قراءة في (قواعد الإملاء)
د. يحيى مير علم
الفصل الثالث
الملاحظات العلمية
تضمنت «قواعد الإملاء» قدرًا غير قليل من الملاحظ العلمية، تفاوتت في نوعها وقيمتها وأهميتها، وقد تجلّى ذلك في صور مختلفة مثل: الخطأ، وعدم الدّقّة، والنقص والزيادة في مواضع من المادة العلمية والقواعد والتعاريف، والأحكام الخاصة والتوضيحات، وهو ما ينافي الأهداف والمبادئ المعتمدة في التصدير، والتكرار، والخلط فيما بين القضايا أو الأمثلة، وأشياء أخرى غير ما تقدّم، سأقتصر على إيراد أمثلة منها:
أولاً: عدم الدّقّة في بيان ما استندت إليه لجنة اللغة العربية وعلومها في قيامها بوضع «قواعد الإملاء» من أنه كان «بناء على قانون مجمع اللغة العربية الذي ينص في المادة الثانية منه على أن مجمع اللغة العربية بدمشق هو المرجعية العليا في شؤون اللغة العربية. وتنفيذًا للمهام المنوطة بالمجمع ومن بينها النظر في أصول اللغة العربية وضبط أقيستها وابتكار أساليب مسيرة [كذا في الأصل] لتعليم نحوها وصرفها وتوحيد طرائق إملائها وكتابتها، والسعي في كل ما من شأنه خدمة اللغة العربية وتطويرها وانتشارها. قامت لجنة اللغة العربية وعلومها بوضع قواعد للإملاء، واعتمدت المبادئ التالية في وضع هذه القواعد...»[45]. وهذا غير دقيق، لأنه لم يتضمّن النصّ على رقم المرسوم الجمهوري الذي سنّ قانون المجمع، ولا على تاريخه أيضًا، وهما من الضرورة بمكان. فالمجمع مرّ بستّ مراحل[46]، عمل فيها وفق عدّة قوانين ومراسـيم. ففي المرحلة الأولى (1919-1922) أُطلق فيها على ديوان المعارف اسم «المجمع العلمي» وحُدّدت فيها أغراضه ومهامّه. وبدأت المرحلة الأخيرة (2001-2008) بإصدار القانون رقم (38) تاريخ 29/5/2001م الذي تضمن تحديد هوية المجمع وصفته، وأغراضه ومهامّه، ولجانه، وعدد أعضائه. وبعد ثمانية أعوام صدر المرسوم رقم (50) تاريخ 11/9/2008م الذي تضمن نظام المجمع الجديد المعتمد. وهو المعنيّ واقعًا واستنتاجًا بما ورد في التصدير. ولا شكّ أن هذا التاريخ العريق للمجمع، والمراحل التي مرّ بها، والقوانين والمراسيم التي عمل وفقها، يقتضي جميع ذلك دقّةً في الصياغة لدى الإشارة إلى ما استندت إليه اللجنة في قيامها بوضع «قواعد الإملاء».
ثانيًَا: التعميم ومجافاة الدّقّة في صياغة المبدأ الثاني من المبادئ الأربعة التي اعتمدتها اللجنة في وضعها «قواعد الإملاء» ولفظه:«2 – السعي إلى القواعد الموحدة على نطاق الوطن العربي، «السعي إلى القواعد الموحدة» وبين مصطلح «اعتماد القواعد الموحّدة» المألوف والمعتمد في كثير من كتب الإملاء. لأن السعي إلى الشيء، وإن كان أمرًا حميدًا، لا يدلّ على التزامه، ولا على إدراك الغاية. والتعميم ظاهر أيضًا في عبارة «الكتب المدرسية» إذ لم تحدّد كتب أيِّ مرحلة دراسية، ولا كتب أيِّ بلد، وإن كان المفهوم من السياق أن المراد بها الكتب المدرسية في الوطن العربي. وهو ما لم يتحقق على المستويين: العربي والوطني، لوقوع الاختلاف فيما بين ما في هذه القواعد وما في نظيرها المعتمد في أقطار المشرق والمغرب في الكتب المدرسية وغيرها، بله الاختلاف فيما بين بعض ما جاء فيها، وبين ما هو معتمد في سورية بلد المجمع نفسه[47].
