عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 11-10-2020, 07:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تكوين الملكة الفقهية

خامسًا: معرفة علوم اللغة العربية:
ينبغي لطالب العلم الشرعي معرفة علوم اللسان العربي من نحو وصرف وبيان وأدب; ليتمكن من فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حق الفهم. فالفقيه يحتاج إلى اللغة العربية ليتمكن من استنباط الأحكام الشرعية ومعرفة مقاصد الكتاب والسنة ومعانيهما، وما كان عامًا أريد به العموم أو عامًا أريد به الخصوص، وليــعــرف المشترك والنـــص والظــاهر والمترادف وغير ذلك.. يقول ابن تيمية: (إن تعلم اللغة العربية من الدين، وإنه فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
وقـال الشـــاطبي: (إن الشــريعة عربيـــة، وإذا كــانت عربــيــة فـــلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم; لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز. فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطًا فهو متوسط في فهم الشريعة. والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فيها حجة، كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولاً).
وقال ابن خلــدون: (ومعرفتـــها ضــروريــة على أهــل الشريـــعة، إذ مآخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتــابعــين عــرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة).
وقد اتفق الأصوليون على اشتراط معرفة اللغة العربية في المجتهد; لكنهم اختلفوا في القدر الذي يطلب منه على قولين:
القول الأول: ذهب كثير من الأصوليين، منهم الغزالي والزركشي، إلى أن القدر المطلوب من الفقيه هو القدر الذي يتمكن به من فهم الكتاب والسنة، فيعرف غالب المستعمل، ولا يشترط التبحر فيها، كعلم سيبويه والأصمعي والخليل بن أحمد والأخفش. قال الغزالي: (القدر الذي يفهم به كلام العرب وعادتهم في الاستعمال، إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيـــده، ونصــه وفحــواه، ولحنه ومفهومه.. والتخفيــف فيــه أنــه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة، ويتعمق في التأويل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه).
والقول الثاني: ذهب الشاطبي إلى أن القدر المطلوب من الفقيه هو التبحر في هذا العلم، حيث قال: (فلا بد أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم، وقد قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه. وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش. والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو، فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني).
والحقيقة أن الفقيه الذي يريد أن يكون الفقه سجية عنده لا بد أن تكون اللغة العربية عنده ملكة، بحيث يفهم نصوص الشريعة من غير تكلف ولا توقف.
وينبغي لطالب الفقه أن يشرع بدراسة متن من متون النحو: كالألفية لابن مالك وشروحها، ثم ينتقل إلى كافية ابن الحاجب وشروحها، ومغني اللبيب وشروحه حتى تحصل له الملكة في النحو. وينبغي أن يطلع على مختصر من مختصرات المنطق ليفهم ما يورده مصنفو النحو. ثم ينتقل إلى دراسة الصرف، فيحفظ الشافية وشروحها ولامية الأفعال. ثم بعد ذلك ينتقل إلى دراسة كتب المعاني والبيان، فيحفظ متنًا من المتون وشرحه. ثم بعد ذلك يطلع على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان المفردات كالقاموس واللسان.
فينبغي للجامعات التي تدرس الشريعة الإسلامية، والتي تخرج الفقهاء والمفتين والقضاة والمدرسين، أن لا تستهين بعلوم اللغة العربية، ولا يجوز الاقتصار فيها على مستوى ضعيف أو مجرد مشاركة أو إلمام، قال الشاطبي: (فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب).
وقال الشوكاني: (وأن يثبت له من كل فن، النحو والصرف والمعاني والبيان، من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرًا صحيحًا، ويستخرج منه الأحكام استخراجًا قويًا.. ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها، فقد أبعد. بل الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها، مما يزيد المجتهد قوة في البحث وبصرًا في الاستخراج وبصيـــرة في حصول مطلـــوبه.. والحاصل أنــه لا بد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن).
يتبين مما سبق أن الفقيه يحتاج إلى دراسة المواد التالية: النحو، والصرف، والبلاغة.
سادسًا: معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية:
اشترط الشاطبي في الفقيه المجتهد معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية، والإلمام بها، وأن يكون ذلك ملكة عنده، حيث قال: (إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها).. والمقاصد هي: (المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمتــرتبــة عليها، سواء أكانــت تلك المعاني حِكَمًا جزئيــة أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله أو مصلحة الإنسان في الدارين).
