الحكم التكليفي لتكوين الملكة الفقهية وفضلها وأهميتها (2)
محمد عثمان شبير
يقصد من هذا المبحث إيجاد الدافعية لتعلم الفقه وتحصيل الملكة الفقهية، وذلك ببيان حكم تكوينها التكليفي، وفضل تحصيلها، وأهمية وجودها.. وفيما يلي بيان لهذه الأمور:
المطلب الأول: الحكم التكليفي لتكوين الملكة الفقهية:
نص الفقهاء على أن طلب العلم الشرعي بما فيه الفقه، وتحصيل الملكة فيه، فرض كفاية إلا فيما يتعين طلبه، مثل ما هو مطلوب من المسلم لأداء ما وجب عليه: كتعلم صفة الوضوء والصلاة والصوم، وأحكام الزكاة إذا كان يملك مالاً، وأحكام المعاملات إذا كان تاجرًا، فــإن تعـــلم هذه الأحكـــام يكـــون فــرض عــين، أمــا ما عـــدا ذلك من التخصص في الفقه وتكوين الملكة فيه فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض الذي يسد حاجة المجتمع من قضاة ومفتين ومدرسين ومجتهدين، سقط الإثم عن أفراد المجتمع، وإلا لحق الإثم الجميع.. فقد ذكر ابن عـــابدين أن تعــلم الفــقه ممـــا زاد على ما يحتاج إليه في دينه فرض كفاية(1). وقال ابن رشد: (طلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد)(2).. وقال الخطيب الشربيني: (ومن فروض الكفايات القيام بعلوم الشرع: كتفسير وحديث والفروع الفقهية الزائدة على ما لا بد منه)(3).. وقال ابن تيمية: (طلب العلــم الشـــرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمـــره الله به ونهاه عنه، فــإن هـــذا فـــرض على الأعيان)(4).
ومما يدل على اعتبار تكــوين الملـــكة الفقهية فرض كفاية، الأدلة التالية:
1- قال - تعالى -: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة: 122).
الآية تدل على وجوب تعميم التفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداة لغيرهم.. وأن المتخصصين لهذا الفقه بهذه النية لا يقلون في الدرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله والدفاع عن الملة والأمة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضًا عينيًا(5).
2- وقال - تعالى -: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)(النساء: 83).
قال النـــووي: (الاعــتنــاء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة; لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، وإذا أهمــل الاستنــباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو بعضها)(6).
3- وروي عن ثوبان أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)(7).
فسر البخاري الطائفة الظاهرة بأهل العلم من الفقهاء; لأنه أيد ذلك بذكر حديث: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله)(8).
وقد اختلف العلماء في المراد بالطائفة، فقيل: أهل العلم. وقال أحمد: أهل الحديث.. وقال النووي: (يجوز أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع من المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين من أقطار الأرض)(9).
فالحديث يدل على أنه لا يجوز أن يخلو الزمان من فقهاء مجتهدين مما تحتاج لهم الأمة كما قال الإمام علي رضي الله عنه: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا)(10).
4- ولأنه بتكوين الملكة الفقهية دفع لحاجة المجتمع إلى الوظائف العامة من قضاء وفتيا وحسبة وتدريس وغير ذلك.
المطلب الثاني: فضل تحصيل الملكة الفقهية:
بيَّن الإسلام فضل العلماء عامة والفقهاء خاصة في عدة نصوص من القرآن والسنة، نذكر منها:
1- قوله - تعالى -: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتُوا العلم درجات)(المجادلة: 11).
2- قوله - تعالى -: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)(آل عمران: 79).
3- ما روي عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية - رضي الله عنه - خطيبًا يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين...)(11).
4- عن أبي بردة عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضًا: فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)(12).
فنقية بمعنى: طيبة.. وقد دل الحديث على فضل الفقه والفقيه، فالفقـــه كالغـــيث يحيي القلوب الميتة، والفقيه العامل بمنزلة الأرض الطيبة التي شربت الماء فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها(13).
5- وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فقيه (واحد) أشد على الشيطان من ألف عابد)(14).