ثالثًا: عدم الدّقّة في فهم بعض ما جاء في كتب الإملاء، وفيما نتج عنه من أحكام. وقد بدا ذلك واضحًا في صياغة المبدأ الرابع. ونصّه «4 – التسهيل في إيراد القواعد الإملائية، وتجنب التعليلات الصرفية والنحوية ما أمكن». فقد جمع هذا المبدأ بين تحقيق تسهيل القواعد الإملائية، وبين تجنب التعليلات الصرفية والنحوية مع الاحتراز بـ «ما أمكن». والذي يفهم من هذا الربط بينهما، أن تحقيق التسهيل في القواعد يقتضي تجنب التعليلات النحوية والصرفية، وأن تلك التعليلات موضعها قواعد الإملاء. وهذا لا يصحّ من وجوه عدّة. فـ «التعليلات النحوية والصرفية» موضعها كتب النحو والصرف لا كتب الإملاء، كما هو معلوم ومشهور. ولن يحظى قائلُه بأدلّة تثبت وجود تعليلات نحوية وصرفية في كتب هذا الفنّ، وكلّ ما سيجده قدرٌ من المعارف النحوية والصرفية واللغوية، تعتمد عليها بعضُ القواعد الإملائية، كالهمزة المتوسطة حكمًا مثل (هذا بناؤُه، ورأيت بناءَه، ونظرت إلى بنائِه) ورسم الألف اللينة المتطرفة في الثلاثي من الأفعال والأسماء المعربة (فتى، رمى، سعى، مها، دعا) لاعتمادها على معرفة الأصل اللغوي.
لقد حرص كثير من المصنّفين المتقدمين والمحدثين على تأكيد أهمية الربط بين الإملاء وما يحتاجه من المعارف النحوية والصرفية[48]، وذلك لارتباط معارف المنظومة اللغوية التي تُعَدّ ميزة مهمّة من ميزات العربية. وما سوى هذه الأشياء من المعارف النحوية والصرفية والقراءات والتجويد والأصوات والخط وتاريخه، مما قد نجده في كتب الفنّ، مقحم، لا يدخل في أصل موضوعات علم الإملاء. أحسب أن هذا مرجعه إلى أحد أمرين، أحدهما: فهم ما تضمنته بعض كتب قواعد الإملاء من معارف نحوية وصرفية على أنها تعليلات، ثم ما نتج عن ذلك من التعبير عنها بهذا اللفظ، ومن الربط بينها وبين تسهيل القواعد الإملائية. وثانيهما: فهم محاولة بعض كتب قواعد الإملاء أو الكتابة إبعاد الآراء النحوية والصرفية عن قضايا الرسم قدر المستطاع[49]. فكان تعبيرها عن ذلك صوابًا بخلاف ما جاء في «قواعد الإملاء» من جعلها تعليلات نحوية وصرفية. يصحّح هذا أن كتاب المجمع «قواعد الإملاء» طبعة 2004م حرص على هذا الربط بين معارف الإملاء ومعارف النحو والصرف، فقد نصّ على أنه «أجمع رأي أعضاء المجمع على ضرورة وضع قواعد للإملاء العربي تتحقق فيها الشروط التي نتوخاها، ونحن نلخصها فيما يأتي:... ثالثًا: مراعاة خصوصية اللغة العربية المتمثلة في أصول نحوها وصرفها، مما لا نجد له نظيرًا في اللغات الأخرى»[50]. وقد مضى نحو هذا فيما تقدّم من قرارات لجنة الإملاء في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في الدورة الرابعة عشرة التي تضمنت الدعوة إلى التزام جملة مبادئ، كان منها التجديد والتيسير في رسم الحروف، لتسهيل الكتابة على المبتدئين الذين ينفرون من اختلاف قواعدها، وتعدّد وجوه رسم الكلمة الواحدة، وذلك للمحافظة على رسم المصحف الإمام، ولربطهم الرسم بالصرف والنحو، وتحقيق مطابقة المكتوب للمنطوق به[51].
رابعًا: شاب تعاريف بعض موضوعات «قواعد الإملاء» قدرٌ من عدم الدقّة والإحكام، وغياب المنهج، والنقص والزيادة والحشو، وبعض الأخطاء. من ذلك مثلاً:
1- خلا تعريف الهمزة في «قواعد الإملاء» من النصّ على أهم ما يميّزها، وهو أنها الألف التي تقبل الحركات. والنص ثمّة «تعريف الهمزة: هي أول حروف الهجاء وترسم على صورة عين مقطوعة (ء) على الألف أو الواو أو الياء أو مفردة، وتقع في أول الكلمة ووسطها وآخرها»[52]. وهذا لا يجوز، لأن الهمزة حرف صحيح، وهي أول حروف المعجم أو الهجاء، وتسمى الألف اليابسة في مقابل الألف اللينة حرف المدّ الساكن الذي لا يقبل الحركات. والنصّ على هذا من الأهمية بمكان، وهو ما حرص عليه أصحاب كتب الإملاء المعتمدة[53].
