مقدمات مهمة في التزكية وسبيلها (2)
الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي
هذه مقدمات مهمة مختصرة في التزكية وسبيلها، نسأل الله النفع والهداية بها:
المقدمة الثانية
التزكية والهداية من مطالب الكتاب والسنة
أولًا: معنى التزكية ومطلبها في الكتاب والسنة:
المراد بالتزكية: عند أهل اللغة: الزيادة والنماء والتطهير، ومنه قول الله سبحانه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].
والمراد منها اصطلاحًا أو شرعًا: تطهير النفس وإصلاحها من أمراضها؛ كالكفر والشرك، والنفاق، والظلم، والجهل، والهوى، والكبر، والعجب، والغرور، وطلب الجاه، وحب الشهوات المحرمة، وصرف الخوف والرجاء والتوكل والمحبة في العبودية لغير الله، وإصلاح النفس والقلب بأضدادها، من التوبة، والخشية، والإنابة، والمحبة، والتوكل.
ولا يكون ذلك إلا بما دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، كتحقيق الإيمان، والإخلاص والمحبة، والعمل الصالح، وفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور - كما سيأتي إن شاء الله -، ولهذا أرشد الله لها في القرآن فقال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7-10]، وقال سبحانه: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [الأعلى: 14-15]. وقال تعالى في وظيفة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ﴾ [طه: 75-76]، وجاء في الحديث دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها".
وكذلك فإن تزكية النفس والقلب، فيه ارتباط بين الظاهر والباطن في الصلاح والهداية، فإن من صلح له قلبه، واستقامت له نفسه، أثر ذلك في سلوكه وعبادته وعمله الظاهر بالصلاح والاستقامة وحسن الخلق، لأن فساد الظاهر دلالة قوية على فساد الباطن، وقد جاء في الحديث: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
وقال الشاطبيُّ - رحمه الله تعالى -: "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك".
وقال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: "من أحب تصفية الأحوال فليجتهد في تصفية الأعمال: قال تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾ [الجن: 16]".
فتزكية النفس والقلب من مطلوبات الكتاب والسنة، والنصوص بينة فيها وكثيرة، لكن الصوفية اشتغلوا بها وخلطوا معها البدع والشركيات والضلالات، كما قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "الدينُ كلُّه خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخلُقِ زاد عليك في الدين".
ومنهج أهل السنة ليس فيه تصوف بواقعه الطرقي المنتشر بين المتأخرين منهم خاصة، إنما فيه استقامة وتزكية، كما قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 14]، وقال أيضًا: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [آل عمران: 164]، وقال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾.
وهذا ما كان عليه الصوفية الأوائل الموصوفين بالسنة والعلم والفضل، كما قال شيخ الإسلام، لأن الإنسان سائر إلى الله على جميع أحواله، أي راجع إليه، موقوف بين يديه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ [العلق: 8]، إلا أن المؤمن في سيره أعد نفسه وعمله بما أمر به الله ورسوله توحيدًا وتزكية واتباعًا، والشقي الفاجر خالف فيلقى ربه بغير هدى ولا زاد ولا عمل يرجوا به رحمته وجنته.
ثانيًا: مراعاة الألفاظ وضبطها:
ومما عرف من الألفاظ في باب التزكية والسلوك "لفظ التصوف"، فقد جعلها الصوفية في بيان حالهم وزهدهم وطلبهم للآخرة، وهؤلاء صوفية الزهاد والعباد، لهذا فإن كلمة "التصوف" لفظ قد يخرج منه موافقة للكتاب والسنة بحسبه، وقد يخرج منه مخالفة وبدعة بحسبه، ولهذا يكون النظر إلى الحال والعمل، لا إلى اللفظ المجرد.
