أن تتزين لزوجها:
فالإسلام أباح الزينة للمرأة، ووسَّع لها في ذلك، ما لم يُجِزْه للرجل، فقد أحل لها الذهب والحرير والزينة المباحة، وهي خير ما تمتلك به المرأة قلب الرجل، فما أسعد الرجل حينما يرى زوجته نظيفةً متزينة متعطرة، فزينتها وعطرها، ينسي متاعب الحياة، وابتسامتها بلسم يداوي الآلام، واستقبالها الطيب له ينسف جبال الهموم التي يلاقيها، فهي بحق خير النساء.
وقد أخرج الطبراني في "الكبير" - بسند صحيح - من حديث عبدالله بن سلام مرفوعًا: ((خير النساء امرأة: مَن تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك)).
وأخرج الإمام أحمد والنسائي - وحسنه الألباني في الإرواء - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)).
وما أعظم ما أوصت به أمامة بنت الحارث ابنتها في شأن النظافة أمام زوجها، فقالت لها: "عليك بالتعهد لموقع عينيه، والتفقُّد لموضع أنفه، فلا تقع عينه على قبيح، ولا يَشَمُّ منك إلا أطيبَ ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود".
وهناك البعض من الزوجات تتجاهل هذا الحق، فلا يراها الزوج إلا مبتذَلة بملابس المطبخ، تعلوها رائحة المطبخ، شعرها ثائر غير منسَّق، فإذا خرجت من بيتها، تكون في أكمل هيئتها، وأحسن صورتها، فاحذري أيتها الزوجة إهمال الزينة؛ فإن هذا يؤذِن بأمر لا تحبه الزوجة.
وعدم تزيُّن المرأة مخالف للفطرة التي فطر الله عليها النساء، وإلى هذا يشير قوله - تعالى -: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18].
ولهذا أباح الله - تعالى - للنساء من التحلّي واللباس ما حرَّمه على الرجال؛ لحاجتهن إلى التزين للأزواج، فعلى المرأة أن تتزين لزوجها، وهذا من حقه عليها، وإن تجاوزت من العمر ما تجاوزت؛ فذلك من أسباب الأُلفة والتودُّد.
أن تشكر لزوجها، وتعترف بفضله ولا تجحده:
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده - بسند صحيح - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس)).
وفي رواية عند الترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن لم يشكر الناس لا يشكر الله)).
• فشكر الزوج أوجَب وألَزم، فينبغي على المرأة أن تشكر لزوجها وتعترف بفضله، فهو سبب جعله الله ليكفيَها مُؤْنَة الحياة، ويوفر لها الحياة الهنيئة، ولا يحوجها لأحد، ويتعَب من أجلها، فمَن لا تشكر زوجها، فهي أبعد ما تكون من الله؛ فقد أخرج الإمام أحمد - بسند صحيح - من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه))؛ السلسلة الصحيحة (289).
وليس الشكر باللسان فحسب، ثم تؤذيه بمساوئ الأفعال والأقوال والأخلاق، وإنما القصد إظهار السرور والراحة بالحياة في كَنَفِه، والقيام على أموره، وخدمته، وعدم الشكاية.
• ولا ينبغي للمرأة أن تنسى كل إحسان وفضْل للزوج بسبب صدور شيء منه، فتقول له: ما رأيت خيرًا منك قط، وهذا هو كفران العشير، الذي حذَّر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن أنه سبب لدخول النار.
فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للنساء: ((يا معشر النساء، تصدَّقنَ، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار))، فقلن: وبِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تُكْثِرن من اللعن، وتَكْفُرن العشير[7])).
وأخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "أنه لما خَسَفت الشمس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعد صلاته: ((إني رأيت الجنة - أو أُريت الجنة - فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته، لأكلتم منه ما بَقِيت الجنة، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء))، قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((بكُفْرهنَّ))، قيل: يَكفرن بالله؟ قال: ((يَكفُرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قط)).
وعند البخاري في "الأدب المفرد" عن أسماء ابنة زيد الأنصارية قالت: "مر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في جوار أَتْرَاب لي، فسلم علينا، وقال: ((إياكن وكُفر المنعمين))، فقلت: يا رسول الله، وما كُفر المنعمين؟ قال: ((لعل إحداكنَّ تطول أَيْمَتُها من أبوَيها، ثم يرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه ولدًا، فتغضب الغضبة، فتَكفر، فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط))؛ السلسلة الصحيحة (823).