2- سقط من تعريف همزة الوصل في «قواعد الإملاء» النصّ على أنها ألف زائدة، ولفظه «همزة الوصل: هي التي تكتب ألفًا، وتلفظ همزة في أول الكلام، وتسقط في درجه لفظًا لا كتابة، نحو: (ادرُسْ، واكتُبْ) والغرض منها التوصل لنطق ما هو مبدوء بساكن من الكلم، لأن العربية لا تبدأ بساكن»[54]. وفي هذا التعريف نقص، لأن حقيقة همزة الوصل أنها ألف زائدة تُجتلب للابتداء بالساكن. ولهذا نصّ على زيادتها أو اجتلابها كثيرٌ من أصحاب كتب الفن المعتمدة[55].
خامسًا: الافتقار إلى الدقّة والإحكام في الصياغة أحيانًا. من ذلك:
1– ما ورد في حاشية الصفحة (12) تعليقًا على كلمة (شاطئ) في المتن، ونصّه «يكتب التنوين على ألف آخر الكلمة، لأن الوقوف عليها بالألف، نحو: جزءًا».
أقول: يتّجه على العبارة المتقدمة جملة ملاحظ، أولها: أن الموضع الصحيح لرمز الحاشية في المتن على الكلمة التي سبقتها، وهي «شاطئًا» لا «شاطئٌ». وثانيها: تقييد رسم التنوين على ألف بـ «آخر الكلمة» حشو، لا مسوّغ له، إلاّ إن كان ثمّة تنوين يقع على غير الحرف الأخير، وهو محال. وثالثها: تحديد موضع كتابة التنوين أنه على ألف آخر الكلمة، ليس دقيقًا، إذ كان تحديد رسم تنوين النصب موضع خلاف مشهور بين الأقدمين، تباينت فيه آراؤهم، وتعددت فيه مذاهبهم، وجرى المحدثون على ذلك. مع أن الأصل في موضع رسمه أن يكون على آخر حرف في الكلمة، أي حدّها الذي يسبق التنوين[56]. ورابعها: تعليل كتابة «التنوين على الألف آخر الكلمة بالوقوف عليها بالألف» في الحاشية غير دقيق، ولا يسلّم به، إذ كان تنوينُ النصب يرسم على الألف المبدلة وقفًا على رأي بعضهم. وأخيرًا، فإن موضوع الحاشية هو رسم تنوين النصب، ومثله لا يعبر عنه بـ «التنوين» مطلقًا من غير قيد. والعدول عن استعمال المصطلح الشائع والمعتمد (الوقف) إلى كلمة (الوقوف) غير صائب، وسيتكرر.
2– حكاية زيادة الواو طرفًا في «قواعد الإملاء» جاءت غير دقيقة وناقصة، واللفظ ثمة: «2) تزاد الواو آخرًا في كلمة (عَمْرو) اسم علم، ما لم يكن منونًا بالنصب نحو: (جاء عَمْرٌو، ومررْتُ بعَمْرٍو) فإذا نُوِّن بالنصب، حذفت الواو، نحو: رأيت عمرًا.».
والصواب المشهور والمعتمد في الإملاء أن يقال: تزاد الواو طرفًا في (عَمْرٍو) فرقًا بينها وبين (عُمَر) في حالتي الرفع والجرّ دون حالة التنوين مع النصب. وظاهر أن الحكاية اقتصرت على شرطين في زيادة واو (عَمْرو): اسم علم، وغير منونة بالنصب. وعدم الدقّة هنا تكمن في أمرين: عدم الإشارة إلى علّة زيادة هذه الواو، وهو التفريق بين هذينِ العَلَمين لاتفاقهما رسمًا جريًا على القديم من قواعد العربية قبل الضبط بالشكل. والثاني: الاقتصار على شرطين من شروطها الستة المشهورة، إذ كانت زيادة الواو فيها لا تتحقّق إلاّ باجتماعها كلّها، وذلك بأن تكون علمًا، غير مضاف، ولا مقترن بأل، ولا منسوب، ولا مصغّر، ولا منصوب منوّن[57].