والمتصوفة الأوائل كان فيهم نوع تسنن بالكتاب والسنة، إلا أن من جاء بعدهم غلب عليهم البدع والطرق والضلال، فصار التصوف مما لا يطلب ولا يمدح، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ الفقر والتصوف قد أدخل فيها أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت فقرا أو تصوفا؛ لأن الكتاب والسنة إذا دل على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر، كما يدخل في ذلك أعمال القلوب، كالتوبة والصبر.. وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله؛ كما يدخل فيها بعضهم نوعا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام، وآخرون نوعا من المخالفة للشريعة، إلى أمور ابتدعوها، إلى أشياء أخر، فهذه الأمور ينهى عنها بأي اسم سميت".
ومثله لفظ "السير، أو السائر إلى الله، والزاهد، والعابد"، فقد يكون المعنى منه التصوف البدعي، وقد يكون المعنى منه التزكية الشرعية، وهذا الثاني هو المقصود في كتابنا هذا، ولهذا فإن من الغلط رد الألفاظ دون النظر إلى مدلولاتها على الحقيقة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "الألفاظ التي جاء بها الكتابُ والسنّةُ علينا أن نتبّع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والتقوى والإحسان والتوكل والحب لله".
وقال أيضاً: "وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنّة ولا تقف السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحدٍ أن يوافقَ من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنىً يوافقُ خبرَ الرسول أقرَّ به، وإن أراد بها معنى يخالفُ خبرَ الرسولِ أنكره".
ثالثًا: التصوف السني والبدعي والقول فيهما:
وعلى هذا فقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في تفريقه بين صوفية أهل السنة، وصوفية أهل البدعة، بقوله:
"والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، وأبو القاسم القشيري في الرسالة، كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث، كالفضيل بن عياض، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وعمرو بن عثمان المكي، وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، وغيرهم، وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب....".
ثم قال: "لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد، ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة، وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين، فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث، وهم خيارهم وأعلامهم... وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم، وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة، كهؤلاء الملاحدة".
وكذلك فعل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في "مجموع فتاويه" حيث قال: "المتصوفة على قسمين: متصوفة سُنِّيِّين، ومتصوفة بدعِيِّين، ومقتصدوهم ليس فيهم إلا القليل من البدعة، وبعضهم عنده الشيء الكثير، وجعلوا التصوف نافذة إلى وحدة الوجود".
وليس المقصود هنا بذكر تقسيم الصوفية إلى سنية وبدعية هو تصويب طريقهم في التزكية والسلوك بإطلاق، كلا، فكيف يصوب طريق من حشوا عقولهم وقلوبهم بالكشف والذوق والوجد والرؤى، وتقبيل الأعتاب والأخشاب، وسؤال الموتى في قبورهم مما لا يسأل به إلا الله وحده، إنما القصد يكون:
أولًا: في بيان طريقة تعامل الأكابر من أهل العلم بالعدل والإنصاف مع المخالفين، فلا يصدرون الأحكام مطلقة، أو جزافًا دون تحقيق وتبيين، وهذا ما كان عليه سادة السلف ومحققيهم.
وهذا عين ما فعله ابن القيم - رحمه الله - في "مدارج السالكين" مع الشيخ إسماعيل الهروي، صاحب "منازل السائرين"، كما أن المتتبع لعلوم شيخ الإسلام ابن تيمية ومؤلفاته على سبيل المثال، يجد دقته وتحقيقه في المسائل والأحكام والفرق، بل ومراعاة العدل والإنصاف حتى بين مخالفيه أنفسهم، على خلاف ما عليه بعض المتأخرين في زماننا، حيث وقعوا في صور من المجازفة والتبديع المطلق لمجرد تصويب قول، أو التماس تأويل شرعي يحمل فيه الكلام على أحسن محامله، وهذا من قلة العلم، وسوء الفهم، واتباع الهوى.
فالقول: أن الصوفية فيهم المتسننة والمبتدعة، ليس لاتباعهم، إنما لبيان من وافق منهم متابعة الحق والهدي والسنة، حتى لا يُرمى ببدعة أو زندقة لكونه من المتصوفة، ومن المسائل الواضحة أنه ليس كل من قال حقًا أو وافقه كان من أهله دون بينة أو برهان.