قال ابن العـــربي في فضــل الفـــقيه الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة: (إذا كان رجل متماديًا على العمل لا يفتر، وآخر حسن الفهم والتدبر في الشريعة لما يتذكر به ويذكر، كان عمل هذا أضعاف ذلك، لأن فعله وافر ونظره صادق، يقدر بفهمه مواقع التلبيس عليه في تلبيس إبليس، فيكون عمله وافرًا مخلصًا آمنًا)(15).
6- وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.. إن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) (16).
المطلب الثالث: أهمية وجود الملكة الفقهية:
يمكن إدراك أهمية وجود الملكة الفقهية من خلال تلمس فوائدها لكل من الفقيه والمجتمع الذي يعيش فيه.
أولاً: فوائد الملكة الفقهية للفقيه:
إن المستفيد الأول من وجود الملكة الفقهية هو الفقيه، حيث تحصل له عدة فوائد عملية منها:
1- النضوج العقلي والفكري:
إن الملكة الفقهية بما تشتمل عليه من أنواع الملكات تزيد الفقيه ذكاء في عقله وإضاءة في فكره; لأن النفس تزداد كَيَسًا بالعلوم والملكات التي توجد فيها، قال ابن خلدون: (حسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاءً في عقله وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس، إذ قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يُرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كَيَسًا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية، فيظنه (أي الذكاء) العامي تفاوتًا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك)(17).
سئل أحد المبدعين المعاصرين الغربيين، وأظنه (نيوتن)، عن سبب إبداعه فقال: (إن 97% منه يرجع إلى الجد والمثابرة في التحصيل، و3% يرجع إلى الذكاء).
2- الحذق في الفقه والتفنن فيه والاستيلاء عليه:
إن الملكة الفقهية تجعل الفقيه حاذقًا في علم الفقه، متمكنًا منه، قادرًا على الإبداع فيه والعطاء، بالتأليف وتصوير المسائل تصويرًا دقيقًا ورد الشبهات عنه، يقــول ابن خلدون: (إن الحـــذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله.. ما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلاً)(18). وذكر الفيروزآبادي: (إن المصنفين المعتبرة تصانيفهم فريقان:
الأول: من له في العلم ملكة تامة ودربة كافية، وتجارب دقيقة، وحدس ثاقب صائب، واستحضار قريب.. وتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي، تجمع إلى تحرير المعاني تهذيب الألفاظ، وهذه لا يستغني عنها أحد من العلماء، فإن نتائج الأفكار لا تقف عند حد، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ، وهؤلاء أحسنوا إلى الناس كما أحسن الله إليهم، زكاة لعلومهم، وإبقاء للذكر الجميل في الدنيا والأجر الجزيل في الأخرى.
الثاني: من له ذهن ثاقب، وعبارة طلقة، ووقعت له كتب جيدة جمة الفوائد لكنها غير رائقة في التأليف والنظم فاستخرج دررها وأحسن نضدها ونظمها.. وهذه ينتفع بها المبتدئون والمتوسطون، وهؤلاء مشكورون على ذلك محمودون)(19).
وقد مثل صديق حسن خان للفريق الأول بتصانيف العضد الإيجي، والسعد التفتازاني والجلال الدواني(20).. ويضاف إلى ذلك تصانيف شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني، فإن تصانيفهم مما ينفع العلماء عامة والفقهاء خاصة.
3- الوصول إلى آراء فقهية ناضجة:
إن الفقيه صاحب الملكة الفقهية الراسخة يتمكن من الوصول إلى آراء فقهية ناضجة مبنية على أصول الاستنباط وعلل الأحكام ومآخذها. وقد تجلى ذلك في كثير من العلماء، مثل الإمام أبي عبد الله محمد المقري (759هـ) صاحب كتاب القواعد الفقهية، حيث يقول الدكتور محمد أبو الأجفان: (وبالملكة الفقهية الحاصلة للمقري كانت له أنظار اجتهادية تجلت في الترجيح بين الأقوال، وتوجيه الآراء، وتعليل الأحكام، والرجوع إلى المدارك الأصلية، للدعم أحيانًا وللاستنتاج أحيانًا أخرى)(21).