سادسًا: التكرار والحشو في بعض الكلمات والعبارات، وعدم الدقّة والتكثّر من التفصيلات والتفريعات، مما لا مسوّغ له. وقد ظهرت أمثلته وصوره في مواضع غير قليلة، سأقتصر على إيراد ما لا بدّ منه:
1- ما جاء في التاء المبسوطة والتاء المربوطة، حيث وردت القاعدة في كلٍّ منها متبوعة بتفصيل المواضع الكثيرة التي ترد فيها، ثم جرى تكرار قاعدة كلٍّ منهما مصدّرًا بـ «وبالإجمال» واللفظ ثمّة: «- وبالإجمال فإن ممّا يُفرق به بين التاء المربوطة والمبسوطة أنّ الكلمة التي يوقف عليها بالهاء تكتب تاؤها مربوطة نحو: امرأةٌ، مدرسةٌ، والتي يوقف عليها بالتاء تُكتب تاؤها مبسوطة، نحو: بِنْتٌ، أُخْتٌ، سَبْتٌ». وهذا تكرار لما سبق في البدء مفصّلاً تحت عنوان كلٍّ منهما: «- تُكتب التاء مبسوطةً إذا لم يصحَّ الوقوف عليها بالهاء، وذلك في المواضع التالية..» و«- تُكتب التاء مربوطةً إذا أمكن الوقوف عليها بالهاء وذلك في المواقع التالية..»[58] وظاهر أن تكرار القاعدة للتاءين المربوطة والمبسوطة لا داعي له، ولا جديد فيه، وهو حشو، لا يناسب حجم هذا الكتيّب.
2- ما جاء في الكلام على رسم الألف اللينة آخر الكلمة، من أنها «ترسم الألف آخر الكلمة ألفًا طويلةً، أو ألفًا مقصورة على (صورة الياء غير المنقوطة) وفق القواعد الآتية: أولاً تكتب الألف طويلة في الحالات التالية:
1– في الأدوات نحو: لولا، لوما، هلاّ،، لما..
2- في الأفعال الثلاثية المنتهية بألف منقلبة عن واو..
3– في الأسماء الثلاثيـة المنتهية بألف منقلبة عن واو...
4– في الأسماء المبنية، نحو:..
5– في الأسماء المعرَّبة، نحو:..
6– في الأسماء العربية المنتهية بألف قبلها ياء..
7– في الأسماء التي قُصرت عن مدّ، نحو: السما من السماء..
8– الألف المنقلبة عن بعض أسـاليب النداء، والنـدبـة، نحو: يا أسفا، وا أسفا،..
9– الألف المسهَّلة عن الهمزة، نحو: الملجا من الملجأ..
10- الألف المنقلبة عن نون التوكيد، نحو: واللهَ فاعبدا»[59].
ويتّجه على ما سبق الملاحظ التالية:
أ- خطأ علمي في تسمية «الألف اللينة» بـ (الألف) دون تقييدها باللينة احترازًا من الألف اليابسة التي هي الهمزة، وقد تكرّر في عنوانين، وفي مواضع كثيرة من الشرح. وهذا خطأ محض، لا يجوز أن يقع مثلُه من الأفراد بَلْهَ الهيئات المتخصّصة المعنية بالعربية، فهو مصطلح معتمد ومشهور لدى أهل العربية قديمًا وحديثًا. وفي هذا عدول عن مصطلح معتمد إلى تسمية مبتدعة، لا تصحّ.
ب- جاء في قاعدة الألف اللينة آخر الكلمة أنها ترسم «ألفًا طويلة، أو ألفًا مقصورة على صورة الياء غير المنقوطة». إن توضيح أو تقييد الألف المقصورة بأنها (على صورة الياء غير المنقوطة) لا ضرورة تستدعيه، فضلاً عن أنه ليس في العربية حرف اسمه الياء غير المنقوطة. إذ قد يفهم من ظاهر العبارة أن الألف المقصورة ترسم بغير ما وجه، فاقتضى تقييدها بذلك، وهو ما لا وجود له.
ج- تكرر حرفُ الجر (في) سبع مرات في التفصيل والتفريع صدر كلّ نوع، مع أنها وردت في الإجمال بلفظ «في الحالات التالية:» وذلك يغني عن تكرارها حشوًا.