وينقل السيوطي عن الغزالي: (مقاصد الشــرع قبلة المجتــهدين، من توجه إلى جهة منها أصاب الحــق، ولهذا كان مذهب أبي بكر - رضي الله عنـــه - التســوية بين المسلــمين في العــطـــاء من غيــر زيــــادة ولا نقصان ولا تفضيل بزيادة علم ولا سابقة في الإسلام، وراجعه عمر - رضي الله عنه - في ذلك فقال: إنما الدنيا بلاغ وإنما فضلهم في أجورهم، فلما رجعت الخلافة إلى عمر كان يقسم على التفاوت).
ومما لا شك فيه أن المقاصد تعين الفقيه على فهم نصوص الشريعة الإسلامية، وكيفية استنباط الأحكام منها، كما تعينه على الترجيح بين الأدلة المتعارضة والجمع بينها، كما تمكنه من تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، بما فيه من ظروف زمانية ومكانية، وهو الذي يسمى (تحقيق المناط).. كما أن المقاصد تجعل من تفكير الفقيه كليًا شموليًا بحيث يستحضر مجموعة أهداف الشريعة، ويستوعب جوانب المطلب الفقهي بحيث لا يمنعه التعمق في جزئيات الفقه عن رؤية كلياته.
وليعلم الفقيه أن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء والقصص المحكية في كتب الله المنزلة، علم ذلك علمًا لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة.. ومما يزيد فهم مقاصد الشريعة، دراسة كتاب الموافقات للشاطبي، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام.
سابعًا: معرفة فروع الفقه:
اختلف الأصوليون في اشتراط معرفة فروع الفقه للمجتهد. فذهب غالبية الأصوليين إلى عدم اشتراطه; لئلا يؤدي إلى الدور; إذ كيف نشترط في المجتهد العلم بفروع الفقه وهو الذي يولدها ويستنبطها؟! وذهب أبو إسحق الاسفراييني وأبو منصور الماتريدي إلى اشتراط العلم بفروع الفقه. ونسبه الشوكاني إلى الغزالي، حيث قال: (واختاره الغزالي، وقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق لتحصيل الدربة في هذا الزمان).
والحقيـــقة أن ما نسبـــه الشوكـاني إلى الغـــــزالي غيـــر صحــــيح; لأن نقله عن المستصفى كان مجتزأ، فقد نقل آخر قول الغزالي، ففهم كأن الغزالي يشترط ذلك. والصحيح أنه لم يشترط ذلك. وهذا نص الغزالي في المستصفى: (فأما الكلام -علم الكلام- وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما، وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون، ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد؟ فكيف تكون شرطًا في منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط؟ نعم، إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك. ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضًا).
فإذا كان علم الفقه ليس شرطًا من شروط الاجتهاد المطلق، فإنه شرط لبقية أنواع الاجتهاد وتكوين الملكة الفقهية لدى الفقيه، ليكمل ما قد حازه من شرف العلم، ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية، فإن الفقيه يزداد بذلك علمًا إلى علمه، وبصيرة إلى بصيرته، وقوة في الاستدلال إلى قوته.
قال ابن حمـــدان: (وأما المجتـــهد في مــذهب إمــامه، فنــظــره في بعض نصوص إمامه وتقريرها والتصـــرف فيها كاجــتهاد إمــامه في الكتاب والســــنة... ثم اعـــــلم أن لـــه أربــع حالات، الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه... والثـــانية: أن يكون مجتهدًا في مذهب إمامه مستقلاً بتقريره بالدلـــيل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده مع إتقانه للفقه وأصوله وأدلة مسائل الفقه، عارفًا بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادرًا على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول التي لإمامه... والحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق غير أنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره ونصرته، يصور ويحرر ويمهد ويرجح.. والحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه...).
ولا يقتصر طالب الفقه في دراسته على أبواب الفقه الموجودة في الكتب الفقهية القديمة من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية، وحدود وقصاص وأقضية وغير ذلك، وإنما يتعدى ذلك إلى دراسة أحكام القضايا المعاصرة التي تتعلق بجميع شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والطبية، فيدرس المعاملات المعاصرة التي تتعلق بالمصارف الإسلامية وشركات التأمين، والقضايا الطبية المتعلقة بالتلقيح الاصطناعي والاستنساخ وغير ذلك. وقد تولى مجمع الفقه الإسلامي دراسة هذه القضايا وغيرها، وأصدر فيها قرارات وفتاوى شرعية، يمكن الرجوع إليها في مجلة مجمع الفقه الإسلامي. هذا بالإضافة إلى صدور كثير من الكتب التي تتناول هذه القضايا.