4- القدرة على استخراج الأحكام الخفية من الأدلة البعيدة:
إن الذي يميز الفقيه صاحب الملكة الفقهية الراسخة عن غيره من الفقهاء، القدرة على استخراج واستنباط الأحكام الخفية من الأدلة البعيدة أو غير المباشرة، كأن يستنبط الأحكام العقائدية والفقهية من الآيات التي تتعلق بقصص القرآن وغيرها مما ليس له علاقة بالعقيدة أو الفقه، قال الشهرستاني: (بأي شيء يعرف العامي أن العالم قد وصل إلى حد الاجتهاد؟ وكذلك المجتهد نفسه من يعلم أنه استكمل شرائط الاجتهاد؟ يظهر أن العالم يعرف ذلك من نفسه، بأن يعلم أنه أتقن آلاته كل الإتقان، ووجد له ملكة وقدرة على الاستنباط واستخراج الأحكام الخفية من الأدلة البعيدة)(22).
ومثل الشهرستاني لذلك بإمام الحرمـــين الجـــويني حينما سئل ما الدليل على أن الباري - تعالى - ليس له جهة؟ فقال: (الدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تفضلوني على يونس بن متى)، فخفي وجه الدلالة على الحاضرين، فقرره لهم بطريقه)(23).
وقد عقب الشهرستاني على ذلك بقوله: (فمثـــل هذا الاستنــباط الدقيـــــق إنما يدركه مجتهد بخلاف الأحكام الظـــاهرة من الأدلة القريبة، فإن ذلك يقدر عليه كل عالم، وإن لم يبـــلغ درجة الاجتهاد)(24).
وقد استنبط الشافعي من قوله - تعالى -: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ً)(مريم: 92)، أن من ملك ولده عتق عليه(25).
5- شدة الحذر في الفتوى:
إن نظر الفقيه صاحب الملكة الفقهية الراسخة في القضية الفقهية المطروحة عليه يكون أتم وأشمل، حيث إنه عند وضع تصور لتلك القضية يضع كل الاحتمالات ويورد كل الإشكالات والمعضلات التي تتعلق بتلك القضية، ويعمل عقله في إيجاد الحلول المناسبة لتلك الإشكالات والمعضلات، وهذا مما يجعله يتوقف فيها أحيانًا، ويتردد فيها أحيانًا أخرى.
وهذه مزية في الفقيـــه كما يقول المناوي: (إن المجتهد كلما ازداد عـــلمًا وتدقيـــقًا وكان نظـــره أتم انفـــتاحًا وتحقــيقًا تكـــاثرت عليه الإشكالات الموجــبة للتوقـــف لديه، وتزاحــمت المعضـــلات بين يديه)(26).
وقد رد المناوي على من اتهم الإمام الشافعي بقلة العلم للتردد في بعض المسائل الفقهية، وذكر وجهين فيها بقوله: (وقد نقل عن بعض العلماء أنه ذكرت عنده هذه المسألة فقال: لو لم يكن للشافعي على غيره مزية ورجحان إلا بتردد أقواله لكفانا كفاية ومقنعًا، فإنه ما نشأ تردد أقواله إلا لفائض نظره ودقيق فكره لهذه الخبايا والخفايا. نعوذ بالله من حسد يعمي الأبصار والبصائر)(27).
ثانيًا: فوائد الملكة الفقهية للمجتمع:
إن عودة الفقهاء ذوي الملكات الفقهية حاجة اجتماعية ملحة، تحقق للمجتمع الاستقرار، وتمنحه القدرة على النمو ومواكبة المستجدات. وفيما يلي بعض الفوائد التي تتحقق للمجتمع الإسلامي من وجود الفقهاء ذوي الملكات الفقهية الراسخة:
1- معالجة قضايا العصر ومشكلاته ووقائعه المستجدة:
إن لكل عصـــر قضــاياه ومشكلاته ووقـــــائعـــه المتجـــددة التي لم يتكلم عنها الفقهاء السابقون. فلا بد من الفقهاء ذوي الملكات الفقهية الراسخة للاجتهاد في تلك القضايا والمشكلات والوقائع، وإلا أدى ذلك إلى عزل المجتمع وتجميـــده، ومن ثم أن يلــهث المجتـــمع الإسلامي وراء السراب في البلاد الغربية، فيستعير منها قوانينها المخالفة لعقيدة الأمة وشريعتها، ويستورد منها حلول مشكلاتها ليطبقها كما هي على مشكلاته، فيقع في التخبط والهوان والضنك.