د- وردت الأنواع الأربعة الأخيرة ذوات الأرقام (7 و8 و9 و10) مقحمةً في المواضع الأربعة أو الخمسة المشهورة التي ترسم فيها الألف اللينة ألفًا طويلة آخر الكلمة. وظاهر أن الألف في الأنواع الأربعة ألفاتٌ عارضةٌ مبدلةٌ من النون، أو ياء المتكلم، أو مسهّلة من الهمز. وهو ما يفسّر عدم ورودها في معظم كتب الإملاء، مع كونها أكبر حجمًا وأكثر استيفاءً من كتيّب المجمع. وإن وردت في بعضها كانت مستقلة عن المواضع المتقدمة للتنبيه عليها[60].
هـ- يمكن الجمع بين النوعين الثاني والثالث في قاعدة واحدة، ولا داعي لزيادة التفريع والتقسيم، وهو ما جرى عليه بعض المصنّفين، وذلك بأن يقال مثلاً: الثلاثي من الأفعال والأسماء المعْربَة المنتهية بألف لينة منقلبة عن واو، نحو: سما، العصا. ولا شكّ أن كتيّب القواعد أولى بالإيجاز.
و- استُعمل مصطلح «الأدوات» بدل (حروف المعاني) وذلك في النوع الأول متبوعًا بـ «لولا لوما، هلاّ، لما. ما عدا الأحرف الأربعة: إلى على، بلى، حتّى» وهذا غير دقيق، لأن (الأدوات) تشمل النوعين: الحروف والأسماء المبنية. يؤكّد هذا أن الأمثلة والاستثناءات كانت من الحروف.
ز- عدم الدقّة في صياغة العبارة عن الأنواع أو المواضع ذوات الأرقام (1 و4 و5) وذلك لأنها جاءت مطلقة «في الأدوات.. في الأسماء المبنية.. في الأسـماء المعربة..» دون وصفها بـ (المنتهية بألف لينة) كما ورد في الأنواع ذوات الأرقام (2 و3 و6) على الصواب.
سابعًا: جمعت «قواعد الإملاء» بين فرط العناية بالتفريع والتفصيل والتكثّر والحشو، وبين صور من النقص. وقع ذلك في مواضع، منها:
1 – هناك جملة مواضع من النقص في الكلام على الزيادة والحذف. يمكن إيجازها فيما يأتي:
أ- قصرت «قواعد الإملاء» حروف الزيادة على الألف والواو، وأغفلت زيادة (هاء السكت). واللفظ ثمّة «ما يزاد من الحروف حرفان هما: الألف والواو»[61]. والمعلوم أن هاء السكت أو هاء الوقف أو الاستراحة تزاد وقفًا في الرسم، وتسقط وصلاً في غير القرآن الكريم. وهو ما سوّغ إدراجها في باب الزيادة والحذف في كتب الفن، لأن الباب يرصد مواضع التباين أو الاختلاف بين المكتوب والمنطوق، وزيادتها على صورتين، وجوبًا: في موضعين مشهورين، هما الأمر من المعتل اللفيف المفروق، مثل: فِـهْ بوعدِك، قِـهْ نفسَك. والأمر من رأى، يرى: رَهْ عيوبَك. وجوازًا: في مواضع عدّة، أشهرها: الأفعال التي تبقى على حرفين، وذلك في المضارع المجزوم والأمر من المعتل الناقص، مثل: لم يرمِ/ ـهْ، لم يسعَ/ ـهْ، لم يدعُ/ ـهْ. وفي الأمر: ارمِ/ ـهْ، اسعَ/ ـهْ، ادْعُ/ ـهْ. وفي الاسم المنتهي بياء المتكلم، مثل ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾[الحاقة 29-30]. وفي (ما) الاستفهامية مسبوقة بحرف جرّ، مثل: ﴿ قال رَبِّ لمَ حَشَرْتَني أعْمى ﴾[طه 125] و: لِمَ/ ـهْ تأخرت؟ وفي كلّ متحرك بحركة بناء لازمة، مثل: كَيْفَ/ ـهْ[62].
ب- قصرت «قواعد الإملاء» زيادة الألف على أول الكلمة وآخرها، وأغفلت زيادتها في وسط الكلمة في كلمة (مائة) خلافًا لكثير من كتب الفنّ التي ذكرتها[63]. واللفظ ثمة «تزاد الألف في أول الكلمة وفي آخرها»[64].