مما سبق يتبين أن طالب الفقه يحتاج إلى المواد التالية: العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، والحدود والجنايات، والجهاد، والقضاء، وطرق الإثبات، والحلال والحرام، والمعاملات المالية المعاصرة، والقضايا الطبية المعاصرة، والسياسة الشرعية، وغيرذلك.
ثامنًا: معرفة القواعد الفقهية:
القاعدة الفقهيــة هي: (قضــية شرعية عملية كلية، يتعرف منها أحكام جزئياتها).. ودليل شرعيتها أن معظم القواعد الفقهية مستنبطة من نصوص الشريعة الإسلامية في الكتاب والسنة، كقاعدة: (المشقة تجلب التيــسير) مستنبطة من قــوله - تعالى -: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(البقرة: 185). وقــاعــدة: (الأمـور بمقـاصدها) مستنبـــطة مــن حــديث: (إنمــا الأعــمال بالنيات).
والقواعد الفقهية ضرورية لتكوين الملكة الفقهية لدى الفقيه:
1- فهي تساعد الفقيه على فهم مناهج الاجتهاد، وتطلعه على حقائق الفقه ومآخذه، وتمكنه من تخريج الفروع على الأصول بطريقة سليمة، وتعينه على استنباط الأحكام للقضايا المستجدة. قال السيوطي: (إن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان).
2- وهي تساعد على إدراك مقاصد الشريعة كما ذكر ابن عاشور أن القواعد الفقهية مشتقة من الفروع والجزئيات المتعددة بمعرفة الربط بينها، ومعرفة المقاصد التي دعت إليها.
3- وهي تسهل حفظ وضبط المسائل الفقهية; لأن القاعدة صيغت بعبارة سهلة جامعة تبين محتواها، كما قال القرافي: (ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات).
وقد ترك لنا الفقهاء مجموعة من كتب القواعد الفقهية التي تعين الفقيه على أداء مهمته، منها الأشباه والنظائر لابن نجيم، والأشباه والنظائر للسيوطي، والمنثور في القواعد للزركشي، والمجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي، والفروق للقرافي، وغيرها.
تاسعًا: فهم الواقع المعاصر:
لا بـــد للفقيه أن يكون مـــلمًا بواقـــعـــه المعــاصر بمــا فيه من علوم عصرية، وتغيرات اجتماعية وسياسية وغيرها، وضرورات يقتضيها العصر.
1- إلمام الفقيه بعلوم العصر:
ظهرت في هذا العصر علوم ومعارف ومعلومات جديدة تتعلق بالطب والتشريح والفلك والطبيعة والكيمياء وغير ذلك مما لم تكن معروفة من قبل، فعلى الفقيه الإلمام بها والاطلاع عليها، ولا يجوز له بحال من الأحوال تجاهلها والاجتهاد بمعزل عنها.. ولفقهاء العصر في ابن رشد الحفيد قدوة، فقد انتفع بعلوم عصره الطبية والطبيعية والفلكية في الترجيح والاختيار للأقوال والمذاهب، وبناء الفقه على النظر العلمي الصحيح، ومن ذلك تعقيبه على مسألة استمرار العادة الشهرية مع الحمل عند النساء، ومسألة العمل بالحساب الفلكي.
فهذه العلوم تمنح الفقيه القدرة على أن يحكم على بعض الأقوال الفقهية الموروثة بالضعف أو الصحة والرجحان، ومن الأمثلة على ذلك: أن الفقهاء اختلفوا في أقصى مدة الحمل فقال الزهري: تحمل المرأة ست سنين وسبع سنين. وقال عبادة بن العوام: خمس سنين، وقال الليث: ثلاث سنين. وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه سنتان. وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر. وقد أثبت الطب الحديث القائم على الملاحظة والتجربة قول ابن حزم، وأنه لا يمكن أن يتأخر الحمل أكثر من شهر زيادة على التسعة أشهر، أما أن يمكث سنة أو سنتين أو ثلاث أو خمس أو سبع فلا يصح علميًا، ولأن أقوال الفقهاء لا تستند إلى دليل صريح من الكتاب أو السنة، وإنما هي مبينة على الأخبار المنقولة عن الناس في حمل النساء، وربما كان حملاً كاذبًا في بداية المدة.