إن عودة الفقهاء ذوي الملكات الفقهية حاجة اجتماعية لمواجهة الحقائق التي ظهرت في هذا العصر، وبيان الحكم الشرعي في استعمال جميع ما استحدث مثل: الاستنساخ والتلقيح الاصطناعي وغير ذلك.
2- ترشيد الصحوة الإسلامية:
لم تقف الصحوة الإسلامية المعاصرة عند حدود الدعوة الفردية وتربية الأفراد، وإنما خاضت غمار السياسة، فشاركت في الوزارة لبعض الدول المعاصرة، وعقدت عدة تحالفات مع بعض الأحزاب السياسية غير الإسلامية، وشاركت في الانتخابات النيابية والبلدية وغير ذلك.
وقد تحمس بعض المخلصين لهذه الأعمال واعتبروها من المصالح المرسلة، في حين منع فريق آخر من المخلصين بعض الأعمال السياسية واعتبروها من الأضرار التي تؤدي إلى ضياع العملية التربوية، وتناحر الطرفان إلى حد المنازعة والمشادة الكلامية والمعاداة; مما قد يترتب عليه انقسام الجماعة الواحدة إلى أقسام، ومن ثم ضياع جهود سنوات طويلة من الإعداد والتربية وهداية الناس.
فلا بد من الفقهاء ذوي الملكات الفقهية لحسم هذا الاختلاف وبيان الرأي الراجح، الذي يستند إلى النصوص الشرعية وواقع المسلمين اليوم ومصلحة الأمة الإسلامية، ويستعين هؤلاء الفقهاء في معرفة تلك المصلحة بأهل الخبرة في الشؤون السياسية، وذلك لضمان وحدة الجماعة الإسلامية وعدم تشرذمها.
3- ترشيد المؤسسات المالية الإسلامية:
ظهر في هذا العصر كثير من المؤسسات المالية الإسلامية كالمصارف الإسلامية، وشركات التأمين الإسلامية، وقد زاد عددها على المائتين. وأظهرت هذه المؤسسات العديد من القضايا الاقتصادية التي تحتاج إلى اجتهاد فقهي مثل: المرابحة للآمر بالشراء، والإجارة المنتهية بالتمليك، وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. هذا بالإضافة إلى أن أغلب القائمين على تنفيذ الصيغ الإسلامية في تلك المؤسسات هم من خريجي كليات التجارة المعاصرة التي يغلب على مقرراتها الاقتصاد الوضعي، ويقعون في أخطاء شرعية عند التنفيذ.
فلا بد من عودة الفقهاء ذوي الملكات الفقهية الراسخة للاجتهاد في القضايا الاقتصادية المعاصرة، ووضع المعايير الشرعية الواضحة للالتزام بها، ولا بد من مراقبة دائمة لأعمال المؤسسات الإسلامية من قبل لجان رقابة شرعية دائمة تتكون من الفقهاء العامـــلين المخلــصين، وإلا أصبـــــحت تــلك المـــؤسسات الإســــلاميـــ ة لا تختلف كثيرًا عن المؤسسات غير الإسلامية.
4- تذليل طريق العودة لقيام المجتمع الإسلامي:
المجتمع الإسلامي يتطلع بشوق للعودة للإسلام، وهذه العودة تحتاج إلى الفقيه صاحب الملكة الفقهية القادر على تقنين الفقه الإسلامي، وتقديم النظريات والنظم الإسلامية التي نعتز بها; لتكون دستورًا هاديًا ومنقذًا للمجتمع مما يعاني من تخبط وشقاء في أنظمته وشرائعه وسائر علاقاته في ميادين الحياة المختلفة.
الفصل الثاني مقومات الملكة الفقهية
المبحث الأول: الاستعداد العقلي والروحي والشخصي للمتفقه
الملكة الفقهية تحصل لطالب الفقه بوجود مقوماتها، حيث يغرسها المدرس الحاذق في نفس الطالب المستعد لذلك، وفق منهاج دراسي أصيل. وسيشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
1- الاستعداد العقلي والروحي والشخصي للمتفقه.
2- المدرس الحاذق والقدوة.
3- المنهاج الدراسي الأصيل.
4- الطريقة المثلى في تدريس الفقه.