ج- أغفلت «قواعد الإملاء» النصّ على الحالات الأربع المشهورة التي لا تُزاد فيها الألف طرفًا لتنوين النصب، خلافًا لكتب الفنّ التي عُنيتْ بها وأثبتتها[65]، على أهمية هذه الاستثناءات في عصمة أقلام الطلبة والمثقفين والكاتبين من الخطأ في كثير من الكلمات التي تنتظمها هذه القاعدة.واللفظ ثمّة مع مواضع أخرى تقتضي التنبيه عليها «ب – تُزاد آخرًا في المواضع التالية: 2 – آخر الاسم المنصوب المنون، نحو: أكرمتُ عالماً جليلاً.فإذا وُقِفَ عليها لُفِظَت»[66]. ومعلوم أن المواضع التي لا تزاد فيها ألف لتنوين النصب هي: الأسماء المنتهية بـ: التاء المربوطة، مثل: كتبتُ رسالةً، وبهمزة بعد ألف، مثل: شربت دواءً مساءً، وبهمزة فوق ألف، مثل: أصلحتُ خطأً، وبألف مقصورة، مثل: رأيت فتًى.
وأمّا عبارة «..فإذا وُقِفَ عليها لُفِظَت» فغير دقيقة، لأن هذه الألف الزائدة لتنوين النصب هي ألف العوض المبدلة من التنوين لدى الوقف عليه، فهي ألف تكتب رسمًا، وتنطق وقفًا، وتسقط وصلاً. لذا، فإن حقيقة الوقف ليس عليها بل على تنوين النصب الذي تُبدل منه وقفًا.
2– ومن أمثلة النقص في المادة العلمية وعدم الدّقّة مع التكثّر مما لا داعي له، ما جاء في الكلام على الحذف:
أ– قصرت «قواعد الإملاء» الحروف التي تحذف على: الألف، واللام، والحرف المدغم بغيره. واللفظ ثمّة:«الأحرف التي يصيبها الحذف في الكتابة، هي: الألف، واللام، والحرف المدغم بغيره»[67]. والمشهور في أكثر مصنّفات العلم أن الحروف التي تحذف في الكتابة ثلاثة، هي:
• الألف أولاً في المواضع الخمسة التي تحذف فيها ألف الوصل، ووسطًا في كلماتٍ ثمانٍ مشهورة، ذكرت «قواعد الإملاء» أربعًا منها، هي (إله، الله، أولئك، لكنْ/ لكنّ) وأسقطت أربعًا، هي(السموات، يس) و(طه، الرحمن). ونبّهت في الحاشية على أن «معظم الكتاب يحذف الألف في كلمتي طه والرحمن». وهذا كافٍ لإثباتهما في المتن على المشهور والمعتمد، لا في الحاشية التي لا داعي لها. وتحذف الألف طرفًا في خمسة مواضع: (ما) الاستفهامية مسبوقة بحرف جر، و(ها) التنبيه مع أسماء الإشارة (هذا، هذه، هذان/هذين، هؤلاء) و(ذا) الإشارية إذا اتصلت بلام البعد، و(يا) الندائية إذا دخلت على (أهل، أيّ، أيّة)، وكلمة (طه). وبذا تكون «قواعد الإملاء» قد أغفلت العنوان «حذف الألف طرفًا» وذكرت خطأً موضعين من المواضع الخمسة ضمن حذف الألف وسطًا، هما: حذفها مع (ذا) الإشارية متصلةً بلام البعد (ذلك)، ومع (ها) التنبيه متصلةً بأسماء الإشارة (هذا، هذه، هؤلاء). ولا أدري كيف وقع مثله، مع شهرته ووضوحه. لأن حذف الألف وقع طرفًا في كلّ من: (ذلك) المركبة من ثلاث كلمات (ذا+ل+ك)، و(ذاك) المؤلّفة من كلمتين (ذا+ك)، و(هذا، هذه هؤلاء) المؤلّفة من كلمتين (ها+ذا) و(ها+ذه) و(ها+أولاء). وأمّا ما نبهت عليه في حاشية آخر تعريف الزيادة والحذف إلى أنه «ثمة حذف بالكتابة واللفظ فلا تدخل في هذا الباب، نحو: بِمَ؟ فيمَ؟ علامَ؟» فهو خلاف المشهور والمعتمد في كتب الفنّ، لأهمية النصّ على حذف الألف طرفاً من (ما) الاستفهامية مع حروف الجر.