ويقترح الشيخ أبو الحسن الندوي لتحقيق الإلمام بعلوم العصر أن يكون مجمع علمي إسلامي يؤلف في هذه العلوم كتبًا تجمع بين حدة الاطلاع وغزارة المادة ومتانة البحث، وبين إثبات العقيدة والتوفيق بين العلم والدين.
وأرى أن هذا الاقتراح صعب التنفيذ في ظل التقدم المستمر والتطور الدائم لتلك العلوم، فهي تتسابق مع الزمن، وكل يوم يأتي العلم بنظريات جديدة، ولكن يمكن أن يوجه الفقيه إلى دراسة اللغة الإنجليزية، وكيفية استعمال الحاسوب و(الإنترنت)، فإذا احتاج إلى دراسة قضية من القضايا المعاصرة: كالاستنساخ أو بطاقات الائتمان رجع إلى (الإنترنت) واستخرج منه آخر ما توصل إليه العلم; ليستعين به في تصوير المسألة التي يريد بحثها.
لكن قد يقال: إن هذه الطريقة لا توجد فقهاء قادرين على مجاراة المتخصصين في العلوم المعاصرة في فهم كثير من الأمور العلمية الدقيقة والمصطلحات المتعلقة بكل علم من العلوم، وبالتالي تصدر عن هؤلاء الفقهاء آراء فقهية غير ناضجة; لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
أقول: إن هذا التخوف في محله إذا لم يكن الفقيه مؤسسًا من الناحية العلمية المتعلقة بتلك العلوم، ولم يكن مستوعبًا للمفاهيم العلمية المعاصرة، وهذه هي الصفة الغالبة لكثير من الفقهاء في هذا العصر، ولذلك أرى أنه لا بد من اجتماع الفقهاء مع المتخصصين في العلوم المعاصرة عند بحث القضايا الفقهية المعينة، فإذا كانت القضية المراد بحثها تتعلق بالاقتصاد، كبطاقات الائتمان أو الإجارة المنتهية بالتمليك أو المشاركة المنتهية بالتمليك، فلا بد من اجتماع الفقهاء مع الاقتصاديــين، فيبدأ الاقتصاديون بشــرح القضية بكــل ما يحيط بها من ظروف، ويترك المجال للفقهاء للاستفسار والمناقشة ليتحقق التصور الكامل عن القضية، ثم يحاول الفقهاء استنباط الحكم الشرعي لتلك القضية، وفق أصول الاستنباط المقررة في أصول الفقه.
وإذا كانت القضية المراد بحثها تتعلق بالطب، كالإجهاض أو التلقيح الاصطناعي، اجتمع الفقهاء مع الأطباء، وتولى الأطباء شرح القضية بكل ما يحيط بها من ظروف، ويترك المجال للفقهاء للاستفسار ليتمكنوا من استنباط الحكم الشرعي لتلك القضية، هذا ما يجري في مؤسسات الاجتهاد الجماعي، كمجمع الفقه الإسلامي، والمؤتمرات والندوات العلمية. وتعتبر هذه الوسيلة من أجدى الوسائل لتحقيق الاجتهاد المعاصر.
2- الاطلاع على التغيرات الاجتماعية والسياسية وغيرها:
ظهرت في هذا العصر تغيرات كثيرة وخطيرة في مجال الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغير ذلك. فعلى الفقيه مراعاة تلك التغيرات عند استنباط الأحكام الشرعية أو النظر في أقوال الفقهاء السابقــين، لأن الفقيه الذي يعيــش عصــره لا بــد له من الإلمام بكل ما يقــدم في المجتــمع من ضلالات ومـؤامـرات تحاك ضد المسلمين، فلا بد للفقيه من الاطلاع على الديمقراطية والعولمة والنظام العالمي الجديد. ولفقهاء هذا العصر قدوة في شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد كان ملمًا بكل ما في عصره من تغيرات وضلالات. وقد مر هو وتلاميذه مرة على مجموعة من جنود التتار، وهم يشربون الخمر، فأراد بعض التلاميذ أن ينهــاهم عن شــرب الخمر، فقــال له: دعهم يشــربـون فإن في شربهم دفع الأذى عن المسلمين. وقد كتب عن الفرق الضالة في عصره.
فهذه التغيرات تساعد الفقيه المعاصر على اختيار بعض الأقوال الفقهية القديمة التي تلائم هذا العصر، والإعراض عن بعض الأقوال التي لم تعد تلائم الأوضاع الجديدة بحال.
ومن الأمثلة على ذلك:
أ- في المجال الاجتماعي، أفتى الفقهاء المتأخرون أن المرأة الشابة تمنع من الذهاب إلى المسجد للصلاة فيه، فتصلي في بيتها، وعلى أبيها أو زوجها أن يعلمها أمور دينها.