فأصحاب الفرق وافقوا الحق والسنة في مسائل، فلا يعني هذا تصويب ما هم عليه من باطل وضلال، كالشيعة والمعتزلة والأشاعرة والصوفية، إنما قبول ما عندهم إذا وافق الكتاب والسنة لأنه الحق، وليس لكونهم قالوا به، فكذلك التزكية والزهد وأعمال القلوب هي من أصول الدين وقواعده، وهدي السنة فيها أكمل وأعلى وأهدى.
ولهذا ذهب محدث عصرنا الإمام محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - إلى رفض تقسيم التصوف إلى سني وبدعي، خلافًا لما سلف عن شيخ الإسلام وغيره، وقال جوابًا على أحد الأسئلة التي وجهت إليه عبر الهاتف، عن هذا التقسيم من شيخ الإسلام للتصوف: "التصوف لا يمدح لأنه تصوف، لكن ما كان منه مطابقاً للكتاب والسنة فهو مما ينبغي عدمرده بمجرد أنه يقال إنه تصوف، يعني لاشك أن المذهب من المذاهب الأربعة للأئمةالأربعة هو الأقوى والأسلم من كثير من أقوال المتصوفة، فكما أنه يوجد في كل مذهب من المذاهب ما يوافق الكتاب والسنة فيؤخذ به لموافقته للكتاب والسنة، لا لأنه مذهب إمام من الأئمة، وإذا وجد في مذهب من مذاهب هؤلاء الأئمة ما يخالف الكتاب والسنة رد ورفض، وإن كان قد قال به إمام من الأئمة، فالتصوف كذلك يُقالُ فيه، ما وافقالكتاب والسنة فهو صواب وما خالفه فليس بصواب، لكن لا ينبغي أن يقال هناك تصوف صالحوتصوف طالح لأن ما في الكتاب والسنة يغني عن كل ذلك، هذا رأيي واعتقادي".
وكلام العلامة الألباني قاعدته؛ أن المتأمل اليوم في حالة المتصوفة وبدعهم وانحرافهم عن منهاج السنة النبوية في كثير من أعمالهم، لا يمكنه عمليًا أن يميز بين تصوف سني أو بدعي، فإما أن تكون صوفيًا، أو لا تكون، هذا لسان حالهم وعملهم، فلا يستطيع السالك السائر إلى الله معهم اليوم أن ينفك عنهم عملًا مع موافقته لهم تسمية ولفظًا، وهذا حقيقة ما يميل القلب إليه، ويطمئن له في زماننا، خاصة إذا عرفنا أن هناك من يلبس على عوام المسلمين بالتصوف السني، ليأخذهم إلى التصوف وطرقه ومنكراته من حيث لا يشعرون، ومعلوم من قواعد الفقه والعلم أن سد الذريعة واجب ومقدم على جلب المصلحة، هذا إذا كان هناك مصلحة في التقسيم، وإلا فحسب السائر إلى الله والدار الآخرة أن يكون على منهاج الكتاب والسنة في التزكية والهداية، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
ثانيًا: كما أن من القصد أن ندرك أن الصوفية لم يأتوا بجديد، ولم ينفردوا بطريق في باب الزهد والورع والتزكية، إنما هي من أصول الإسلام ومنهاجه القويم، وسيأتي معنا بيان من كتب فيها من أكابر العلماء والسلف.
ومن هنا نعلم أن أبواب التزكية ليست من خصائص الصوفية وحدهم، إنما نشأ اللبس أنهم اشتغلوا بها واعتنوا بها دون غيرهم، مما أورثهم ابتداعًا في طرقها ووسائلها، وأدخلوا أشياء ومنكرات لا يعرفها الإسلام ولا أهله، فاختلط الأمر على البعض.
يتبع