• (أل) التعريف في نوعين من الكلمات: الأسماء التي تبدأ بلام، وتكون معرّفةً بـ (أل) ودخلت عليها لام ابتداء أو جرّ، مثل: (لَلّبنُ، لِلّبنِ) وهذه أغفلتها «قواعد الإملاء» على شهرتها وإثباتها في كتب الفن[68]. والأسماء الموصولة التي تكتب بلامين، إن دخلت عليهما لام الابتداء أو لام الجر (اللذانِ/اللذينِ، اللتانِ/اللتينِ). وهذه أوردتها «قواعد الإملاء» خطأً في مواضع حذف الألف أولاً، مع أن الحذف فيها تناول الحرفين معًا (أل). ولفظه «د – من أول الأسماء الموصولة المبدوءة بها، إذا سبقت باللام الجارة أو المؤكّدة، نحو: لِلّذي، للتي، لِلّتين، لَلّتان، لَلّذي، لَلّذان، للّذين»[69].
• النون في عدة مواضع أغفلتها «قواعد الإملاء»: من حرفي الجر (مِنْ، عَنْ) إذا اتصلتا بـ (مَنْ) الموصولة، و بـ (ما) الموصولة والاستفهامية والزائدة، ومن (إنْ) الشرطية متصلةً بـ (لا) النافية، و(ما) الزائدة، ومن (أنْ) المصدرية متصلةً بـ (لا) النافية والزائدة، ومن كلّ كلمة تنتهي بالنون وتتصل بها نون النسوة أو نون الوقاية أو (نا) الفاعلين. مع التنبيه هنا إلى خلط بعضهم بين ما يُسمّى في الإملاء والكتابة حذفًا، وبين ما يُسمّى في الصرف والتجويد إدغامًا، فينكرون الحذف ثمّة، ويجعلونه إدغاماً.
ب– ويتصل بما سبق من النقص في المادة العلمية وعدم الدقّة والخلط بين موضوعين إغفالُ «قواعد الإملاء» لحذف النون رسمًا في المواضع المتقدّمة، واستبدال (الحرف المدغم) بها، وإيراد ثلاثة أمثلة، واحد للإدغام، ومثالان لحذف النون، واللفظ ثمّة «3- الحرف المدْغَم: كلُّ حرف يُدغَم في غيره يُحْذف، ويعوض منه بشدَّة، نحو: مَدَّ، آمَنَّا، لكنَّا»[70]. ويتّجه على ما سبق جملة ملاحظ:
• عدم الدّقّة في التعبير عن الإدغام، بأنه كلّ حرف يدغم في غيره يحذف، ويعوض منه بشدّة. ولا يصحّ هذا، لأن الشّدّة رمز للإدغام، أو عَلَم عليه، لا تعويض عن الحرف المدغَم المحذوف رسمًا، إذ لا يمكن لرمز من رموز الضبط والشكل أن يكون تعويضًا عن حرفٍ محذوف.
• الاستعمال غير الدقيق للفعل (يعوّض) لأن التعويض مصطلح مشهور في العربية لغير هذا، وهو يتناول الحروف، عندما يحذف حرف لداعٍ ما، ويُعَوَّض عنه حرف آخر، مثل حذف الواو من الفعل الثلاثي المعتل المثال في المصدر، والتعويض عنها بالتاء في آخره. مثل (عِدَة، صِلَة، هِبَة).
• وقوع الخلط فيما بين ظاهرة الإدغام في الفعل الثلاثي المضعّف (مَدَّ) وبين حذف النون رسمًا في المواضع المتقدّمة وفي المثالين (آمَنَّا، لكنَّا) حيث وقعت آخر حرف في كلمة، وأول حرف في كلمة تليها (آمَن + نا) و (لكن+نا) فقد حذفت النون الأولى كتابةً، ورسمت الثانية مقيّدة بعلامة الشدّة، رمز الإدغام، الذي يعني أن ثمّة حرفين في النطق، وإن رُسِما حرفًا واحدًا.
• ما ورد في «قواعد الإملاء» من أن «كلّ حرف يدغم في غيره يحذف» لا يصحّ على إطلاقه، فهو مقيّد بوقوع الإدغام في كلمة واحدة. وأمّا الإدغام الذي يقع في كلمتين في حرفين متماثلين، أو متقاربين، أو متجانسين، فهو إدغام في النطق، لا حذف فيه للحرف المدغم في غيره. وأمثلته كثيرة، موضعها كتب التجويد. ومعلوم أن قواعد الكتابة والإملاء تُعنى أساسًا بالخطّ والرسم.