أن تقوم بخدمته وخدمة أولادها:
فعلى المرأة أن تقوم على خدمة الزوج، وتدبير المنزل، وتهيئة أسباب المعيشة به، لكن هل هذا واجب على المرأة فعْله، أم تفعله على سبيل الإحسان والتبرع، وأنه من باب النافلة؟
هذه مسألة خلافية، اختلف فيها أهل العلم على قولين:
القول الأول: وهو أنه لا تجب خدمة المرأة لزوجها، وهذا قول الجمهور.
وقالوا: ينبغي على الزوج أن يوفِّر لها مَن يقوم بخدمة حوائجها؛ لأن المعقود من جهتها الاستمتاع، فلا يلزمها غيره.
القول الثاني: وهو أنه تجب خدمة المرأة لزوجها، وهذا مذهب مالك وأَصْبغ - كما في "الفتح" (9/ 418) - وأبي ثور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا الجَوْزَجاني من الحنابلة - كما في "الاختيارات"، ص (145) - وهذا هو الراجح الذي رجَّحه طائفة من السلف والخلف؛ منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.
قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" (34/ 90 - 91):
"وتنازَع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز والطحن، والطعام لمالكيه وبهائمه، مثل علف دابته ونحو ذلك؟
فمنهم مَن قال: لا تجب الخدمة، وهذا القول ضعيف، كضَعف قول مَن قال: لا تجب عليه العِشرة والوطء، فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان، وصاحبه في المسكن، إن لم يعاونه على مصالحه، لم يكن قد عاشَره بالمعروف.
وقيل - وهو الصواب -: وجوب الخدمة، فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسُنة رسول الله؛ فقد أخرج مسلم: ((اتقوا الله في النساء، فإنهن عَوان عندكم)).
وعلى العاني - أي الأسير - والعبد الخدمة؛ لأن ذلك هو المعروف.
ثم من هؤلاء مَن قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوُّع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة، وهذا هو الصواب في رأي العلماء"؛ ا.هـ.
ويقول ابن القيم كما في "زاد المعاد" (5/ 187 - 188):
واحتج من أوجب الخدمة: بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله - سبحانه - بكلامه.
وأيضًا: فإن المهر في مقابلة البُضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمته، وما جرت به عادة الأزواج.
وأيضًا: فإن العقود المطلقة إنما تَنزل على العُرف، والعرف: خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلية.
وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرُّعًا وإحسانًا، يرده: أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها والزبير معه، لم يقل: لا خدمة عليها، وإن هذا ظلمٌ لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقر سائر الصحابة على استخدام أزواجهم، مع عِلمه أن منهنَّ الكارهة والراضية، وهذا أمر لا ريبَ فيه، ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءته - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه الخدمة، فلم يُشكها - يُزِل شكواها - وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: ((اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عَوَان عندكم))؛ والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة مَن هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوع من الرِّق، كما قال بعض السلف: النكاح رِقٌّ، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين، والأقوى من الدليلين"؛ ا.هـ من كلام ابن القيم - رحمه الله.
ويقول الشيخ الألباني - رحمه الله - كما في "آداب الزفاف"، ص (216): "وقول بعضهم: إن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام، فهذا مردود؛ وذلك لأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية.
ومن المعلوم أن الله - تبارك وتعالى - قد أوجب على الزوج شيئًا آخر لزوجته، ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها - مقابل ذلك - شيء آخر أيضًا لزوجها، وما هو إلا خدمتها إياه، ولا سيما أنه القوام عليها بنص القرآن الكريم، وإذا لم تقم هي بالخدمة، فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوَّامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثبَت أنه لا بد لها من خدمته، وهذا هو المراد.
وأيضًا: فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين: أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق، وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عَطَلاً عن أي عمل يجب عليها القيام به، ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضَّلت الرجل على المرأة درجة.
ولهذا لم يُزِل الرسول - صلى الله عليه وسلم - شكوى ابنته فاطمة - رضي الله عنها - حينما أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال علي - رضي الله عنه - فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: ((على مكانكما))، فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْد قدميه على بطني، فقال: ((ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما - فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم))، قال علي: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صِفِّين؟ قال: ولا ليلة صِفِّين"؛ البخاري.