المبحث الأول: الاستعداد العقلي والروحي والشخصي للمتفقه
مثّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لطالب العلم بالأرض التي تستقبل الماء، وتنبت الزرع، فإذا كانت الأرض صالحة انتفعت بالماء في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، وكذلك طالب العلم إذا كان مستعدًا لتلقي العلم عقليًا وروحيًا وشخصيًا. وفيما يلي تفصيل ذلك الاستعداد.
المطلب الأول: الاستعداد العقلي للمتفقه:
لا تحصل الملكة الفقهية لطالب العلم الشرعي إلا إذا كان قوي المدارك، يعرف مقتضى الكلام ومعناه، فيدرك ما إذا كان اللفظ مجردًا عن القرائن، أو أن له قرينة تصرفه عن ظاهره، سمعية كانت أو لفظية، وهو الذي عبر عنه صاحب جمع الجوامع بقوله: (فقه النفس)(1) وشرحه الجلال المحلي بقول: (شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام)(2)، ووضحه الماوردي بقوله: (الفطنة والذكاء ما يصل به إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق، وإن قلّت فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد)(3).
وعبر عنه المحلي بالعقل. والعقل غريزة لا تتعلق بالاكتساب. وكلما كان العقل أقرب إلى حالته الطبيعية كلما انطبعت فيه الملكات، كما يعتقد ابن خلدون(4).
وقد جعل الله العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الفهم، ومعقل العقل، ونـــور الأبصار، بها يســـتدل على ما أخبر به من علم الغيوب، فيها يقدرون الأعمال قبل كونها، ويعرفون عواقبها قبل وجودها، وعنها تصدر الجوارح بالفعال بأمرها، فتسارع إلى طاعتها، أو تزجرها فتمسك عن مكروهها(5).
وقد اختلف في تحديد ماهية العقل تبعًا لكثرة وظائفه، فنقل عن كل من أحمد بن حنبل والمحاسبي أنه غريزة. وروي عن المحاسبي أنه نور في القلب، وقيل: جوهر روحاني خلقه الله - تعالى - متعلقًا ببدن الإنسان، وقيل: قوة للنفس الناطقة، وقيل: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات(6).
والتحقيق -كما قال ابن الجوزي- (أن يقال: العقل ينطق بالاشتراك على أربعة معان. أحدها: الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم، وهو الذي استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده من قال: غريزة، وكأنه نور يقذف في القلب يستعد به لإدراك الأشياء. والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلاً. والرابع: أنه منتهى قوته الغريزية إلى أن يقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة)(7).
ومن الواضح أن العقول متفــاوتة في الاستعداد لتلقي العلوم، فلا بد من اختبار أعلى المستويات العقلية والذهنية لدراسة الفقه الإسلامي. فقد كانت الأمة الإسلامية توجه أبناءها الأذكياء لدراسة الفقه، أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.
ولذلك كان على الأمة إيجاد محاضن للأذكياء وتوجيههم نحو دراسة الشريعة الإسلامية منذ المراحل الأولى للدراسة، والتركيز عليهم من الناحية الأخلاقية والعلمية ومتابعتهم حتى تحصل لهم الملكة الفقهية.
ويراعى في اختيار هؤلاء الأذكياء أن يكونوا ذوي عزائم قوية، ومواهب فطرية تتعلق بدراسة الفقه الإسلامي. ولا يكتفى في اختيارهم على شهاداتهم التي تثبت درجاتهم في المـــواد التي يدرسونها، بل لا بد من اختبار لقياس القدرات والإمكانات والمواهب.
وتتم متابعة هؤلاء الأذكياء وتوجيههم باحترام شخصية الطلاب، وتقوية عزيمتهم وبعثها لنيل الدرجات العليا، وتقديم الحوافز المادية والمعنوية لهم. كما ينبغي على الموجهين الابتعاد عن أساليب التحقير والتقنيط والتشديد، وغير ذلك. ولا بد من أن نخص هؤلاء الأذكياء بدروس إضافية تتلائم مع ما يمتلكون من مواهب وقدرات. يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس في رعاية هؤلاء الأذكياء: (رأيت أن لهم الحق أن يأخذوا حظهم من التربية والتعليم على وجـــه ينــاسبهم، فأسست لهم درسًا يوم الأحد من كل أسبوع...)(8).