ج– ومن أمثلة النقص في المادة العلمية وعدم الدقّة في التعبير ما ورد في «قواعد الإملاء» لدى الحديث عن حذف الألف وسطًا من (ها) التنبيه، ولفظه: «ب- (ها) التنبيه في أسماء الإشارة المفردة أو المجموعة غير المبدوءة بتاء، نحو: هذا، هذه، هؤلاء»[71]. وفي هذا، على ما سبق من خطأ إيراده ضمن مواضع حذف الألف وسطًا، وإسقاط حذف الألف طرفًا، نقصٌ في بيان القاعدة والأمثلة بعدها، ومجافاة للدّقّة في الصياغة، فالمشهور في كتب الفن أن الألف تحذف من (ها) التنبيه طرفًا أو آخرًا إذا اتصلت باسم إشارة، غير مبدوء بهاء، ولا تاء، وليس بعده كاف الخطاب[72]. وذلك يشمل (هذا، هذه، هذانِ/هذينِ، هؤلاء، هكذا، وأيّهذا). بخلاف أسماء الإشارة المبدوءة بتاء أو هاء أو بعدها كاف، فلا تحذف الألف منها طرفًا (هاتانِ/هاتينِ، ها هنا، ها ذاك). لذا كانت صياغة القاعدة هنا غير دقيقة لِقَصْر حذف الألف على أسماء الإشارة المفردة والمجموعة غير المبدوءة بتاء من جهة، ولِقَصْر أمثلة الحذف على ثلاث كلمات من جهة أخرى.
ثامنًا: ما اشتملت عليه قواعد الإملاء من خلط بين أشياء مختلفة، وإن بدت متقاربة. من ذلك مثلاً:
1– عدم التفريق بين حذف همزة الوصل وحذف (أل) التعريف، وهو خلط بين صورتين للحالة الواحدة، فقد اشتملت المواضع الأربعة لحذف الألف أولاً على صورتين، هما على الحقيقة حالة واحدة، أعني حذف الألف من (أل) التعريف في الأسماء المعرّفة بها، وحذف الألف من أول لفظ الجلالة، مسبوقةً بلام جارة أو مؤكّدة في كليهما، مثل (لَلحقُّ - لِلحقِّ، لِلّهِ - لَلّهُ ). واللفظ بحروفه وضبطه ثمّة «1) تحذف الألف أولاً في المواضع التالية:...
ب- من: ال التعريف، إذا سبقت باللام الجارة أو المؤكّدة، نحو: لِلأمرِ، إنَّه لَلحقُّ، لَلرّجلُ أمينٌ. ج – من أول لفظ الجلالة: الله، المسبوق بلام جر أو توكيد، نحو: لِلهِ الأمرُ، لَلّهُ أعزُّ وأكرمُ، لِلّهِ لَأصْدُقنَّ»[73].
2 – الخلط بين بعض مواضع حذف الألف وسطًا وطرفًا، فقد مضى قريبًا أن «قواعد الإملاء» ذكرت خطأً موضعين من المواضع الخمسة لحذف الألف طرفًا ضمن حذفها وسطًا، وهما: حذفها مع (ذا) الإشارية متصلة بلام البعد (ذلك)، ومع (ها) التنبيه متصلةً بأسماء الإشارة (هذا، هذه، هؤلاء). وأنها أغفلت العنوان (حذف الألف طرفًا).
3 – الخلط بين نوعي ما يجب أن يكتب موصولاً من الكلمات ثم الجمع بينهما في المواضع، مع شيء من عدم الدّقّة، ولفظه: «ثانيًا: الوصل: هو جعل كلمتين أو أكثر بمنزلة كلمة واحدة كتابةً، والقاعدة في ذلك أن ما لا يصحّ الابتداء به والوقف عليه وجب وصله، لأنه لا يستقل في النطق. ومواضعه هي الآتية:
1 – الضمائر المتصلة، نحو: علمتُ، أكرمْنا، ذهبْنَ، بيتُه، كتابُكَ، زوجُها.
2- الأدوات الموضوعة على حرف واحد، كالباء واللام والسين ونون التوكيد، نحو: لَلْقولُ صحيحٌ، سنسافرُ، اكْتُبَنْ...
3- علامات التأنيث والتثنية والجمع السالم، نحو: كاتبةٌ، رَجُلانِ، فاضلاتٌ، فاضلون.
4- المركب المزجي، نحو: بعلبكّ، معديكَرِب...
5– في الأسماء والحروف التالية: 1 – ما:... 2- مَنْ:... 3 – لا:... 4- إذ الظرفية:... 5- ذا الإشارية:... وَيْ التعجبية:...»[74].
وللموضوع تتمة