فهذا إن قيل به في العصور الماضية يوم أن كانت المرأة حبيسة بيتها، فلا يجوز أن يقال به اليوم بعد أن خرجت المرأة إلى المدرسة والجامعة والسوق والعمل، وأصبح المكان الوحيد المحرم عليها هو المسجد. فالمسجد ليس دارًا للعبادة فحسب، بل هو جامع للعبادة وجامع للعلم ومنتدى للتعارف ومركز للنشاط، يلتقي فيه أبناء البلد أو الحي فيتفقهون ويتأدبون ويتعارفون ويتآلفون.
وإذا كان الفقهاء السابقون قد وكلوا الأب والزوج في تعليم المرأة، وتفقيهها في دينها، فالواقع يقول: إن الآباء والأزواج لم يقوموا بمهماتهم; إما لانشغالهم أو لعدم قدرتهم على ذلك، فلا بد أن يسمح للمرأة أن تذهب إلى المسجد. والحديث الصحيح يؤيد ذلك، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
ب- وفي مجال التغيرات السياسية، طرأ على النظام السياسي تنظيم حق الشعوب في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتقييد سلطتهم وعزلهم إذا خانوا دستور البلاد. وهذا يجعل الفقيه يرجح القول الذي يدعم هذا المبدأ. ففي اختلاف الفقهاء في كون الشورى ملزمة أو معلمة يمكن ترجيح كونها ملزمة، فلا يجوز للحاكم المسلم أن يستشير أهل الحل والعقد ويضرب بآرائهم عرض الحائط وينفذ ما يراه.
جـ- وفي مجال التغيرات الدولية، فإن العالم قد تقارب حتى غدا كأنه مدينة واحدة أو قرية كبيرة، وقد ربطت جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية السياسية والثقافية والاقتصادية بين دول العالم بعضــها ببــعض، وأصبح الجميع أعضاء في هيــئــة الأمم المتـــحدة، وما يتفرع عنها من مؤسسات.
وهذا يجعل الفقيه المعاصر يرجح القول الذي يدعم هذا المبدأ، ومن ذلك اختلاف الفقهاء في علاقة المسلمين بغيرهم; هل هي السلم أو الحرب ? فيرجح الفقيه أن الأصل في العلاقة السلم.
د- وفي مجال التغيرات الاقتصادية، شد أزر الفئات المسحوقة و الضعيفة في المجتمع. وهذا يجعل الفقيه المعاصر يرجح القول الفقهي الذي يدعم ذلك المبدأ، ومن ذلك اختلاف الفقهاء في مقدار ما يدفع للفقير من الزكاة. فقيل: يعطى أقل النصاب، وقيل: يعطى ما يكفيه لمدة سنة، وقيل: ما يغنيه طول العمر.. فيرجح الفقيه قول الشافعي ويعطي الفقير ما يغنيه طول العمر لكن بشرط أن تتسع حصيلة الزكاة لذلك. كما أن الفقهاء اختلفوا في مجال الاحتكار. هل هو بالأقوات أو في كل ما يضر الناس ? فيرجح الفقيه قول أبي يوسف: إن مجال الاحتكار كل ما يضر الناس حبسه فهو احتكار.
3- مراعاة ضرورات العصر وحاجاته:
على الفقيه الذي يجتهد لعموم الناس أن يراعي ضروراتهم وحاجاتهم، فييسر عليهم، ويخفف عنهم في الأحكام العملية، عملاً بقوله - تعالى -: يريـــــــد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (البقرة: 185)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري ومعـاذ ابن جبل حينما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا).
فهذه الضرورات هي التي جعلت الفقهاء المتأخرين يجيزون أخذ الأجرة على تعليم القرآن والأذان والإقامة، وهي التي جعلت العلماء المعاصرين يجيزون بيع المصحف لحاجة الناس إلى ذلك. وهي التي جعلت العلماء يجيزون للمرأة الحائض طواف الإفاضة بعد تحفظها واحتياطها من نزول شيء من الدم. كما جعلتهم يجيزون رمي الجمرات في اليوم الأخير قبل الزوال نظرًا لضرورات الزحام الهائل.
مما سبق يتبين أن طالب الفقه يحتاج إلى دراسة: اللغة الإنجليزية، والحاسوب، وعلم الأحياء، وعلم الإنسان، والمدخل إلى العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وغير ذلك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.87%)]