فأنت ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لعلي: لا خدمة عليها وإنما هي عليك، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي في الحكم أحدًا؛ ا.هـ.
والأدلة التي تؤيد قول الفريق الثاني القائل بوجوب خدمة المرأة لزوجها ما يأتي:
1- خدمة أمهات المؤمنين - رضوان الله عليهن - للنبي - صلى الله عليه وسلم.
أ- ففي سنن النسائي وابن ماجه - بسند صحيح عن - عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكه وطهوره، فيَبعثه الله من الليل ما يشاء"؛ صحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.
ب- وأخرج الترمذي عن ميمونة - رضي الله عنها - قالت: "وضَعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فاغتسل من الجَنابة".
2 - أخرج البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما زوَّج فاطمة، بعث معها بخَمِيلة ووسادة من أَدَم - حشوها لِيف - ورحاءين، وسقاءَين، فقال علي لفاطمة يومًا: لقد سَنَوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسَبْي، فاذهبي فاستخدمي، فقالت: وأنا والله، قد طحَنت حتى مَجِلَت يداي، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما جاء بك أي بُنَيَّة؟ فقالت: جئتُ لأسلم عليك، واستَحْيَت أن تسأله..."؛ الحديث.
وجاء في "أحكام النساء"؛ لابن الجوزي، ص (124) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال عن فاطمة - رضي الله عنها -: "فجَرَّت بالرحاء حتى أثَّرت في يدها، واستَقَت بالقِرْبة حتى أثَّرت القِرْبة بنحرها، وقمَّت البيت حتى اغبرَّت ثيابها، وأوقَدت تحت القِدْر حتى دنَّست ثيابها".
3- ما أخرجه البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: "تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه وناضحه[8]، فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مَؤونَته وأسوسه، وأدقُّ النوى لناضحه، وأستقي الماء، وأَخْرِز غربَه[9]، وأَعجِن، وكنت أنقل النَّوَى على رأسي من ثلثي فرسخ[10] حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكَفَتنِي سياسة الفرس، فكأنما أعتقني".
وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم: "كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله".
4 - وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228].
فالرجل يكون في الكسب والعمل، ولا يَلِيق أن يكون هو القائم بخدمة البيت، بل هذا يتنافى مع القوامة، وقد مرَّ بنا كلام الألباني - رحمه الله.
5 - وكذلك فقد جرى عُرْف الناس أن المرأة تقوم بخدمة زوجها، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
6 - ما ثبت عند ابن أبي شيبة من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا زفُّوا امرأة إلى زوجها، يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقه".
7 - وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدام الصحابة أزواجَهم، مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية، ولم يخبر بأن ذلك فيه ظلم لتنتصف - على الأقل - الكارهة.
8 - ما أخرجه الإمام مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عَوَان عندكم))؛ أي: أسيرات، ومرتبة الأسير خدمة مَن هو تحت يده.
9 - وفي مسند الإمام أحمد والبيهقي عن الحُصين بن مِحصَن - رضي الله عنه - قال: حدثتني عمتي، قالت: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الحاجة، فقال: ((أي هذه! أذات بعلٍ؟))، قلت: نعم، قال: ((كيف أنت له؟))، قالت: ما آلوه[11] إلا ما عجَزت عنه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فانظري أين أنت منه؟ فإنما هو جنتك ونارك)).
قال الألباني - رحمه الله -: "والحديث ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخدمتها إياه في حدود استطاعتها، ومما لا شك فيه أن أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده، ونحو ذلك"؛ ا.هـ.
وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما عند البخاري: ((والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم)).
تنبيهان:
أ - المرأة تسعى في رعاية مَن يقوم زوجها برعايتهم، كأن يكون له إخوة صغار ولا أمَّ لهم، أو له أمٌّ عجوز أو أب شيخ كبير، وهذا ليس من قَبِيل الفرض عليها - إلا إذا اشترَط عليها ذلك - ولكن تفعل الزوجة هذا من باب الفضل، ولرضا الزوج، وابتغاء الأجر من الله؛ فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ((تزوَّجت يا جابر؟))، فقال جابر: نعم، فقال: ((بكرًا أم ثيِّبًا؟))، قال: بل ثيِّبًا، قال: ((فهلاَّ جارية، تُلاعبها وتُلاعبك، وتُضاحكها وتضاحكك))، قال: إن عبدالله - والد جابر - هلَك وترَك بناتٍ، وإني كرِهت أن أَجِيئهن بمثلهن، فتزوَّجت امرأة تقوم عليهن وتُصلحهن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بارك الله لك، أو قال: خيرًا)).