المطلب الثاني: الاستعداد الروحي والخلقي للمتفقه:
إذا كان العلم الشرعي نورًا يقذفه الله في قلوب المؤمنين الطائعين المخلصين، فلا بد في المتفقه أن يكون صافي النفس من أدران الدنيا وشوائبها، مخلصًا في طلب الحق والمعرفة، لا يقصد بذلك إلا وجه الله - تعالى -، وأن يكون عدلاً في دينه، يلتزم الطاعات ويجتنب المعاصي(9). وقد دلت على ذلك الآيات والأحاديث وآثار الصحابة والسلف الصالح.. ومن ذلك:
1- قوله - تعالى -: (... ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، وإذاً لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا، ولهديناهم صراطًا مستقيمًا) (النساء: 66-68).
2- قوله - تعالى -: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولوا الألباب)(البقرة: 269).
3- قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)(10).
4- وقد كان السلف الصالح لا يقدمون على درس أو مطالعة إلا إذا تطهروا، وكانوا على جانب كبير من الاستعداد الروحي حتى يكونوا أقرب إلى الله - تعالى -، وإذا أعوزهم البحث توجهوا إلى الله - تعالى - بالدعاء والذكر أن يفتح عليهم فتوح العارفين فيما لم تهيئه لهم عقليتهم الضعيفة.
5- وقد بين الشافعي - رضي الله عنه - أن العلم نور يقذفه الله في قلوب الطائعين ويحجبه عن العاصين، فقال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبـرني بـأن العــلم نـور ونور الله لا يهـــدى لعاصي(11)
بهذا يتبين أن الملكة الفقهية تحتاج من الفقيه إلى استعداد روحي; لأنها هبة من الله - تعالى -، وهبة الله - تعالى - لا تهدى إلى عاص، بل لا بد أن تصادف قلبًا مخلصًا ونفسًا زكية، كما قال الصنعاني: (إن الاجتهاد موهبة من الله يهبه لمن يشاء من العباد)(12).
وكانت الأوائل يختبرون المتعلم أولاً، فإن وجدوا فيه خلقًا رديئًا منعـــــوه، لئــلا يصــير آلة الفســاد، وإن وجــــدوه مهـــذبًا علمــــوه، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خوفًا على فساد دينه ودين غيره(13).
فعلى القائمين على كليات الشريعة اليوم إجراء المقابلات الشخصية للطلبة المتقدمين لدراسة العلوم الشرعية للتأكد من سلامة قلوبهم وعدم خبث طويتهم. كما ينبغي عليهم متابعة الطلبة الذين التحقوا بكليات الشريعة، ليطبقوا ما يدرسون من علوم شرعية، ويلتزموا بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، ويتحلوا بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، وينشروا العلم الذي تعلموه بين أقوامهم.
المطلب الثالث: الاستعداد الشخصي للمتفقه:
الملكة الفقهية تحتاج من المتفقه إلى استعداد شخصي يتمثل في الجد والهمة في طلب العلم، فإن الإنسان يطير بهما إلى الدرجات الشاهقة في العلم، وأنه مهما بلغ الإنسان من درجات في العلم يبقى بحاجة إلى المزيد، فلا بد من أن يبذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراه الناس واقفًا إلا على أبواب العلم، ولا باسطًا يديه إلا لمهمات الأمور.
فطالب الفقه يستكثر من ميراث النبوة، ويذاكره باستمرار، ويتعاهده بالحفظ لأن العلم ما ثبت في الخواطر لا ما أودع في الدفاتر. فعن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما مثلُ صاحبِ القرآن كمثل صاحب الإبل المُعَقَّلةِ، إن عَاهَد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)(14).
فالحديث يدل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب عنه. فإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فإن العلوم الأخرى من فقه وحديث تذهب من باب أولى بعدم التعاهد.
وطالب الفقه ينبغي له أن يبذل جهده في تقييد العلم وكتابته لأن تقييد العلم بالكتابة أمان له من الضياع. كما ينبغي عليه أن يجعل دفترًا لتقييد ما يسمع من الفوائد ويستنبطه من الزوائد; فإن العلم صيد والكتابة قيد.
وطالب الفقه ينبــغي له أن يبحـث عن العــلم في أي مكـان، ولا يقتصر على ما يتلقاه من بعض المدرسين، بل يرحل إلى من يفيده في العلم ويدرس عليه بعض العلوم الضرورية لتكوين الملكة الفقهية.فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.