الذي تقوم على أكتافه العمليةُ التعليمية كلُّها.







تلك هي مكانةُ معلِّم اللغة العربية في البناء الحضاري للأمَّة، وهي مكانة تستمدُّ قيمتها الرفيعة مِن قيمة عِلمه؛ لأنَّه يحمل أمانةَ حماية اللغة ونقلها سليمةً إلى الأجيال الخالِفة، وإذا كانتِ اللغة وعاءً لمعارف الأمَّة وخبراتها، فإنَّ هذا يقتضينا مزيدًا من العناية في إعداد معلِّميها وتزويدهم بزادٍ وفير من الثقافة العريضة العامَّة.







لكن هذا التصور المِثالي للمعلِّم اللغوي، بعيد بعدًا كبيرًا عن الواقع المشاهَد في بلادنا العربية.







إنَّ معلم اليوم ليس إلا تلميذَ الأمس، وهذا - كما نعلم - قد تعلَّم في ظروف غير مواتية، وسط أعداد هائلة من الطلاب؛ يختطف المعلوماتِ اختطافًا، دون أن يجدَ الفرصة الكافية للتدريب واكتساب المهارات العِلمية في الاستعمالات اللُّغوية.







هذا إضافة إلى أنَّه قد تعلَّم في ظلال المناهج التي سبَق عرضها، وتبيَّن لنا كيف تقصر عن تحقيق الهدَف، وإدراك الغاية المرجوَّة منها.







ومقتضى هذا أنَّ معلمَ اللغة العربية بما هو عليه الآن جزءٌ رئيس في مشكلتها؛ لأنَّ فاقد الشيء لا يُعطيه، وهو قد ظلَّ منذ دخل المدرسة الابتدائية إلى أن تخرَّج في الجامعة بعيدًا عن ذوق اللغة واكتساب مَلَكَتها؛ فلم يسلَمْ له قلم ولم يصحَّ منه لسان، لم يستقمْ لديه بيان؛ فكيف يُعهَد إلى مثل هذا بأمر اللغة؟!



يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.18%)]