ب - ليس فيما سبَق من وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك إذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حُسن المعاشرة بين الزوجين؛ ولذلك قالت عائشة - رضي الله عنها - كما عند البخاري: "كان - صلى الله عليه وسلم - يكون في مِهْنة أهله - يعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة".
أن تنفق عليه إن كان فقيرًا وهي ذات مال:
فقد أخرج البخاري ومسلم عن زينب الثقفية - امرأة عبدالله بن مسعود - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تصدَّقن يا معشر النساء، ولو من حُلِيِّكنَّ))، قالت: فرجعتُ إلى عبدالله بن مسعود، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا بالصدقة، فأْتِه فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرَفتها إلى غيركم، فقال عبدالله: ائته أنتِ، فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجتها حاجتي، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُلقِيت عليه المهابة - فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام حجورهما؟ ولا تخبره مَن نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله، فسأله، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن هما؟))، فقال: امرأة من الأنصار، وزينب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أي الزيانب؟))، قال: امرأة عبدالله بن مسعود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة)).
وفي رواية للبخاري أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلي لي، فأردت أن أتصدَّق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولده أحقُّ مَن تصدَّقتُ به عليهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق مَن تصدَّقتِ به عليهم)).
لكن لا تَمُنُّ عليه عند إنفاقها عليه، فإن المن يُبطل الأجر والثواب؛ كما قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" - بسند حسن - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ثلاثة لا يقبل الله منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً: عاقٌّ، ومنَّان، ومكذِّب بالقدر))؛ صحيح الجامع (3065).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم))، قال: فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: ((المُسبِل، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكذب)).
وأخرج النسائي والإمام أحمد - بسند صحيح - عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه، والمدمِن على الخمر، والمنَّان بما أعطى)).
ولله در القائل: "مَن مَنَّ بمعروفه، سقَط شكره، ومَن أُعجِب بعمله، حَبِط أجره".
ومن أصدق من الله حديثًا؛ حيث قال رب العالمين في كتابه الكريم: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263].
ومع أن هذا المال ملك للزوجة، ولكن من حقِّ زوجها عليها، أنها لا تستطيع أن تَهَب أو تتصرَّف في مالها إلا بإذن من زوجها.
فقد أخرج ابن ماجه - بسند صحيح - عن عبدالله بن يحيى - رجل من ولد كعب بن مالك - عن أبيه عن جده: "أن جدته خيرة - امرأة كعب بن مالك - أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحُلِيٍّ لها، فقالت: إني تصدَّقت بهذا، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن زوجها، فهل استأذَنت كعبًا؟))، قالت: نعم، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كعب بن مالك، فقال: ((هل أذِنتَ لخيرة أن تتصدق بحُليِّها؟))، قال: نعم، فقَبِله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها".
وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عِصمتها)).
وفي رواية: ((لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها)).
وقد استدلَّ بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للمرأة التصرف في مالها إلا بإذنٍ من الزوج، فقال الشوكاني - رحمه الله - كما في "نيل الأوطار" (6/ 22):
"وقد استُدِلَّ بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطيةً من مالها بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدةً".
بينما ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه له حرية التصرف في مالها، ويكون استئذان الزوج من باب تمام القوامة وحُسن العشرة.
فقد جاء في "عون المعبود" (9/ 463) عن الخطَّابي - رحمه الله - أنه قال في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها)) عند أكثر الفقهاء: هذا على معنى حسن العِشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال: "ترد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج"، وقد يحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للنساء: ((تصدَّقنَ))، فجعلت المرأة تلقي القُرْط والخاتم، وبلال يتلقَّاها بكسائه، وهذه عطيَّة بغير إذن أزواجهن"؛ ا.هـ.
وعلق الألباني - رحمه الله - كما في "السلسلة الصحيحة" على الحديث رقم (775)، وهو حديث أخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث واثلة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس للمرأة أن تَنتَهِك شيئًا من مالها إلا بإذن زوجها)).
يتبع